Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صراع مناطقي يتجدد بين بغداد وأربيل: أزمة ثقة أم هوية؟

خانقين تعيد فتح ملف مناطق موضع النزاع عبر التحقيق في مثيري النعرات الطائفية ورفع الأكراد مطالب إلى بغداد

رئيس العراق نزار آميدي يستقبل وفدا من خانقين (موقع إعلام رئاسة الجمهورية)

ملخص

تظهر المعطيات وردود الفعل أن الخلاف بين القوى الكردية والعربية سيواجه خلال المرحلة المقبلة تحديات إثر رفض كتل مؤثرة في مجلس ديالى الاستجابة آنياً لتنفيذ مطالب كردية رئيسة، ولا تقف ردود الفعل الكردية على تراجع التمثيل والنفوذ بل تصاعدت نحو التحذير من وجود "محاولات ممنهجة لإحداث تغيير ديموغرافي" عبر منع وإيقاف بعض معاملات التسجيل العقاري وبيع عقارات لعرب قادمين من خارج القضاء.

عاد قضاء خانقين في محافظة ديالى إلى واجهة الخلاف بين بغداد والقوى الكردية، بعدما تحولت احتجاجات كانت مقررة في المدينة إلى أزمة سياسية وأمنية، ترافقت مع مزاعم باعتقال مواطنين وصدور أوامر قبض في حق ناشطين وشخصيات سياسية كردية، قبل أن تنتقل القضية إلى بغداد مع تقديم وفد كردي ورقة تضم 12 مطلباً إلى رئيس الجمهورية في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري.

وجاء التصعيد على خلفية مزاعم باعتقال صاحب محل كردي إثر إقدامه على تغيير لوحة متجره من اللغة العربية إلى الكردية في إطار حملة قال نشطاء إنها تهدف إلى "مواجهة سياسة التعريب"، لتتسع الحملة إلى رفع قوى كردية اعتراضاً على تغييرات إدارية طاولت مناطق مرتبطة بخانقين، بينها قرة تبة وجلولاء، واتهامات بوجود إجراءات تؤثر في التركيبة السكانية للمنطقة، فيما شددت السلطات المحلية على أن الإجراءات المتخذة تتعلق بالأمن والإدارة ولا تستهدف مكوناً قومياً بعينه.

أزمة تتجاوز اللغة

وتعود شرارة نشوب الأزمة، وفق مزاعم محلية وإعلامية كردية، إلى اعتقال مواطنين أكراد وصدور أوامر قبض على آخرين، وتنسب الرواية الأبرز إلى حادثة توقيف صاحب محل وتغيير لغة لوحة متجره من العربية إلى الكردية، لكن محافظ ديالى عدنان الشمري نفى صحة المزاعم قائلاً إن "شخصين، أحدهما كردي والآخر عربي، اعتقلا على خلفية محاولات لإثارة التوتر عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، مؤكداً أن "استخدام العربية والكردية في لوحات المحال مسموح قانوناً"، ونفى عضو مجلس محافظة ديالى نزار اللهيبي صدور أوامر قبض في حق مسؤولين في الحزبين الكرديين التقليديين الديمقراطي والاتحاد الوطني.

وينظر مراقبون إلى اتساع التوتر عقب دخول المؤسسات الرسمية على الخط، بكونه عودة لجولة جديدة من صراع أوسع على الإدارة والهوية ومستقبل مناطق موضع النزاع بين حكومتي أربيل وبغداد، إثر تعثر تطبيق المادة 140 من الدستور، الخاصة بحل النزاع عبر ثلاثة مراحل، هي التطبيع وإجراء إحصاء سكاني ومن ثم إجراء استفتاء لتحديد مصيرها.

 

ودفع التوتر إلى اتخاذ القوى الكردية إجراءات عاجلة عبر إرسال وفد للقاء رئيس الجمهورية نزار آميدي وتقديم ورقة من 12 مطلباً، تتلخص في تعزيز الإدارة والأمن الرسميين وتفعيل المادة 140، ووقف الإجراءات والتغييرات الإدارية والديموغرافية، مع رفع التهميش الاقتصادي والإداري، وحماية الأراضي والحريات السياسية للأحزاب الكردية، وفي المقابل استضاف مجلس محافظة ديالى قائمقام خانقين جواد فيض الله وهو كردي للوقوف على تصريحات "مثيرة للنعرات الطائفية"، وقرر تشكيل لجنة للتحقق واتخاذ ما يلزم قانوناً حفاظاً على السلم المجتمعي والتعايش بين المكونات، وذلك عقب إصدار إدارة القضاء رسالة للسكان شددت فيها على أن الحديث عن "هوية خانقين الكردية لا يقصد به بأي شكل من الأشكال الإساءة إلى أي قومية. وأكدت رفضها لأي محاولات لإثارة الانقسام أو فرض تغييرات ديموغرافية.

إجراءات إدارية مقلقة

تذهب بعض القراءات إلى أن هذا التصعيد يشكل امتداداً لتبعات إجراءات اتخذت قبل أشهر عدة تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الإدارية المحيطة بالقضاء، حيث تم تحويل ناحية "قره تبه" إلى قضاء عام 2025، ومن ثم استحداث قضاء جلولاء في فبراير (شباط) الماضي، وهذا يعني على الصعيد الإداري فصلاً لوحدتين إداريتين عن خانقين. 

وفي دلالات التطور الأخير يرى الباحث محمود كريم أن "الأزمة لا تنحصر بنطاق جزئي ضيق يتعلق بمحاسبة فرد قام بتغيير كتابة لوحة محله من العربية إلى الكردية، أو اعتقال فرد هنا واحتجاج هناك، بل إن الأمر مرتبط بالتراكمات والحلول المؤجلة حول الإدارة والأمن والتمثيل السياسي والحدود الإدارية".

ويضيف أن "أزمة مناطق موضع النزاع مزمنة، ولا يبدو أن لها مخرج في المستقبل، إذ إن المادة 140 كان يفترض أن ينتهي تطبيقها بحلول نهاية عام 2007 وهذا لم يحصل، فالعرب يقولون إنها لم يعد لها شرعية بعد تجاوزها المهلة الدستورية، وقد تعقد المشهد بشكل أعمق مع انسحاب قوات البيشمركة (الكردية) من مناطق موضع النزاع عقب خوض إقليم كردستان استفتاء للانفصال عام 2017، والتخلخل الذي أصاب ميزان القوى على المستويين السياسي والإداري".

شكوك في المقاصد

لم يكن التوتر ليتوقف عند حد عقب اتهامات كردية للسلطات الأمنية في ديالى بشن حملة اعتقالات تستهدف المواطنين الأكراد، إثر اتخاذ قوى ونشطاء قرار بتنظيم تظاهرة احتجاجية واسعة، قبل أن يتم إلغاؤها إثر مخاوف أمنية وانتقال منظميها إلى خيار سلك القنوات السياسية والدستورية عبر تشكيل وفد لمفاتحة الجهات العليا ذات العلاقة، ليكتسب المشهد بعداً أوسع بكونه ملفاً سياسياً في إطار الخلاف بين أربيل وبغداد أكثر من كونه خلافاً في نطاق محلي ضيق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتكمن هواجس القوى الكردية من التغييرات في عدم حسم مصير هذه المناطق بشكل نهائي، وتعدها تغييراً في واقعها الإداري قبل تنفيذ المادة 140. في المقابل تشدد القوى العربية الدائمة على أن الاستحداثات تستند إلى اعتبارات إدارية وسكانية وخدمية، وفي هذا المفصل يقول الباحث كريم إن "تغيير اسم أي وحدة إدارية في منطقة ذي موضع نزاع لا ينظر إليه من طرف محلي ما كإجراء إداري فني محض، بل يخشى أن يكون له دوافع سياسية وما يمكن أن يحدثه من تأثير مستقبلي على ميزان القوة السياسي والديموغرافي في المنطقة، ومن هنا كانت قضيتا قره تبه وجلولاء ضمن المطالب الكردية التي قدمت لرئيس الجمهورية".  

غياب للثقة

هذا التواتر في تباين المواقف كان له الأثر خلال أغسطس (آب) الماضي، تحديداً في المناطق ذات التنوع القومي مثل خانقين، على خلفية استبعاد ممثل عن الأكراد في رئاسة لجنة التربية، وما تلاها من صدور محاذير كردية من تراجع الحضور والتمثيل الكردي في السنوات الأخيرة إلى "ثلث ما كان عليه سابقاً" إثر خسارة مناصب إدارية عليا في المؤسسات، ما وسع من نطاق التوتر والاحتجاج سياسياً وإعلامياً.

وتظهر المعطيات وردود الفعل أن الخلاف بين القوى الكردية والعربية سيواجه خلال المرحلة المقبلة تحديات إثر رفض كتل مؤثرة في مجلس ديالى الاستجابة آنياً لتنفيذ مطالب كردية رئيسة، وقال عضو مجلس ديالى عن كتلة "صادقون" الجناح السياسي لحركة أهل الحق الشيعية "سمعنا بأنه تم السماح للقوى الكردية بإعادة فتح مقار لها في مناطق خارج مركز خانقين، لكننا نرفض هذه الخطوة حالياً لغياب الثقة بين العربي والكردي بسبب أزمات سابقة بين عشائرنا العربية في مناطق جلولاء وقره تبه وجبارة مع بعض الكرد، مع أهمية الإشارة إلى أن شريحة كبير من إخوتنا الكرد رافضون لسياسة التفرقة"، وأضاف "موافقتنا مرهونة لما بعد إعادة زرع الثقة وحسم الملفات العالقة وفق الدستور والقانون".

 

ولا تقف ردود الفعل الكردية على تراجع التمثيل والنفوذ، بل تصاعدت نحو التحذير من وجود "محاولات ممنهجة لإحداث تغيير ديموغرافي" عبر منع وإيقاف بعض معاملات التسجيل العقاري وبيع عقارات لعرب قادمين من خارج القضاء، بعدما اتهم القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني كاروان يارويس جهات ومكاتب عقارية بتسهيل تسجيل أراضٍ وعقارات لعرب وافدين، وقال إنه أوقف بعض المعاملات لمنع ما وصفه بـ"التغيير الديموغرافي"، إلا أن رئيس مجلس ديالى عمر الكروي رد من جانبه بالوقوف ضد "تقييد أي مواطن عراقي للسكن على أساس قومي أو مذهبي، فالمحافظة متنوعة قومياً ودينياً"، محذراً من "إثارة النعرات القومية والطائفية"، وشدد على أهمية "وجوب التعامل مع قضايا السكن والمناصب الحكومية وفق القانون والتعليمات الاتحادية".

عقدة الصراع المزدوج

وبالعودة لجذور هذا التوتر فإن تعثر المادة 140 الدستورية المعلقة يشكل العقبة الرئيسة أمام الخلاف المزمن في مناطق موضع النزاع بين أربيل وبغداد، مع مضي نحو عقدين من الزمن على انتهاء مهلة تطبيقها رسمياً، إلا أنها تبقى فاعلة قضائياً ودستورياً بموجب قرار صادر عن المحكمة الاتحادية العليا عام 2019 إلى حين "استكمال متطلباتها"، وعلى وفق ذلك فإن القوى المتصارعة لا تنظر إلى التطورات الإدارية من جانب خدمي أو بلدي حصراً، بل لكونها ترسم الواقع النهائي للمجتمعات والنفوذ السياسي والإداري الذي سيحدد مستقبلاً في حال تطبيق المادة الدستورية.

ويذكر أن التاريخ السياسي للواقع الديموغرافي في مناطق موضع النزاع ينقسم إلى مراحل زمنية شهدت تقلبات في موازين النفوذ، الأولى تعود إلى زمن نظام حكم الرئيس الراحل صدام حسين، حيث يدعي الأكراد تعرضهم إلى "سياسة التعريب" عبر حملة تهجير منظمة استقدم خلالها مواطنون عرب إلى مناطقهم، فيما تتهم قوى سياسية عربية نظيراتها الكردية بانتهاج "سياسة تكريد" لمناطق إبان سيطرة الأكراد لسنوات طويلة على مساحات واسعة من المناطق، قبل أن تنسحب منها قوات البيشمركة الكردية إثر اجتياح القوات الاتحادية للمناطق في رد فعل على تنظيم الأكراد استفتاء للانفصال عام 2017، قبل أن يعاود الأكراد الحديث عن فصل جديد من مزاعم "سياسة التعريب".

ولهذا قد تكون الأزمة في خانقين مجرد حلقة جديدة في نزاع أطول لملف يعاني "أزمة ثقة" تكاد تتعمق، من دون إيجاد صيغة توافقية كفيلة بتحقق متطلبات استقرار يؤهل لحلول واقعية دستورية، والمراوحة ضمن نطاق هش محاط بأزمات مفتوحة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير