ملخص
مجمل الأفلام السينمائية المنتجة داخل هوليوود في الأعوام الأخيرة يطغى عليها البعد الترفيهي، الذي يحولها إلى مجرد سلعة تجارية تحقق للمؤسسات الإنتاجية أرباحاً كبيرة. فقد أصبح نجاح الفيلم لا يُقاس بجودة السيناريو وجماليات الإخراج وشعرية التصوير وبراعة الأداء، بل انطلاقاً مما يحققه من ربح مادي داخل الـ"بوكس أوفيس" (Box Office).
تعد هوليوود اليوم، بمثابة إمبراطورية بصرية تنتج الصور والعلامات والنجوم، أكثر من كونها منظومة سينمائية متكاملة تسهم في تكريس الفن السابع، باعتباره أفقاً للتفكير والحلم. ذلك أن مجمل الأفلام السينمائية المنتجة داخل هوليوود في الأعوام الأخيرة يطغى عليها البعد الترفيهي، الذي يحولها إلى مجرد سلعة تجارية تحقق للمؤسسات الإنتاجية أرباحاً كبيرة. فقد أصبح نجاح الفيلم لا يُقاس بجودة السيناريو وجماليات الإخراج وشعرية التصوير وبراعة الأداء، بل انطلاقاً مما يحققه من ربح مادي داخل الـ"بوكس أوفيس" أو شباك التذاكر (Box Office).
بهذا المعنى يغدو الفيلم الأميركي عبارة عن وسيلة ترفيهية ومشروع بصري يدعم التنميط البصري ويصنع النجوم ويغدي ثقافة الـ"سيمولاكر"، التي تحول كل شيء إلى مجرد نسخ تتكرر إلى ما لا نهاية، فلا شيء غير النسخ والصور المزيفة المنتجة داخل استوديوهات هوليوود.
أصبحت السينما الأميركية عبئاً على نفسها، إذ لم تعد تقدم أي شيء جديد يعول عليه سينمائياً، إذ يتابع المرء الطريقة التي بها يعمل المخرجون والمنتجون على إعادة تدوير بعض الأفلام الناجحة وتحقيق أجزاء جديدة لها مثل "باتمان"، و"سبايدرمان"، و"جون ويك"، و"مهمة مستحيلة". فكل هذه الأفلام ذات الصورة الترفيهية الغارقة في الحركة (action) والخداع البصري والتنميط السينمائي تحقق نجاحاً كبيراً بمجرد عرضها على الشاشة الكبيرة وذلك لأن شعبيتها كبيرة، وتفرض على عشاق السينما في العالم ككل ضرورة مشاهدتها من أجل معرفة الأفق البصري الذي تنحته، علماً أن المتلقي يعرف مسبقاً ما ستبدو عليه الصورة السينمائية الغارقة في الترفيه والابتذال.
إذا استثنينا فيلم "جون ويك" المكتوب بعناية فائقة، سواء على مستوى خيوط الحكاية وأليافها القصصية أو من جانب الحوار السينمائي الذي يقدم من خلاله المخرج الأميركي تشاد ستاهيلكسي (1968) تحفة سينمائية تقوم على جماليات الحركة والإيقاع الموسيقي المختلف، فإن معظم تلك الأفلام لا تسعى إلا إلى توليد سينما موجهة لشباك التذاكر.
بدأت السينما الأميركية بالتراجع منذ اللحظة التي خرجت فيها الكاميرا من الواقع ودخلت إلى سراديب مختبر تجريبي له صلة بالاستوديوهات والفضاءات المغلقة، إذ استُبدلت السينما الأميركية الحقيقية التي كثيراً ما أذهلت الناس وغيرت أفكارهم وسرقت قلوبهم، بأعمال سينمائية ترفيهية تلهث وراء الأبطال الخارقين والنجوم المزيفين.
مأزق السينما التجارية
وعلى رغم النجاح الذي حققته أفلام الخيال العلمي والفانتازيا والمغامرات، فإنها سينمائياً وضعت التجربة الأميركية في مأزق حقيقي، أمام أفلام سينمائية قوية مقبلة من إيران والهند. لقد أصبح الرهان اليوم على ما كان سابقاً يدعى بـ"الهوامش"، ففي هذه الأمكنة تطالعنا أفلام مختلفة تعيد قراءة المجتمعات التي تنتمي إليها وفق آلية بصرية تغدو من خلالها السينما مشروعاً فكرياً يتأمل بعمق تحولات المجتمع.
لذلك تأتي مجمل الصور السينمائية المقبلة من هناك، باعتبارها سلسلة من الأفكار النقدية التي تعيد التأمل في سلوكات الإنسان وواقعه وتاريخه وذاكرته، وتقدمنا بطريقة فيها بعض من الحقائق المغيبة. ففي السينما الإيرانية المنتجة في الأعوام الـ20 الأخيرة، نجد الصورة وقد تحولت إلى وسيلة لإدانة القمع والتسلط، فهي ليست مجرد نسق ترفيهي كما هى الحال في الفيلم الأميركي، بل غدت أداة للكشف والنقد والتأمل جراء ما أصاب الواقع من تصدعات وأهوال.
السينما الأميركية والنقد السينمائي
تاريخياً كانت السينما الأميركية والنقد يمشيان وفق خط موازٍ، إذ لا توجد سينما أميركية من دون صحافة فنية ونقد سينمائي، فهذا الأخير، يعد آلية ضرورية للتعريف بالمنجز الهوليوودي ورصد ملامحه الجمالية وميكانيزماته الفكرية. فالنقد عملية فكرية تقوم على مشاهدة الأفلام وتأملها و"الترويج" لها، إذ لم يعد النقد مجرد وسيط بين الفيلم والجمهور، بل غدا يمتلك ناصية كبيرة على مستوى نجاح الفيلم وتلقيه من طرف الجمهور. إن النقد كما مُورس على صفحات المجلات والصحف الأميركية، يمثل خطوة منهجية لمعانقة فضاء الفكر، إذ يغدو النقد ممارسة فكرية لا تصنع أصالتها من مدى تعمق الناقد في فعل المشاهد، بل من خلال تمحيص المفاهيم وتقليب تربتها في مرآة العلوم الإنسانية والاجتماعية.
بيد أن رأس المال النقدي الذي كان مصدر فخر للسينما الهوليوودية، لا يكاد المرء يعثر عليه، لا بسبب اختفاء النقد وتراجع سلطته بعد هيمنة "النقد الرقمي" وإنما بسبب تراجع السينما الأميركية، إذ غدا الناقد يعثر على أفلام سينمائية غرضها الترفيه والاستهلاك. وهذا الأمر أدى بصورة تلقائية إلى "اختفاء" النقد السينمائي الحقيقي لمصلحة صحافة سينمائية تطارد المشاهير وتروج للأجساد والفساتين الجذابة، دون التفكير في عمق الفيلم وما يقترحه علينا من أفق جمالي مغاير.
إن النقد بنية معرفية تقوم على تفكيك الصور والمشاهد وتحليل السياقات الجمالية التي تنتجها، بما يجعله عملية فكرية بقدر ما تراهن على فعل المشاهدة، فإنها تظل ترنو إلى رأس المال الرمزي الذي يحصنه الناقد من أجل اختراق بنية الصورة السينمائية وتشريحها. فالنظام الرمزي المكون من المعارف والسياحات الطويلة في تاريخ الفكر البشري يساعد الناقد على اجتراح مشروع نقدي مختلف. لكن بما أن السينما الأميركية الجديدة في عمومها مرتبكة، فإن ذلك يعطل ملكة النقد ويدفع نقاد السينما إلى التركيز على تاريخ هذه السينما وماضيها، كمحاولة للهرب من فداحة الواقع السينمائي الغارق في الابتذال البصري.
خطر ثقافة الـ"بوكس أوفيس"
يجد بعض النقاد "متعة" في تفكيك السينما التجارية ونقد متخيلها ونصوصها وطاقمها، لكنه نقد يظل في عمومه انطباعياً وغير قادر على تملك الصورة السينمائية وجعلها وسيلة للتفكير وبناء المفاهيم وإعادة تقليبها في مرآة الفن السابع.
ونظراً إلى هذا التأرجح بين ثقل الماضي وفداحة الحاضر، أصبحت تطالعنا مقالات في مجملها صحافة فنية تعرف بطاقم الفيلم ومواعيد عرضه وأرقام شباك التذاكر، لكنها تقدم على أساس أنها نقد سينمائي، مع العلم أن مجمل النقاد يدركون أنها ليست إلا مواد تقريرية عابرة، لكونها تبقى خالية من التحليل وأساليب الفيلم وأداء الممثلين وشعرية الموسيقى وقدرة الصورة على نسج علاقة حسية مع الواقع الذي أسهم في بروزها وتبلورها على الشاشة الكبيرة.
إن الخطر الذي تمارسه ثقافة الـ"بوكس أوفيس" أنها بقدر ما تسهم في تكريس السينما التجارية وجعلها النموذج الذي لا يعول على أي شيء خارجه، فإنه أسهم في نفي الصور السينمائية الأخرى التي عادة ما جعل منها المخرجون السينمائيون الملتزمون بالشرط الإنساني أفقاً للتفكير وملاذاً للتأمل في الجسد الإنساني، في علاقته بالواقع والتاريخ الوجود. أليست السينما في نهاية الأمر، إلا تمثيلاً بصرياً للتراجيديا الإنسانية داخل فسحة الوجود الذي ننتمي إليه؟
ثقل الماضي وفداحة الحاضر
من هنا تبرز قوة الفن السابع في تعرية الواقع وإعادة بناء نتوءاته وفق صور سينمائية تعلي من قيمة الواقع، باعتباره مختبراً للتفكير وأداة ناجعة في اختبار الواقع واختراق سراديبه. إن السينما التجارية، لم تكن يوماً ذات صلة بالواقع، فهي صور بصرية تبني وحدتها العضوية على مفهوم الترفيه، فحتى لو كان الواقع سنداً لها، فإن هشاشتها تجعل مقاربتها للواقع مرتبكة وسطحية ولا تدخل ضمن مدارات السينما الملتزمة المعنية بالشرط الإنساني والصناعة الجمالية التي تحول الفيلم إلى مشروع بصري ثائر على الواقع والصور والقوالب على حد سواء.
وإذا كانت السينما الأميركية في تاريخها بنت وجودها من خلال اعتمادها على صناعة سينمائية تدعم التوزيع وتخفض من حدة الضرائب، من أجل تشجيع صناعة الفن السابع، فإن هذه الصناعة نفسها غدت تقدم صورة سيئة عن هذه السينما التي أصبحت عنواناً للاستهلاك البصري العابر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تفتقر مجمل هذه الأفلام التي تفوق الـ600 فيلم في العام، إلى عناصر القوة على مستوى الكتابة على رغم عوامل الجذب والخروج من مسار الرهان التجاري، فحتى لو كان شباك التذاكر ضرورياً بالنسبة إلى المؤسسات الإنتاجية، فإنه لا يمكن اعتبارها عامل قوة وعنصراً لتقييم الفيلم ومدى نجاحه وقدرة مخرجه على النجاح في توفير عمل سينمائي مغاير. وتمكنت "الأوديسة" لكريستوفر نولان من تحقيق نجاح كبير على مستوى الإيرادات التجارية في العالم، إذ نجح الفيلم في تخطي كلفة إنتاجه بعد أيام قليلة من عرضه في دور السينما بالعالم.
وحصد في افتتاحيته العالمية 264 مليون دولار بحسب شركة "يونيفرسال بيكتشرز"، في حين أن موازنته بلغت نحو 250 مليون دولار. فحين نشاهد الفيلم ندرك أن عامل نجاحه لا يرتبط بمداخيل الـ"بوكس أوفيس" وقدرته على التأثير في الجانب السياسي لعدد من المدن التي صور بها، بل لاعتماده على أفق سينمائي مدهش، مقتبس من قصيدة يعود تاريخها إلى 2700 عام.
نجح كريستوفر نولان سواء في "الأوديسة" (2026) أو "أوبنهايمر" (2023) في تخطي النمط التجاري داخل الفيلم الهوليوودي وفي محاولة تكريس مفهوم "الصنعة" السينمائية وأساليبها البصرية المؤثرة، لتكون هوية حقيقية للسينما الأميركية وما ينبغي أن تكون عليه كل الصناعة السينمائية في العالم.
لذلك يأتي الإبداع في مشروع صاحب "باتمان" بوصفه علامة فكرية ضرورية للدلالة على أصالة الفن السابع، فمن دون الإبداع على مستوى السيناريو، والابتكار من ناحية الصورة لا يمكن الحديث عن سينما حقيقية تخترق المجتمعات وتذهل مخيلة الناس وتدفعهم إلى نسج نوستالجيا ساحرة مع الوجود الذي ينتمون إليه.
أما نجاح الـ"بوكس أوفيس" فإنه يأتي بصورة تلقائية، لأن جاذبية الفيلم تصبح المنزع الحقيقي الذي يتحكم في شباك التذاكر، فكلما كان الفيلم أصيلاً وحقيقياً وصادقاً ومفككاً وثائراً ومبدعاً، كانت عائدات الصالات السينمائية قوية ولها أثرها في بنية الصناعة السينمائية داخل هوليوود، بعيداً من سينما الترفيه والاستهلاك التي غدت هوية بصرية لهذه السينما الغارقة في التقليد والترفيه.