ملخص
بيت فيسين في برشلونة، تحفة معمارية أولى للمهندس الكتالوني أنطوني غاودي استغرقه إنجازها ما لا يقل عن خمس سنوات في تأخر لم يكن هو مسؤولاً عنه، بل الأوضاع المالية والقانونية التي أحاقت بأصحاب المشروع
في السابع من يونيو (حزيران) 1927 صدم ترامواي وسط مدينة برشلونة عاصمة كتالونيا في إسبانيا رجلاً في الـ74 من عمره فيما كان هذا الأخير يتنزه في الشارع شارداً كعادته.
بعد 3 أيام قضى الجريح في غرفته بالمستشفى ما وضع حداً لحياة غنية، يحتفل عالم الهندسة العمرانية في عامنا هذا، 2026، بالمئوية الأولى لانقضائها. فالحال أن 100 عام انقضت على تلك الحادثة التي قتلت أنطوني غاودي، المعماري الكتالوني الكبير الذي سيقول بعض كبار معماريي القرن الـ20 (من زها حديد إلى كالاترابا، مروراً بهاندرتفاسر) إنهم ما كانوا وما كانت إبداعاتهم في هذا المجال لولا جنون عبقريته التي ألهمتهم ولا تزال وستبقى لأزمنة طويلة مقبلة.
ولئن كنا في هذه الزاوية كما في مناسبات عديدة أخرى، لم نقصر في استعادة ذكرى حياة وأعمال هذا المبدع الاستثنائي، فإننا قليلاً ما أشرنا إلى تلك البدايات التي صنعته ولا سيما منها إنجازه الأول. وهو بالتحديد المبنى المعروف ببيت فيسين، التحفة المعمارية الأولى التي استغرقه إنجازها ما لا يقل عن خمس سنوات في تأخر لم يكن هو مسؤولاً عنه، بل الأوضاع المالية والقانونية التي أحاقت بأصحاب المشروع، مما جعل غاودي ينجز عملين آخرين يفترض أنهما أكثر نضوجاً، قبل إنجاز المشروع الأول الذي ضاعت إلى حد ما قيمته كمنجز أول لذلك المعماري الشاب الذي كان قد حصل على دبلومه لتوه حين بدأ يكتب في صحيفة "النهضة" الكتالونية مقالات حول ضرورة التجديد العمراني. وكانت مقالات لفتت نظر صناعي يشتغل في صناعة البلاط والقرميد والبورسلين الملون، هو السنيور فيسين الذي وجد في المقالات دعوة إلى وإصراراً على، إدخال البضاعة التي يصنعها في اللعبة العمرانية. وهكذا اتصل بغاودي الذي لم يكن قد أنجز أي عمل جدي بعد، وتعاقد معه على تشييد ذلك المبنى الذي يمكننا أن نقول اليوم إنه كان الرحم الذي ولدت منه عمرانيات هذا المبدع العبقري.
وفقاً للعمران العربي
لعل أول ما يمكننا قوله حول هذا المبنى المُشيد في منطقة باتت اليوم في وسط برشلونة بعدما كانت على تخومها أواخر القرن الـ19، إن ما من عمراني مبتدئ كان في مقدوره أن يحلم بأن يماثل إنجازه الأول هذا الإنجاز الذي على رغم صغر حجمه، يبدو، وبحسب تعبير المؤلف الألماني راينر تسربست، الذي عرف بدراسات عديدة وضعها خاصة عن عمران غاودي، يبدو أشبه بقصر منيف طالع لتوه من حكايات ألف ليلة وليلة. إذ ينبعث فجأة أمام عابر شارع مشجر في الرقم 24 بشارع الكارولين في برشلونة.
والحقيقة أن ذكر الليالي العربية هنا ليس صدفة. فهذا المنزل على صغره الذي من المستحيل أن يجعل منه دارة رئيسة لأي ثري كان، هو في الحقيقة ما شيده غاودي منجزاً إياه بعد 10 سنوات من توقيع عقوده الأولى، وذلك في منطقة من العاصمة الكتالونية كان سراة القوم وكبار السياسيين والتجار والصناعيين قد بدأوا يبنون فيها بيوتاً ثانوية لهم.
ولعل ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن غاودي لم يستغرق السنوات الـ10 في إنجاز هذا البيت، بل احتاج إلى خمس سنوات فقط تقطعت مع فترات توقف انصرف خلالها المعماري إلى إنجاز مشاريع أخرى من اللافت أن معظمها يبدو قريباً في زينته وهندسته من ذلك المشروع الأول، ولا سيما - وهذا ما يعيدنا بالطبع إلى الليالي العربية - أن غاودي وخلال السنوات التي اشتغل فيها على بيت فيسين كان يزداد شغفاً باكتشافاته المتتالية للعمران العربي في مدن إسبانية أخرى - غرناطة وإشبيليا وغيرهما - كان يمعن في زيارتها واستلهام تراثها العربي العريق، مما جعل بيت فيسين يبدو في نهاية الأمر بيتاً عربياً حقيقياً، ويزداد بعده هذا عاماً بعد عام.
أصالة شرقية وبورجوازية غربية
بل يزداد عبره ذلك التضافر الذي راح غاودي يحققه بين العمران البورجوازي الإسباني والتراث العمراني الإسلامي... أي بين ما سيسميه خوان غويتيسولو لاحقاً بالأصالة العربية والحداثة الإسبانية.
ولعل الطريف في الأمر أن غاودي قد انطلق من الأسفل "شديد الإسبانية"، ليتحول كلما ارتفع طابقاً، إلى توجه "مغرق في نزعته العربية" بل حتى، وكما سيضيف باحثون آخرون، مستعار من نزعة عربية تمتزج بنزعة فارسية على الطريقة الهندية المغولية بالأحرى.
مهما يكن من أمر، في عام 1883 الذي بدأ فيه غاودي الاشتغال الحقيقي على تنفيذ المشروع الذي لن يكتمل إلا في عام 1888، انطلق المعماري الشاب وقد بات أكثر دراية من ناحية بالمواد المتوافرة في السوق، ومن ناحية ثانية بتفضيلات فيسين المتعلقة بالترويج العملي لمنتجات مصانعه وقد اكتسبت على يد غاودي أهمية جديدة عبر مخططاًته في الأقل، انطلق يبني منزلاً ذا ثلاث واجهات علماً أن الواجهة الرابعة ألصقها المعماري بدير صغير ملحق بأرض المشروع.
ولقد مكن هذا التصرف المهندس من أن يتفرغ تماماً لبقية الواجهات التي زاوجت بين القرميد والحجارة الطينية والسيراميك بشكل لا يزال محافظاً على جماله وأناقته ورونقه، بل حتى على غرابته التي ستضحى علامة مميزة لفن غاودي، حتى اليوم.
ولنذكر هنا أن المالك التالي للمبنى ومشروعه وهو أنطوني خوفير بويك طلب من غاودي، في عام 1899 أن يستطرد العمل على المشروع نفسه بعدما اشترى قطعة أرض مجاورة له لتكبيره كي يصبح مسكناً رئيساً له ولعائلته، لكن غاودي، إذ كان حينها غارقاً في تنفيذ مشروع كاتدرائية العائلة المقدسة، اعتذر عن ذلك بعدما طلب من صهره، المعماري بدوره خوان دي مارتينيز أن يكمل المشروع بناء لطلب بويغ. ففعل لكن ذلك لم يؤثر في المشروع كما صاغه غاودي بالتأكيد. وذلك لأن الصهر احترم في عملية التوسيع، الأسس والأشكال وحتى الزينة التي كانت من صنع غاودي وتصميمه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بين البساطة الجوهرية والتعقيد الشكلي
في النهاية إذا كان منظر العمران الكتالوني ألييس روجنت الذي كان قد أشرف منذ سنوات قليلة في ذلك الحين على منح أنطوني غاودي دبلومه الهندسي الذي ناله في نفس العام الذي تعاقد فيه مع صانع القرميد والسيراميك، على تنفيذ مشروعه الأول، قد قال مبتسماً حين كشف له غاودي عن مخططاًت مشروعه: "لم أعد أعرف في الحقيقة إذا كنت قد أعطيت الدبلوم لعبقري أم لمجنون"، اضطر لأن يقول حين زار المبنى للمرة الأولى وقد بقيت أسابيع على إنجازه، إنه يشعر حقاً بأن الدبلوم ذهب إلى عبقري مجنون، مضيفاً بعدما تجوال بين الطوابق والغرف والأبراج القائمة عند زوايا المبنى، وجلس في الحديقة خلف السياج الجميل المصنوع من أعمدة حديدية متشابكة، إنه يحبذ للعبقرية أن تكون على ذلك النحو، أي على ذلك المستوى من الجنون الخلاق. "فتتسم بالعادية في بنيتها الجوهرية التي تستجيب لضغوط المكان، والتقشف في الإنفاق، في وقت تستفيد فيه إلى أقصى حدود الإفادة من التلوين مهما كانت غرابته، والزينة بالسيراميك، والانفلات في استخدام القرميد دون أن تحصره بالسطوح كمانع لتسرب مياه الأمطار إلى الداخل".
ولا شك في أن هذا الكلام الذي جاء مبكراً في توصيفه لمشروع أنطوني غاودي (1852 - 1926) الأول، يصلح أيضاً لتوصيف مجمل المشروع العمراني لذلك "العبقري المجنون"، بحيث يمكن أن نقول اليوم إن بيت فيسين كان الإرهاص الأول بتلك الحداثة العمرانية التي أبدعها غاودي.