Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحوار السينمائي... تشكيل الذاكرة الفردية

يجد فيها الباحثون والنقاد والمفكرون مدخلاً فكرياً حقيقياً لفهم التجربة كأنهم يحضرون كواليس التصوير

يرفض بعض المخرجين السينمائيين العرب إجراء حوارات خاصة بالكتب، إذ يعتبر كثيرون منهم أن هذا الأمر غير مفيد لتجربتهم (مواقع التواصل)

ملخص

تؤدي هذه الحوارات السينمائية دوراً كبيراً من الناحية المعرفية، فهي حوارات لا يكون الغرض من ورائها الكشف عن "حقائق" ومعطيات ومعلومات شبيهة بما يوجد في الصحف الصفراء ومجلات الفضائح، بل إنها تبني شرعيتها الفكرية من هواجسها المعرفية التي يتضمنها كل حوار.

يدخل الحوار السينمائي ضمن انشغال نقدي يهتم بالمسارات الفكرية والحياتية والفنية والجمالية للعاملين في المجال السينمائي، ذلك أنه يعد جنساً صحافياً له القدرة على اختراق ذاتية المخرج من خلال طرح الأسئلة الحارقة التي تكون بمثابة كبد للحقيقة، لأن المخرج لا يكون في تلك اللحظة، أمام وضع مريح يجعله يستعرض مفاهيمه ونظرياته وأسلوبه المختلف في الصناعة السينمائية، بقدر ما يجد نفسه أمام لحظة أشبه بمخاض الولادة، إذ يروم المحاور طرح أسئلة حول طفولته ودراسته وشغفه بالسينما وعوالمها اللامتناهية.

بهذه الطريقة يجد المخرج ذاته أمام حيز ضيق لا يستطيع من خلاله أن ينفَذ إلى الخيال أو يستند على الكذب كمحاولة لتضليل الناقد السينمائي، بل تكون الأجوبة صادقة وأكثر موضوعية، لكونها تصبح لاحقاً بمثابة محدد فكري أو منطلق منهجي بالنسبة إلى الناقد أو الدارس من أجل اقتحام تجربته السينمائية على الشاشة الكبيرة.

والحقيقة أن أغلب المخرجين العرب يتجنبون مثل هذه الحوارات الطويلة التي تصدر ضمن كتب خاصة، على أساس أنها تمثل امتداداً عميقاً للكتابة النقدية بكل ما يرافقها من متابعات صحافية وتحليل فيلمي، وذلك لأنها تكون جريئة وتُقحم المخرج في عوالم يكون مضطراً فيها إلى قول الحقيقة، لا سيما حين يكون المخرج مشهوراً ويمتلك لغته السينمائية الخاصة والمؤثرة في الفن السابع.

ويرفض بعض المخرجين السينمائيين العرب إجراء حوارات خاصة بالكتب، إذ يعتبر كثيرون منهم أن هذا الأمر غير مفيد لتجربة المخرج السينمائي، أمام التراجع المخيف الذي بات يطبع الصالات السينمائية.

والحقيقة أن هذا الأمر يكتسي أهمية بالغة أكثر من تلك الندوات الغوغائية التي تقام داخل جامعات، ومعاهد، ومهرجانات، والتي يكون صداها أكبر من قيمتها الحقيقية، إذ أصبحت الناس تمتعض من الندوات المطولة حول سينما عربية بات حلم بعض نماذج أن تغرق في التجارة والترفيه. كذلك فإن هذه الندوات على أهميتها لا تقدم أي جديد يُذكر من ناحية القضايا والإشكالات التي ينبغي مناقشتها، لكونها تبقى أسيرة "كهف أفلاطون" (أسوار الجامعة) ولا تستطيع أن تقتحم الأسوار والحدود والسياجات لتخرج صوب الفضاء العام وتصبح مؤثرة بخطابها ونيّرة في أفكارها، من خلال طرح أسئلة حقيقية لما تعيشه السينما العربية اليوم في علاقتها بالدعم والإنتاج والرقابة والسطحية التي باتت تكتسح كثيراً من نماذجها ووجوهها. لذلك فإن الحوار السينمائي يقدم للقارئ الملامح العامة والخاصة حول تجربة سينمائية معينة ويكشف بطريقة لا مرئية حياة المخرج وأفكاره ومواقفه ومفاهيمه ورؤيته للفن والصناعة السينمائية بشكل خاص.

وعلى رغم أن التجارب الموجودة دائماً ما كانت تنطلق من "السيرة" باعتبارها عنصراً فكرياً لبلورة الحوار السينمائي، فإن مسار الحوار سرعان ما يتغيّر ويلتحم بطرق أخرى ويتصادى مع مسالك مختلفة، حتى تغدو السيرة بمثابة محدد فكري لما سيصبح عليه المخرج السينمائي لاحقاً.

إن المحددات التاريخية والاجتماعية والنفسية والثقافية وإن كانت بمثابة مقاربات تقليدية في الخطاب المعاصر، فإنها تبقى أحياناً ناجعة ولها القدرة على التأثير في جسد المخرج السينمائي. فهنا أحداث وقعت في طفولته تكون بمثابة الشرارة التي أشعلت فيه لذة الحيك السينمائي، كما هي الحال لكثير من المخرجين العرب والأجانب الذين تخيلوا أنفسهم مخرجين وهم مجرد أطفال.

 

تقليد غربي متوهج

فإذا كان الحوار السينمائي مهمشاً ومنسياً داخل التجربة النقدية العربية، باستثناء تجارب نقدية معدودة على أصابع اليد الواحدة، فإنه يعد تقليداً معرفياً داخل الساحة السينمائية الغربية الحبلى بكثير من المونوغرافيات الخاصة بالحوار السينمائي، إذ يتم إصدار هذه الحوارات بطريقة فردية تتناول تجربة كل مخرج أو ممثل سينمائي، فيجد القارئ نفسه ليس أمام حوار صحافي يحوّل الخطاب البصري إلى مكتوب، وإنما أمام نص أدبي مكتوب بلغة فكرية تعيد تشكيل الذاكرة الفردية للتجربة السينمائية. ما يعني أننا أمام تقليد غربي لا يمكن نسيانه أو طمس ممارساته داخل الفترة الراهنة، لا سيما في وقت أصبحت فيه وسائل الطباعة متوفرة، بما تمتلكه من آلات عصرية تضع الصور في ثنايا النص، فيغدو الكتاب عبارة عن وثيقة بصرية حيّة تروي سيرة الذات الفردية في علاقتها بالصورة السينمائية وعوالمها المتخيلة.

إن هذا التقليد النقدي لم يكن يوماً هامشاً في تاريخ الثقافة النقدية، بل يُعد من الممارسات الثقافية التي لا تغيب عنها، إذ تظل المونوغرافيات حاضرة وتصدر هنا وهناك بلغات مختلفة ويتم توقيعها والاحتفاء بها، إذ نعثر على نماذج مثل "السينما بحس ألفريد هيتشكوك"، و"أصدقاء أميركيون: حوارات مع كبار مؤلفي هوليوود"، وسواهما من المؤلفات حين يتداخل الواقعي بالمعرفي والموضوعي بالحميمي، لكنهما ينسجان مع بعضهما بعضاً خطاباً فكرياً ينطلق من السيرة الذاتية والحياة اليومية والوقائع التاريخية، لكنه سرعان ما يتماهى مع الشاشة الكبيرة وأضوائها اللامعة. ونظراً إلى القيمة المعرفية التي تنتجها هذه الكتب، فإنها تباع بقوة ويطالعها الباحثون والنقاد والمفكرون، لأنهم يجدون فيها مدخلاً فكرياً حقيقياً لفهم التجربة السينمائية كأنهم يحضرون كواليس تصويرها وفق طريقة تشجعهم لحظة المشاهدة للدخول إلى معترك التأويل الذي يعد آلية ضرورية لتحقيق تواصل فعّال بالنسبة إلى المتفرج، وخطوة ناجعة لبناء خطاب علمي بالنسبة إلى الناقد السينمائي.

يجد قارئ المؤلفات الغربية خطاباً يمتزج فيها المعرفي بالحميمي، فالمعرفي مطلوب في كل حوار سينمائي وإلا فإن أهميته تخفت، في حين أن الحميمي يبرز بقوة خاصة حين يتعلق الأمر بوجه هوليوودي شهير كثيراً ما طاردته أضواء الصحافة والنجومية، فيكون الكتاب مشجعاً بالنسبة إلى الناشر، لأنه يُباع بقوة ويحظى باهتمام بالغ من طرف الجرائد والمجلات والمواقع التي تجد فيه مادة غنية للعرض واللعب بالعناوين طوال الشهر، لذلك يبقى الجانب الحميمي وإن كان غير مهم بالنسبة إلى النقاد والباحثين الذين ينقبون عن أسرار الأفلام وكواليس السيناريوهات وطرق التصوير، عنصراً ضرورياً لنجاح هذه الحوارات السينمائية من ناحيتها التجارية التي يجد فيها القارئ العادي متعة تجعله يظل يطارد هذا النمط من المؤلفات السينمائية.

الحوار... منسي في التربة العربية

عربياً، لا يعثر المرء على كتب فردية يُجري من خلالها النقاد حوارات مطولة تصدر في كتب ضمن دور نشر أو مهرجانات، إذ إن الغالب عربياً يرتبط فقط بتجميع حوارات سينمائية وإصدارها في كتب، وهو تقليد نعثر عليه في كل البلدان العربية مثل مصر ولبنان والجزائر والمغرب، فهناك نقّاد أسهموا في إصدار حوارات مع صناع الفن السابع من ممثلين وكتّاب سيناريو ومخرجين. وعلى رغم الطابع الصحافي الذي قد تبدو عليه هذه الكتب، فإنها في الحقيقة تؤدي دوراً كبيراً بالنسبة إلى الباحثين، لأنها تضعه في مقدم مشروع الفيلم السينمائي وتجعله يفهم المنطلقات الجمالية والميكانيزمات الفنية التي يتأسس عليها وعي المخرج تجاه فيلمه. أي إنها حوارات يمكن الاستعانة بها لتكون عبارة عن مدخل لفهم تجربة مخرج معين، وغالباً ما تُنشر هذه الحوارات داخل الصحافة العربية، بما يجعل أسسها "مناسباتية" وخاضعة لحدث معيّن وغالباً ما تكون قصيرة يقدم من خلالها المخرج السينمائي مجموعة من التصريحات حول الفيلم الجديد أو تقديم موقفه من قضية سياسية أو حدث اجتماعي وهو أمرٌ نادر، لا سيما داخل البيئة المغاربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نجح الناقد المصري أحمد شوقي، في إصدار ثلاثة مؤلفات، عبارة عن حوارات فردية مطولة أجراها مع كل من داود عبدالسيد، ويسري نصر الله، وخيري بشارة. وهي تجربة غنية تعيد الاعتبار لهذا الجنس الصحافي وتجعله يحتل صدارة المشهد النقدي، فقد استطاع صاحب "محظورات على الشاشة: التابو في سينما جيل الثمانينيات" أن يؤسس لنفسه مساراً يجمع بين الصحافة والنقد، وإن كان الأخير يبقى غالباً على تجربة في التعامل مع مخرجين عبر حوارات أصيلة تغوص في الذاكرة السينمائية الفردية ويحاول عبرها بناء حوار فكري فعال أكثر غوصاً في ذاكرة السينما المصرية.

لا ترتبط هذه الحوارات بالتجربة الفردية للمخرجين، بقدر ما يوسّع من خلالها أحمد شوقي رحابة السؤال عن طريق تفكيك بنية السينما المصرية وموضوعاتها ومفاهيمها والتحولات التي ألمّت بها في الأعوام الأخيرة، بما يجعل الحوارات تغدو بمثابة مرآة حقيقية لما يدور في الفلك الواقعي للسينما المصرية منذ سبعينيات القرن الـ20.

من هذا المنطلق، تؤدي هذه الحوارات السينمائية دوراً كبيراً من الناحية المعرفية، فهي حوارات لا يكون الغرض من ورائها الكشف عن "حقائق" ومعطيات ومعلومات شبيهة بما يوجد في الصحف الصفراء ومجلات الفضائح، بل إنها تبني شرعيتها الفكرية من هواجسها المعرفية التي يتضمنها كل حوار. ففي هذه الحوارات يرتفع منسوب الفكر القائم على تحليل الصور والمشاهد والأكسسوارات ودلالات الفضاء، ويغدو السؤال بالنسبة إلى الناقد قاطرة منهجية لإنتاج نمط معين من المعرفة الفكرية بالصورة السينمائية. وهو نمط معرفي صعب اشتهر في الحضارات القديمة، إذ تطالعنا مجمل الكتب التأسيسية الفلسفية الأولى بـ"محاورات" يتم من خلالها بسط الأفكار، وتمرير المواقف، ومعالجة الإشكالات التي كانت تُناقش ضمن "الأغورا". إن الحوار السينمائي عبارة عن "أغورا" معاصرة بين الناقد والمخرج السينمائي، إذ من خلال هذا الشكل التواصلي، يتم إنتاج معرفة سينمائية تكون أحياناً أعمق من الكتابة التي يقوم بها الناقد أو الباحث.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما