ملخص
صوتان إسرائيليان من المعارضة يأتيان إلى مهرجان البندقية السينمائي هذا العام في الفترة من الثاني إلى الـ12 من سبتمبر (أيلول) الجاري، ليقولا ما يصعب قوله في إسرائيل اليوم. أموس غيتاي وآفي مغربي، اسمان معارضان وضميران ينتميان إلى تجربتين مختلفتين، يلتقيان في موقف نقدي من سياسات حكومتهما، في انحياز واضح إلى حق الفلسطينيين في الذاكرة والأرض والحياة.
لا يقدّم أي من المخرجين نفسه ناطقاً باسم شعب، لكنهما ينظران إلى الصراع من موقع إسرائيلي معارض، مدركين أهمية مساءلة السلطة في زمن الحرب.
واللافت أن كليهما يعود، في فيلمه الجديد، إلى أفلام قديمة أنجزها قبل أعوام، ليستخرج منها صوراً ومشاهد ولقطات واضعاً إياها في مواجهة حاضر مختلف تماماً. غيتاي يستدعي أرشيفه وذاكرة أوسلو، بينما يعثر مغربي، بعد 15 عاماً، على مواد بصرية أهملها في فيلم سابق. فماذا يعني أن يعود مخرجان إلى الماضي كي يتحدثا عن الحاضر؟ غالب الظن أن الواقع أصبح عصياً على التصوير، إلى حد أن الوثيقة القديمة باتت أكثر قدرة على البوح.
"الطريق إلى أريحا"
في "الطريق إلى أريحا"، المعروض خارج المسابقة، يعود غيتاي، وهو في منتصف السبعينيات من عمره، إلى الأرض التي شكّلت جزءاً أساساً من سينماه، فيما تبدو إسرائيل وفلسطين أبعد من أي وقت مضى عن اللحظة التي كان فيها السلام احتمالاً ممكناً. مقاطع من أفلامه القديمة تتجاور مع لقطات حديثة، وأصوات إسحق رابين وصامويل فولر وجان مورو وآخرين تعود من الماضي لتدخل في نقاش مع واقع دموي مستجد.
أريحا في الفيلم فكرة سياسية أكثر منها مكان. كانت المدينة، إلى جانب غزة، في صلب اتفاق أوسلو. استعادة صوت رابين، الذي سبق لغيتاي أن حاوره وعاد إلى اغتياله في "رابين، اليوم الأخير"، تمنح ذلك الماضي شرعيته المفقودة. كلمة "السلام" التي كانت جزءاً من الخطاب السياسي الإسرائيلي صارت من المفردات التي لا أحد يريد نطقها.
في خان الأحمر، حيث المدرسة المبنية من التراب والإطارات والأطفال المهددون بالرحيل، يجد الفيلم مادته الأكثر مباشرة. لا يحتاج غيتاي إلى استعارة: المكان نفسه يكفي لتحديد مدى تفاوت القوة. سينمائياً، يظل غيتاي وفياً لأسلوبه التأملي: إيقاع بطيء، تراكبات بصرية، صور الحاضر وقد غمرتها ظلال الماضي، وصوت يفرض حضوره على الصورة. السماء أصبحت مصدراً للخطر المتواصل بعد "طوفان الأقصى"، وهي الفكرة التي يبدأ بها الفيلم.
خيارات غيتاي السردية والبصرية تحمل ضعفها أيضاً. مع ذلك، تكمن أهمية الفيلم في موقع مخرجه. غيتاي إسرائيلي يصوّر على نقيض المزاج الإسرائيلي العام بعد السابع من أكتوبر، وفي لحظة بات فيها مجرد اتخاذ هذه المسافة تحدياً سياسياً. طبعاً، "الطريق إلى أريحا" لا يقترح حلاً للصراع، لكنه يرفض أن تكون اللغة الوحيدة المتاحة هي لغة الانتقام والقتل.
"حلحال" آفي مغربي
آفي مغربي من أشد المعارضين لفكرة إسرائيل نفسها، عبّر عنها في أفلامه الوثائقية، ولكن أيضاً من خلال خياراته الحياتية إذ ترك تل أبيب ليعيش في لشبونة. يقول صاحب فيلم "من أجل واحدة من عينيّ الاثنتين" (2005) عن الإذلال الذي تعرض له الفلسطينيون على يد عناصر من الجيش الإسرائيلي، إنه لم ينجز فيلمه الجديد "حلحال" (قصير معروض خارج المسابقة)، بل "عثر عليه". ففي أثناء عمله على تركيب فيديو لبينالي البندقية للفنون، أعاد اكتشاف مشاهد صوّرها قبل نحو 15 عاماً لفيلمه "دخلتُ مرة جنينة" ولم يستخدم منها إلا القليل. كانت الكاميرا يومها ترافقه مع أستاذه في اللغة العربية وصديقه الفلسطيني علي الأزهري، في رحلة إلى صفورية، القرية التي طُردت منها عائلة الأزهري خلال النكبة، بحثاً عن آثار الكارثة. كانا يبحثان عن الأطلال. لكنهما وجدا شيئاً آخر: نبات الحلحال، الهليون البري، ينبت في المكان ويعلن، بصمته، أن الحياة لم تتوقف. من هذه المفارقة يبني مغربي فيلماً ضيق النطاق لكن كثيف الدلالة. فالصور القديمة، التي بقيت مهملة كل هذه السنوات، تستعيد اليوم معناها في سياق نكبة جديدة.
علاقة مغربي بعلي الأزهري كانت في صلب ذلك الفيلم القديم. فالمخرج الذي جعل من مساءلة السياسة الإسرائيلية أحد ثوابت سينماه، كان يدخل إلى التاريخ من باب شخصي وحميم. يتعلم العربية، يستمع إلى حكايات صديقه، ويتتبع معه عائلة اقتُلعَت من مكانها، في محاولة لفهم كيف تحول التعايش القديم بين جماعات مختلفة إلى هذا الانفصال العنيف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كان علي، ابن صفورية، يحمل في حضوره التناقض المؤلم: رجل يستطيع أن يتحدث عن المكان الذي ينتمي إليه، لكنه لا يستطيع بالضرورة العودة إليه. وفي الفيلم الجديد، يعود هذا الماضي من خلال صور لم تكن تعرف أنها ستصبح، بعد أعوام، وثيقة على ما صمد.
لطالما فضّل مغربي التفاصيل الشخصية على أي شيء آخر. في أفلامه، يمكن للغة، أو لصورة عائلية، أو لذكرى عابرة، أن تفتح بوابة على تاريخ كامل. وهو هنا يذهب أبعد في الاقتصاد: نبتة برية تنمو في أرض تقول إن التاريخ، مهما حاولوا محو أثره، يملك الكلمة الأخيرة.