Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حياة فيوليت" 3 قصص قصيرة غير منشورة لفرجينيا وولف

كتبتها في الـ25 من عمرها قبل ثمانية أعوام من بدايتها الروائية

فيرجينيا وولف في شبابها (غيتي)

ملخص

صدرت حديثاً ترجمة عربية لثلاث قصص غير منشورة للكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف (1882-1941) حول صديقتها ماري فيوليت دكنسن (1865-1948)، بعنوان "حياة فيوليت". وقد ظهرت أخيراً هذه القصص المرتبطة بعضاً ببعض، للمرة الأولى، بعد مرور أكثر من 80 عاماً على وفاة صاحبتها، وهي من تحرير أورميلا سيشاغيري، عن جامعة برينستون.

يأتي هذا المخطوط المُكتشف للكاتبة فرجينيا وولف في بيت لونغليت، والذي توجد نسخة منه أيضاً في مكتبة نيويورك العامة، ليملأ فراغاً وليقدم ثلاث قصص لم يكن قراء فرجينيا وولف يعلمون بوجودها، وهي قصص مكتوبة عام 1907 ثم مصححة ومنقحة عام 1908 بيد الكاتبة نفسها، وبيد صديقتها حاملة اسم المجموعة فيوليت.

وتُعد هذه القصص التجربة الأدبية المكتملة الأولى لفرجينيا وولف، وهي ما تزال بعد في الـ 25 من عمرها، وقد صدر هذا المؤلف بالعربية، بعد عام واحد فقط من صدوره بالإنجليزية، بعنوان "حياة فيوليت" (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر 2026، ترجمة عمر إبراهيم، تحرير الترجمة عزة طويل) محافظاً على روح الغلاف الأصلي نفسها والعنوان نفسه، ويُعد هذا المؤلف أول عمل قصصي مكتمل للكاتبة الإنجليزية الرائدة فرجينيا وولف، صاحبة "السيدة دالاوي" و"إلى المنارة" و"أورلاندو"، وقد وضعته قبل أي من مؤلفاتها الأخرى المنشورة والمعروفة، لكنه لم يظهر إلا أخيراً عن طريق المتخصصة في كتاباتها أورميلا سيشاغيري التي تكتب في بداية المجموعة "لكن كيف منحني حظي السعيد فرصة لإيقاظ مخطوط وولف من سباته الممتد لعقود داخل قصر في ويلتشير؟ حدث ذلك بمحض الصدفة، شأن أعظم الاكتشافات".

ينظر المتخصصون المعاصرون في الأدب الإنجليزي إلى "حياة فيوليت" على أنه اكتشاف أدبي مهم يبشر بطموح وولف إلى إحداث ثورة في فن الكتابة، كما يلقي ضوءاً جديداً على المواضيع الكبرى التي ستطبع أعمالها اللاحقة، واللافت أن "حياة فيوليت" هو قبل كل شيء كتاب ممتع، يعكس حس وولف الفكاهي الذي لا يمكن توقعه لدى قراءة حياتها، وطريقة انتحارها والسوداوية النفسية التي عاشت فيها.

بذور فكر فرجينيا وولف الثوروي

تقوم هذه المجموعة القصصية على تمهيد تليه قائمة الشخصيات ثم القصص القصيرة الثلاث وبعدها كلمة ختامية، ويتسم أسلوب وولف في سردها السريع الجذل بكثرة التعليقات الساخرة والإيماءات الكوميدية والسخرية اللاذعة، فتضفي الكاتبة على شخصية فيوليت الغريبة في أصلها مزيداً من الطرافة والخفة.

ثلاث قصص قصيرة آسرة مضحكة جذلة، تشكل سيرة حياة ماري فيوليت دكنسن وضعتها فرجينيا وولف في بدايات القرن الـ 20، انطلاقاً من حياة صديقتها فيوليت التي تكبرها بما يربو على الـ15 عاماً، وقد كشفت هذه القصص بذور فكر وولف الثائر وأسلوبها الساخر اللذين سيتطوران أكثر بعد مع مرور الأعوام والمؤلفات.

ويظهر في هذه القصص نقد وولف لأبرز قضايا عصرها، بأسلوب سريع مقتضب خفيف مضحك، فتتحدث الكاتبة عن فضيلة المرأة وحقوقها وعن الهرمية الاجتماعية العنصرية وعن الأنوثة القائمة على التصنع وعن الزواج والطلاق والإنجاب وحياة المرأة بمختلف مراحلها.

تعالج وولف قضايا مجتمعها بنزعة ساخرة كوميدية، وتوظف عامل الإضحاك لنقل نقدها للواقع الذي تعيشه المرأة الإنجليزية في بدايات القرن الـ 20، فتتحدث مثلاً عن تعليم المرأة إنما بحدود، لتبقى خاضعة للرجل، "بيد أن هناك أواناً يأتي، ويستطيع الآباء والأوصياء أن يحددوه بالثانية، يكون التعليم عنده قد ضُخ بقطرات تكفي بالضبط عدد القطرات التي يحتاج جسم الفتاة إلى امتصاصها لتفيده، لكن ملعقة صغيرة زائدة تُفسد البنية إلى الأبد".

تكتب وولف قصصها الثلاث المترابطة والتي تدور حول صديقتها فيوليت متحدثة مباشرة إلى القارئ، مدخلة إياه بخفة وطرافة إلى داخل نسيج النص، فتكتب وولف في مواضع عدة جملاً تتوجه فيها مباشرة إلى المتلقي عبر ضمير المخاطب، في نوع من تعليقات ساخرة جانبية على سيرة فيوليت التي ليست سيرة بالمعنى التام، بل هي نوع من سيرة ساخرة هزلية.

وطوال سردها تقدم وولف تعليقات مضحكة تشكل طريقة سردها وتمنهج اختياراتها السردية بصورة كوميدية خفيفة، من ذلك مثلاً "من هذه الفقرة المقتضبة والعاجلة، يستطيع شخص ذو بصيرة أن يبني فصولاً كاملة لا وقت لي لكتابتها"، أو أيضاً "كان من بين أصدقاء فيوليت بائع متجول، وامرأة تبيع التفاح، وعدد من الناس الذين لن تُحدث أسماؤهم أي تأثير لو ذكرتها".

تتحول أخبار المجتمع الأرستقراطي وطبقة النبلاء وزواج المرأة في هذه المجموعة القصصية إلى مادة تندر وإلى مفارقات هزلية، عبر سردها المرح والقصير والمضحك تخبر وولف قصة فيوليت بمستوى السرد الأول والسطحي، لكنها تخبئ بين الكلمات مستوى كوميدياً أسود أكثر عمقاً، تنتقد فيه المجتمع وعاداته وطرق تفكيره، وطرق تسييره لحياة المرأة.

تمزج وولف في هذه القصص بين الخيال والحكاية الخرافية والسخرية من جهة، وبين حياة فيوليت الحقيقية من جهة أخرى، وفيوليت هي هذه المرأة الطويلة الضخمة التي تتحدى المجتمع بصورتها ونمط عيشها وطريقة تفكيرها وتصرفها، والتي تقول لها عمتها قبل حفلتها الأولى بكل القسوة الموجودة في ذاك العصر: "تذكري أنك لست جميلة ولا ثرية، وبحسب ما أرى، لست جذابة بأية صورة. شاءت رحمة الله الواسعة أن ينمو طولك بست بوصات أكثر مما ينبغي لك أن تنمي، وإن لم تريدي أن تصيري علماً للسخرية، فعليك أن تتألقي كمنارة للتقوى"، ليبقى السؤال الأكبر مَن هي فيوليت؟ وما هو دورها في حياة فرجينيا وولف؟ ولماذا اختارت هذه الأخيرة أن تكرس لها ثلاث قصص بكاملها، هي أول ما كتبته في حياتها؟

من هي ماري فيوليت دكنسن؟

تكرّس وولف هذه المجموعة القصصية بكاملها لحياة فيوليت، وهي مجموعة مؤلفة من ثلاث قصص، وما يقل عن الـ 50 صفحة بقليل، ويُجمع المؤرخون أن فرجينيا ستيفن، قبل أن تتزوج وتصبح فرجينيا وولف، هي الابنة السابعة لأسرة ميسورة ومثقفة، درست الأدب الكلاسيكي والتاريخ، واطلعت في سن باكرة على أفكار الرواد المدافعين عن حقوق المرأة، وقد تعرفت إلى فيوليت دكنسن في عام 1897، وكانت فيوليت سيدة عزباء من عائلة مرموقة فاحشة الثراء، جاءت لتزور عائلة فرجينيا في بيتها.

تبدو فيوليت بالمقارنة مع نساء عصرها غريبة الأطوار، حتى أن وولف تصفها في هذه المجموعة القصصية قائلة إن "ضخامة فيوليت غير المعتادة ميزتها منذ الطفولة، وجعلتها إلى حد ما أكثر جرأة في مناهضة الصورة النمطية للفتاة الأرستقراطية في القرن الـ 19".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأت فرجينيا وفيوليت بالتراسل منذ عام 1902، وقد حلت فيوليت محل والدة فرجينيا وشقيقتها اللتين فقدتهما في تلك الفترة، فسافرت المرأتان في عطلات معاً إلى البندقية وفلورنسا وفرنسا، وكانت فيوليت بمثابة مرشدة فرجينيا ومعلمتها وقدوتها.في عام 1904، اعتنت فيوليت بفرجينيا التي كانت تعاني انهياراً نفسياً عقب وفاة والدها، وأقامت المرأتان لبعض الوقت في منزل فيوليت الريفي، حيث قامت وولف بأول محاولة لها للانتحار، لكنها لم تُصب عقبها بأذى وسرعان ما تماثلت للشفاء، ومن الضروري ذكره أن فرجينيا كانت تعاني منذ أعوام شبابها الأولى مرضاً نفسياً هو الذي أودى بها إلى الانتحار في عام 1941، وهي في الـ 59 من عمرها.

يبدو من حياة فرجينيا أنها تأثرت كبير التأثر بفيوليت وأعجبت بها، مع ترجيح وجود علاقة حميمة بين المرأتين تتعدى الصداقة، مما يجعل فيوليت أول حب في حياة الكاتبة الإنجليزية العشرينية الشابة، وعلى رغم أن وولف تزوجت وكانت لها صداقات مع رجال، يبدو أنها كانت تشعر براحة أكبر في محيط النساء، ولم تكن فيوليت علاقتها الوحيدة من هذا النوع، ومن ناحيتها آمنت فيوليت بموهبة فرجينيا ودعمتها وعرّفتها بأبرز ناشري عصرها، وكانت من أشد المدافعين عن كتاباتها، وقد ساعدتها في إقامة علاقات مهنية من شأنها دعم مسيرتها الأدبية.

بعد زواج فرجينيا من ليونارد وولف، انقطعت عن رؤية فيوليت من دون أن تنقطع المراسلات بينهما، وقد أتلفت فرجينيا الرسائل التي تلقتها من فيوليت، لكنها احتفظت بالرسائل التي كتبتها هي، وعُثر عليها بعد وفاتها عام 1948.

"حياة فيوليت" سيرة كوميدية مقتضبة يمكن اعتبارها أبكر عمل كامل لفرجينيا وولف، تجسد فيه حسها الفكاهي وعقلها الناقد وميلها إلى إحداث التغيير في المجتمع وفي نظرته إلى المرأة وتعامله معها، فعدا عن أن البطلة بحد ذاتها منتفضة على القيم الاجتماعية الخانقة، يُضاف الأسلوب اللاذع والجمل الثاقبة والنقد المبطن.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة