Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن مقارنة البيروني الظالمة بين حضارتين

كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة" يسهب في حديث التناسخ ويطالب المسلم باختيار المفيد مما لدى الآخرين

رسم متخيل لأبي الريحان البيروني (مؤسسة خوان مارش ـ مدريد)

ملخص

زار أبو الريحان البيروني الهند مرافقاً السلطان محمود الغزنوي في غزواته إلى شماليها الغربي. وفي الهند تعلم اللغة السنسكريتية إضافة إلى عدد من اللهجات واللغات الرائجة في شبه القارة، واطلع على علوم الهند وفنونها، ولم يتردد دون دراسة الديانات الهندية والفلسفات الرائجة هناك، قارئاً عنها بلغاتها الأصلية، فكان واحداً من مفكرين مسلمين نادرين أتيح لهم أن يعرفوا الهند وثقافتها

"... ولم يكن للهند أمثالهم ممن يهذب العلوم، فلا تكاد تجد لهم خاص كلام إلا في غاية الاضطراب وسوء النظام ومشوباً، في آخره خرافات العوام من تكثير العدد وتمديد المدد ومن موضوعات التخيلة التي يستفظع أهلها فيها المخالفة، ولأجلها يستولي التقليد عليهم. وبسببه أقول في ما هو بابتي (غايتي) منهم أني لا أشبه ما في كتبهم من الحساب وعلوم التعاليم إلا بهدف مخلوط بخزف... إذ لا مثال لهم لمعارج البرهان، وأنا في أكثر ما أورده من جهتهم حاكٍ غير منتقد إلا عن ضرورة ظاهرة".

بهذه العبارات الواردة منذ الصفحات الأولى لكتابه الشهير "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" يحدد المفكر والكاتب المسلم أبو الريحان البيروني منذ البداية هدفه، مؤكداً أنه حين زار الهند وكتب عنها، آثر أن يكون موضوعياً في ما يصفه وألا ينتقد إلا "عن ضرورة ظاهرة". غير أن البيروني، بالطبع، لم يفِ بوعده هذا، لأن معظم ما في فصول كتابه إنما ينطلق من مقارنات بين ما يشهده بأم عينيه في هذا العالم الغريب عليه الذي لم يكن له، أو لمواطنيه، عهد به، وبين ما هو قائم في ديار الإسلام نفسها.

المعقول والمرذول

ولسنا في حاجة إلى القول هنا، طبعاً، إن المفاضلة تكون دائماً لمصلحة ديار الإسلام، وهو أمر لم يفت البيروني أن يقرره منذ عنوان كتابه، حتى ولو أن الفقرة التي سقناها أعلاه تقول عكس هذا. فهذا العالم/ الكاتب/ الرحالة يفيدنا منذ العنوان، بأن ما يصفه لنا إنما هو تحقيق ما يمكن أن يقال عن الهند (وما يمكن أن يشاهد فيها) ولكن عبر "فرز ما هو معقول مما هو مرذول".

والحال أن ما هو مرذول سيكون في سياق الكتاب كثير، ولكن هل حقاً، يقف نص البيروني ضد ما هو مرذول، أم أن وصفه لهذا "المرذول" يحمل أحياناً شيئاً من "التواطؤ الضمني" الخفي، يشي بما يريده البيروني لأمته ويراه عند الآخر، لكنه لا يجرؤ تماماً على الجهر بلزومه فيتحدث عنه مواربة؟

الحقيقة أن الوصف الذي يقدمه لنا أبو الريحان البيروني لذلك العالم الفسيح الذي قيض له أن يشاهد بعض أجزائه، يشي بأن الواصف لم يكن رحالة عادياً، على غرار ابن بطوطة أو ابن جبير، أو حتى على غرار ابن فضلان، فهو نظر إلى الهند نظرة العالم والفيلسوف والرياضي والفلكي والجغرافي والمؤرخ. ولعل العالم فيه غلب على صفاته الأخرى، إذ إننا سرعان ما نراه ينهل من العلوم التي لاقاها وسمع عنها، واختبرها في الهند... وهي كلها علوم مفيدة.

بيد أن البيروني، حين يقرر فائدة هذه العلوم لا يفوته أن يشجب، في طريقه، بعض أساليب الحياة في الهند، ومعظمها يتعارض دينياً وروحياً مع تعاليم الإسلام. وعلى هذا يكون أبو الريحان من أوائل المفكرين المسلمين الذين رأوا دائماً - وبصورة قد تبدو لنا اليوم انتقائية بعض الشيء - أن في الإمكان اقتباس أمور من حضارة ما، وترك أمور أخرى، على اعتبار أن ثمة انفصالاً بين تلك الأمور. وهي النظرة ذاتها التي سيقول بها مفكرو عصر النهضة الإسلامية والعربية في القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، وفي مقدمهم طبعاً رفاعة رافع الطهطاوي، حين يطالبون بأخذ علوم الغرب وتقدمه التقني، من دون اقتباس أخلاق هذا الغرب وعاداته الاجتماعية.

الجمل بكل ما حمل

لقد زار أبو الريحان البيروني الهند مرافقاً السلطان محمود الغزنوي في غزواته إلى شماليها الغربي. وفي الهند تعلم اللغة السنسكريتية إضافة إلى عدد من اللهجات واللغات الرائجة في شبه القارة، واطلع على علوم الهند وفنونها، ولم يتردد دون دراسة الديانات الهندية والفلسفات الرائجة هناك، قارئاً عنها بلغاتها الأصلية، فكان واحداً من مفكرين مسلمين نادرين أتيح لهم أن يعرفوا الهند وثقافتها، مباشرة، وليس بالواسطة، وهذا ما يعطي ما يقوله عن الهند صدقية كبيرة. ومع هذا يظل توخي الحذر ضرورياً في التعامل مع معظم التأكيدات التي يوردها البيروني حين يتحدث عن الحياة الاجتماعية والطقوس الدينية لدى شعوب ذلك الجزء من العالم.

وفي المقابل، يمكن التوقف طويلاً عند العلوم التي اطلع عليها البيروني عند ذلك الآخر، ووصفها بالتفصيل في كتابه هذا، ثم عاد لاستخدامها مدللاً عليها بالتجربة الحسية في كثير من كتبه التالية، التي غلب عليها الطابع العلمي، فيما غلب الطابع الجغرافي والفكري على "تحقيق ما للهند من مقولة...". ومن تلك الكتب "الجماهر في الجواهر" و "الآثار الباقية على القرون الخالية" و"الصيدلة في الطب" و"مقاليد الهيئة" و"التفهيم في صناعة التنجيم"... إلخ.

خدمات للفكر الإسلامي

من الناحية العلمية، إذاً، قدم أبو الريحان للفكر الإسلامي خدمات جلية من خلال نظرته الثاقبة إلى ما شاهده واختبره في الهند، وهكذا نجده يوضح استخدام الأرقام الهندية، واستخدام الأصفار لمقام الخانات. وكذلك نجده يحسب السلسلة الهندسية لبيوت الشطرنج. و- كما يقول كثير من مؤرخي حياة البيروني وفكره ومنهم الدكتور عمر فروخ - حل هذا الأخير مسائل تعرف بـ"مسائل البيروني" وهي لا تحل بالمسطرة والفرجار وحدهما، ومنها قسمة الزاوية ثلاثة أقسام متساوية، وحساب قطر الأرض.

وهو كان من أوائل العلماء المسلمين الذين برهنوا على أن سرعة النور أعظم كثيراً من سرعة الأرض. وبحث في الثقل النوعي و"استخرج الأثقال النوعية لـ18 مادة من المعادن والحجارة الثمينة بدقة بالغة" كما يؤكد فروخ. وتكلم البيروني كذلك عن "كروية الأرض وعلى دورانها حول محورها من غير أن يصل إلى نتيجة حاسمة" وهو عرف "تعيين خطوط الطول وخطوط العرض، كما عرف تسطيح الكرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصولاً إلى حديث الأرواح

غير أن هذا الاشتغال بالقضايا العلمية، انطلاقاً من خلفياتها الهندية، لم يمنع البيروني من أن يلتفت، بخاصة إلى مسألة كانت كثيراً ما تشغل بال المسلمين في حديثهم عن الهند، وهي مسألة "الأرواح وترددها بالتناسخ في العالم". ونراه هنا يقول في أحد فصول كتابه هذا: "كذلك فإن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار المسلمين، والتثليث علامة النصارى، والإسبات علامة اليهود، كذلك التناسخ علم التخيلة الهندية، فمن لم ينتحله لم يكن منها ولم يعد من جملتها. إنهم قالوا: إن النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلية دفعة بلا زمان، واحتاجت إلى تتبع الجزئيات واستقراء الممكنات. وهي وإن كانت متناهية فلعددها المتناهي كثرة، والإتيان على الكثرة مضطر إلى مدة ذات فسحة. ولهذا لا يحصل العلم للنفس إلا بمشاهدة الأشخاص والأنواع وما يتناولها من الأفعال والأحوال حتى يحصل لها في كل واحدة تجربة وتستفيد بها جديدة معرفة... فالأرواح الباقية تتردد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتنان الأفعال إلى الخير والشر، ليكون التردد في الثواب منبهاً على الخير فنحرص على الاستكثار منه، وليكون التردد في العقاب منبهاً على الشر والمكروه فتبالغ في التباعد عنه. ويصير التردد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه، لأنه يحتمل كليهما ويقتضي اختلاف المراتب فيهما لاختلاف الأفاعيل بتباين الأمزجة ومقادير الازدواجات في الكمية والكيفية، فهذا هو التناسخ إلى أن يحصل من كلتي جنبتي النفس وإعادة كمال الغرض...".

سيرة موجزة

ولد محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني، الفارسي، في بيرون عاصمة خوارزم عام 972م. وعاش أول الأمر في بلده وراسل ابن سينا. ثم بدأ يرتحل من مكان إلى مكان ويقرأ بشغف، حتى حط رحاله أخيراً في جرجان، حيث اتصل بأميرها منصور بن نوح الساماني. ثم حدث في نحو عام 1017 أن غزا السلطان محمود الغزنوي تلك المنطقة وعاد منها بعدد كبير من العلماء والمفكرين وكان البيروني في عدادهم، وهكذا صار البيروني المنجم الرسمي لبلاط ذلك السلطان المتنور.

ولاحقاً حين غزا محمود الغزنوي بعض مناطق الهند، كان أبو الريحان في رفقته. وهناك كان اطلاعه كما أسلفنا على علوم الهند ودياناتها، مما أتاح له أن يقارن مع ما لدى الإسلام من ذلك، ولكن أيضاً مع ما أثر عن اليونان في المجالات نفسها. ومن هنا جاء كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة" موسوعة شاملة في العلوم والمعارف الكونية. ولقد واظب البيروني على القراءة والكتابة في بلاط الغزنويين حتى رحيله عن عالمنا عام 1050م تقريباً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة