ملخص
تكشف شهادات إيرانيين، من الطبيب والمعلم إلى العامل والعتال الحدودي، عن أن أزمة المعيشة لم تعد تقتصر على ذوي الدخل المحدود، إذ تنفد رواتب كثيرين قبل منتصف الشهر، فيما يلتهم التضخم وتراجع قيمة الريال قدرتهم الشرائية، حتى بات الاقتراض من الأقارب والأصدقاء، الذي شكل، سنوات، شبكة أمان أخيرة للأسر، أكثر صعوبة.
في إيران اليوم، حيث تجاوزت كلفة سلة المعيشة 404 دولارات شهرياً، لم يعد مقدار الراتب الشهري وحده يعكس الوضع المعيشي للأفراد، بل أصبح السؤال الأهم هو: كم يوماً يصمد الراتب؟ وتكاد إجابات أشخاص من أصحاب المهن والدخول المختلفة، في حديثهم إلى "اندبندنت فارسية"، تتشابه، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، ينفد المال قبل حلول منتصف الشهر، ومن اليوم الـ 15 حتى نهايته، تختصر الحياة في الاستغناء عن المشتريات، وتأجيل المدفوعات، وتناول أرخص المواد الغذائية، وانتظار إيداع الراتب التالي. يأتي ذلك في وقت سجل سعر الدولار، يوم الخميس، الثالث من سبتمبر (أيلول) الحالي، رقماً قياسياً جديداً في السوق الحرة بطهران، إذ ارتفع خلال التعاملات إلى نحو 223 ألف تومان وما فوق للدولار الواحد. لكن ما يظهر في سوق الصرف على هيئة أرقام على لوحات الأسعار، يكتسب معنى آخر في الحياة اليومية لملايين الإيرانيين، إذ يعني تقلص الفترة الفاصلة بين يوم تسلم الراتب واليوم الذي يخلو فيه الحساب المصرفي.
حساب كل نفقة
ويقول معلم يقيم في كرج، ويتقاضى راتباً شهرياً يبلغ نحو 135 دولاراً "إن جزءاً كبيراً من دخله ينفق خلال الأسبوع الأول من الشهر على إيجار المنزل والأقساط وديون الشهر السابق"، مضيفاً "حتى اليوم الـ 10 من الشهر تقريباً، لا تزال هناك إمكانية لشراء الضروريات، لكن بعد ذلك يصبح مضطراً إلى حساب كل نفقة، ومنذ منتصف الشهر لا يبقى عملياً أي مال للنفقات غير المتوقعة"، ويصف أوضاع النصف الثاني من الشهر قائلاً "بعد اليوم الـ 15، لا نشتري شيئاً إلا إذا اضطررنا إلى ذلك فعلاً. نشتري الخبز فقط. وفي بعض الليالي، يصبح همنا ماذا نأكل حتى نسد جوعنا. حقاً، الموت أفضل من هذه الحياة".
ولا تختلف كثيراً رواية عامل بناء في طهران يبلغ دخله نحو 179 دولاراً. وعلى خلاف الموظفين، فإن دخله غير ثابت، وقد ينخفض في بعض الأشهر بسبب قلة العمل. ويقول إن إيجار المنزل والنفقات الأساسية للأسرة يلتهمان الجزء الأكبر من دخله، وإن الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية جعل حتى دخل يبلغ 179 دولاراً عاجزاً عن توفير الأمان المعيشي.
يضيف هذا العامل أنه حتى قبل بضع سنوات، عندما كان المال ينفد لديه في الأيام الأخيرة من الشهر، كان يقترض من صديق أو زميل أو أحد أقاربه، لكن هذا الخيار أصبح الآن شبه مغلق أيضاً "في السابق، كنت تقول لأحدهم: أعطني 22 دولاراً وسأعيدها لك في بداية الشهر. أما الآن، فأياً كان من تطلب منه ذلك، تجده مديناً هو الآخر. لم يعد لدى أحد مال فائض ليقرضه".
أقساط وتكاليف السكن
في أصفهان، يقول عامل في مصنع لصهر الحديد، يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ نحو 126 دولاراً، إن الجزء الأكبر من دخله يخرج من حسابه بعد أيام قليلة فقط من تسلم الراتب، فالأقساط وتكاليف السكن والفواتير وديون الشهر السابق هي الوجهة الأولى للراتب، وما يتبقى منه يجب أن يغطي نفقات الطعام والتنقل طوال الشهر، وأضاف "هذا الشهر لم يكن لدي حتى المال اللازم لعلاج طفلي، ولولا أن الطبيب المختص أشفق علينا وساعدنا، لربما فقدت طفلي".
أما عامل في مصنع بمدينة آمل (شمال)، يتقاضى راتباً يبلغ نحو 103 دولارات، فالوضع بالنسبة إليه أكثر صعوبة. ويقول إنه في النصف الثاني من الشهر يصبح حتى شراء البطاطا والبصل والبيض وكثير من المواد الأساسية الضرورية أمراً صعباً، ولا تعود أولوية الأسرة سوى "سد الجوع"، وأضاف العامل أنه في هذه الدنيا، لم يكن يملك سوى سيارة، واضطر إلى بيعها بعدما عجز عن دفع تكاليف إصلاحها، واشترى بثمنها الملابس والطعام لزوجته وأطفاله.
اقتراض
ولا تقتصر هذه الأزمة على العمال، إذ يقول صحافي في طهران، يتقاضى راتباً يبلغ نحو 135 دولاراً، إن تكاليف السكن والتنقل تلتهم جزءاً كبيراً من دخله، وإنه يضطر باستمرار خلال الأسابيع الأخيرة من الشهر إلى الاقتراض من أفراد أسرته.
ويصف مهندس مدني في مشهد، يبلغ دخله الشهري نحو 179 دولاراً، ظروفاً مماثلة، ويقول إن نفقة مفاجئة، مثل إصلاح السيارة أو العلاج أو شراء غرض ضروري، كفيلة بإخلال التوازن المالي لأسرته خلال الأشهر القليلة التالية.
حتى دخل شهري يبلغ نحو 224 دولاراً في طهران لا يضمن الأمان المالي. ويقول طبيب عام إن دخله، عند احتساب تكاليف السكن والتنقل وسائر النفقات، بعيد جداً عن الصورة الشائعة عن الوضع المالي للأطباء. ويضيف أنه على رغم عمل زوجته أيضاً في مهنة الطب، فإنهما حذفا منذ أشهر اللحوم الحمراء وكثيراً من أنواع الفاكهة من سلة مشتريات الأسرة.
في بندر عباس، يقول سائق سيارة أجرة يبلغ دخله نحو 157 دولاراً إن ارتفاع تكاليف إصلاح السيارة وصيانتها وقطع الغيار، إلى جانب نفقات المعيشة، أديا إلى تراجع دخله الفعلي بصورة حادة، فجزء من المال الذي يعد ظاهرياً دخلاً يجب إنفاقه مجدداً على السيارة، وما يتبقى في النهاية للأسرة يقل كثيراً عن الدخل الإسمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أخطار جسيمة
في مدينة خوي (شمال غرب)، يقول عتال حدودي، يبلغ دخله نحو 179 دولاراً، إن دخله ليس ثابتاً أو مضموناً فحسب، بل إنه يضطر، من أجل كسبه، إلى مواجهة أخطار جسيمة، من بينها احتمال تعرضه لإطلاق النار من جانب عناصر الأمن. ومع ذلك، أدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن إلى جعل هذا الدخل لا يغطي سوى النفقات الجارية، ولا يتبقى منه سوى القليل للأيام التي لا يتوافر فيها عمل.
على رغم الاختلاف الكبير في المهن وأماكن الإقامة ومستويات الدخل، فإن القاسم المشترك بين روايات هؤلاء الأشخاص التسعة هو "نفاد المال قبل نهاية الشهر". وقد منح هذا الوضع الفقر في إيران معنى جديداً، إذ لم يعد يعني بالضرورة البطالة أو انعدام الدخل، فحتى الأشخاص الذين يعملون يومياً ويتقاضون رواتب، بل يشغلون وظائف تخصصية، لم تعد دخولهم تكفي لتغطية نفقات 30 يوماً من الحياة.
وقد أدى التضخم المستمر والكبير إلى تعميق هذه الفجوة، فيما ينعكس تراجع قيمة الريال سريعاً على أسعار السلع المستوردة والمواد الأولية وقطع الغيار والنقل، وفي نهاية المطاف على النفقات اليومية للأسر. لكن لعل الجانب الأهم في روايات الناس ليس حذف اللحوم والفاكهة من مشترياتهم أو نفاد الراتب في منتصف الشهر، وإنما تلاشي قدرتهم على الاقتراض بعضهم من بعض، باعتباره آخر شبكة دعم غير رسمية للأسر.
يواجهون المشكلة ذاتها
وقال عدد من الذين تحدثت إليهم "اندبندنت فارسية" إنه في السنوات الماضية، عندما كان الراتب ينفد قبل نهاية الشهر، كان أفراد الأسرة والأصدقاء أو الزملاء يقرض بعضهم بعضاً المال. أما الآن، فبحسب قولهم، أصبح جميع من حولهم تقريباً يواجهون المشكلة ذاتها، فمن كان يقرض المال حتى الأمس، بات اليوم يعاني نقصاً فيه لتسديد الإيجار أو الأقساط أو شراء المواد الغذائية.
وتظهر روايات سكان كرج وطهران وأصفهان وآمل وبندر عباس وخوي ومشهد أنه حتى الفارق بين راتب عامل يبلغ نحو 103 دولارات ودخل طبيب يصل إلى نحو 224 دولاراً لا يغير هذه الحقيقة: المداخيل لا ترتفع بالسرعة نفسها التي ترتفع بها تكاليف المعيشة، فيما تطول شهراً بعد آخر الفترة الفاصلة بين يوم نفاد المال من الحساب ويوم تسلم الراتب التالي.