Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن نساء كردستان: حين تصبح الحرية اسما آخر للمرأة

لم يقتصر النضال النسوي على حق الأكراد في تقرير مصيرهم بل سعى إلى إعادة تشكيل المجتمع نفسه

المرأة الكردية المناضلة في الحرب والسلام (أ ف ب)

ملخص

في منطقة أنهكتها الصراعات القومية والأنظمة الاستبدادية، تبرز النساء الكرديات بوصفهن الأكثر إصراراً على إعادة تعريف معنى الحرية. فقصتهن ليست مجرد فصل من فصول نضال شعب بلا دولة، بل هي أيضاً قصة مواجهة مزدوجة: مواجهة القمع السياسي من جهة، ومواجهة البنى المجتمعية الذكورية من جهة أخرى.

 لئن كانت الحرية في التجربة الكردية مطلباً قومياً يتعلق بالتحرر من الهيمنة السياسية وتحرير المجتمع من بنيته البطريركية، فهي أيضاً قضية نسوية بامتياز. لذا يمكن القول إن تجربة النساء الكرديات تمثل واحدة من أكثر التجارب النسوية والسياسية فرادة في شمال الشرق الأوسط المعاصر.

وُلد نضال النسوة الكرديات في ظروف قاسية. فقد عشن في دول سعت إلى طمس الإثنية والهوية الكردية في منطقة غير رسمية تسمى كردستان، وفي مجتمعات تقليدية تحصر دور المرأة في الشؤون العائلية. لكن النساء الكرديات، بدلاً من الانكفاء أمام هذه الضغوط، اخترن طريق المشاركة المباشرة في صنع تاريخهن. فبدأن منذ عقود بالمساهمة في مختلف أشكال النضال السياسي والاجتماعي. لكن نضالهن لم يقتصر على مطلب قومي يتعلق بحق الأكراد في تقرير مصيرهم، بل طرحن مشروعاً أعمق تناول إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الكردي نفسه. ذلك أن المناضلات الكرديات لطالما أكدن أن تحرير الأكراد لن يتحقق من دون تحرير النساء. ولعل هذه الفكرة ليست مجرد شعار سياسي، بقدر ما هي أساس فلسفة كاملة ترى أن النظام البطريركي والاستبداد السياسي وجهان لعملة واحدة، وأن مقاومة أحدهما تظل ناقصة ما لم تُرافقها مقاومة الآخر.  

هكذا تطورت داخل الحركات الكردية المعاصرة رؤية جديدة للسياسة تُعطي للنساء دوراً مهماً في الحياة العامة، لم تعد فيه المرأة داعمة للنضال أو رمزاً معنوياً له، بل أصبحت فاعلة في صنعه وفي قيادة حركاته السياسية والاجتماعية. هكذا بدأ العالم يتعرف على أسماء نساء كرديات انتمين إلى الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. بعضهن ظهرت صورهن وهن يحملن السلاح دفاعاً عن مدن مثل كوباني والرقة. وقد لعبت هذه القوات النسائية دوراً حاسماً في صد هجمات التنظيمات المتطرفة.

ساحات القتال والمجتمع

غير أن اختزال تجربة النساء الكرديات في صورتها العسكرية يظل تبسيطاً كبيراً. فالمعركة الحقيقية التي تخوضها هؤلاء النسوة لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد إلى ميادين السياسة والثقافة والتعليم.

على سبيل المثال، في مناطق الإدارة الذاتية في شمال سوريا، جرى اعتماد نظام الرئاسة المشتركة داخل المؤسسات السياسية، بحيث يتقاسم كل منصب قيادي رجل وامرأة، في مسعى إلى إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع وترسيخ نموذج سياسي مختلف. كما برزت مؤسسات اجتماعية جديدة مثل "بيوت النساء" التي تحتضن المئات من الهاربات من القهر والاستغلال، مقدمة الدعم القانوني والاجتماعي للمعنفات أو للناجيات من العنف والاتجار بغية مساعدتهن على استعادة استقلاليتهن ومكانتهن في المجتمع. تؤكد هذه المبادرات إذاً أن المشروع النسوي الكردي لا يقتصر على السعي إلى المشاركة في السلطة فحسب، بل يتطلع أيضاً إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية نفسها من خلال العمل على نشر التعليم وتوعية المرأة على ضرورة تصديها لدورها في الحياة، وتفعيله في المجالات المختلفة.

لكن هذا الصعود السياسي والاجتماعي للنساء الكرديات لم يمر من دون ثمن. ففي عديد من الدول التي يعيش فيها الأكراد تواجه الناشطات الكرديات قمعاً شديداً من قبل السلطات. السجن والتعذيب والمحاكمات السياسية ليست أحداثاً استثنائية في حياة الكثيرات منهن. فغالباً ما تتعرض النساء الكرديات لاضطهاد مزدوج بسبب انتمائهن القومي ولكونهن نساء يتحدين النظام الذكوري. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قصة ينار محمد التي قُتلت رمياً بالرصاص أمام منزلها في العراق، لدفاعها عن المساواة بين الجنسين وقيادتها لحملات ضد جرائم الشرف، وزواج القاصرات والزواج القسري، وضد جميع أشكال العنف الممارس ضد النساء.

وقصة الباحثة والناشطة التركية بينار سيليك التي تعرضت للملاحقة والسجن بسبب أبحاثها حول القضية الكردية. فقد اعتُقلت في أواخر التسعينيات وتعرضت للتعذيب لأنها رفضت الكشف عن مصادرها، قبل أن تُجبر في النهاية على العيش في المنفى. رغم ذلك، واصلت سيليك في ألمانيا عملها الفكري دفاعاً عن حق الأكراد في الوجود وعن حرية البحث العلمي.

إن قصة سيليك تكشف وجهاً آخر من النضال الكردي: النضال الثقافي والفكري. فالمعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضاً في مجال المعرفة والذاكرة والكتابة.

شخصيات نسائية

خلال العقود الماضية، برزت أيضاً أسماء شخصيات نسائية عديدة أصبحت رموزاً للنضال الكردي. من بينها سكينة جانسيز، إحدى مؤسسات حزب العمال الكردستاني، التي اغتيلت في باريس عام 2013 بعد مسيرة طويلة من الكفاح السياسي. وقد أصبحت مسيرتها رمزاً لإصرار النساء على المشاركة في صنع القرار داخل الحركة الكردية. وظهرت شخصيات شابة مثل آسيا رمضان عنتر، المناضلة في وحدات حماية المرأة الكردية التي قُتلت في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" وهي في الـ19 من عمرها. ورغم قصر حياتها، تحولت آسيا رمزاً لجيل جديد من النساء اللواتي يرفضن الاستسلام للواقع المفروض عليهن.

مثلت أولئك النسوة تعبيراً عن تحول عميق في المجتمع الكردي، أصبحت فيه المرأة شريكاً أساسياً في النضال من أجل الحرية.

وفي الأعوام الأخيرة، اكتسبت الحركة النسوية الكردية بعداً عالمياً من خلال الشعار الشهير "جين، جيان، آزادي" أي "امرأة، حياة، حرية" الذي صيغ بالكردية وانتشر بعد مقتل الشابة مهسا أميني في إيران سنة 2022، صائراً رمزاً لمقاومة القمع والدفاع عن الكرامة الإنسانية. فهذا الشعار ليس مجرد هتاف احتجاجي. إنه تعبير عن رؤية فلسفية ترى أن حرية المجتمع تبدأ من حرية المرأة، وأن الحياة نفسها لا يمكن أن تزدهر في ظل الاستبداد والعنف. هكذا تردد هذا الشعار في مختلف أنحاء العالم، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، تعبيراً عن تضامن عالمي مع نضال النساء الكرديات.

المشاركة والتنظيم

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد أدى هذا المشروع إلى ظهور مبادرات فكرية وحقول معرفية جديدة كمحاولة إعادة كتابة التاريخ والمعرفة من منظور نسوي كردي.

رغم الإنجازات التي حققتها النساء الكرديات خلال العقود الأخيرة، فإن مستقبل مشروع تحررهن يظل محفوفاً بالتحديات. فالتوترات الإقليمية، والصراعات السياسية، وصعود الحركات المتطرفة، عوامل تهدد المكاسب التي تحققت. كما أن التحولات السياسية داخل الحركات الكردية نفسها، كالانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي، تطرح أسئلة جديدة حول دور النساء في المستقبل.

ويبدو أن تجربة النساء الكرديات قد تجاوزت حدود اللحظة التاريخية التي نشأت فيها. إذ أصبحت نموذجاً ملهماً لحركات نسوية في مناطق أخرى من العالم، ودليلاً على أن النضال من أجل الحرية يمكن أن يبدأ من أكثر الأماكن هشاشة.

خلاصة القول، إن قصة النساء الكرديات ليست مجرد قصة شجاعة فردية أو بطولة عسكرية، هي قصة إعادة تعريف للحرية ذاتها. ففي عالم يميل إلى اختزال السياسة في صراعات القوة، تذكرنا هذه التجربة بأن النضال الحقيقي يبدأ حين يجرؤ البشر على تخيل مجتمع مختلف وأن الحرية ليست فكرة مجردة، بل ممارسة يومية تتجسد في التعليم والعمل والتنظيم والمقاومة، وأن الكفاح يحول الألم إلى قوة، والاضطهاد إلى دافع للتغيير وأن الحرية ليست هدية، بل فعل شجاع يصنعه البشر.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة