Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فكاهات سوفياتية عن ستالين يرثها خلفاؤه

"أبو الشعب الصغير" البطل غير المتوج للسخرية السياسية وبعدما ضحك طويلاً لنكات مرة تتناوله أمر محاكمه بسجن مطلقيها

ستالين كما تتناوله الرسوم الكاريكاتيرية الروسية (وسائل التواصل)

ملخص

يشير مؤلفا كتاب "فكاهات حول ستالين: نصوص، تعليقات وتحليلات" إلى أن كتابهما عرف كيف يكتب نفسه بنفسه "حيث كان ما فعلناه أننا جمعنا مئات المقالات وألوف النكات ودرسنا ظروف ولادتها وانتشارها وربطناها بتلك الظروف، ثم حللناها، وقد اشتغلنا على تصنيفها طبقياً وأيديولوجياً وحتى طائفياً وقومياً، وقسمناها أحياناً إلى فكاهات مدينية وأخرى ريفية، غير متناسين ضرورة التنبه إلى أن ثمة بينها نكات نخبوية وأخرى شعبوية"

هل يمكنكم أن تخمنوا من هو رجل السياسة الذي خصه القرن الـ20 بالعدد الأكبر من الحكايات السياسية؟ إذا كان جوابكم السريع هو ستالين الزعيم المطلق للاتحاد السوفياتي منذ نهاية العقد الثالث من القرن الـ20، تكونوا قد فزتم بالجائزة الكبرى. أو هذا في الأقل ما يقترحه علينا كتاب روسي صدر في عام 2010 من تأليف الثنائي ألكسندرا أرخيبوفا وميكائيل مليتشنكو. وهو كتاب يقع في مئات الصفحات يتوزع فصولاً تحت عنوان بسيط "فكاهات حول ستالين: نصوص، تعليقات وتحليلات" وحظي لدى صدوره برواج كبير، وإن كان يمكننا القول إن القسم الأول منه كان ذا الحظوة الكبرى، ومن حيث لا يمكن لأحد أن يتوقع: من حيث إن مراجعي الكتاب تنبهوا إلى أن الغالبية العظمى من الفكاهات التي انتشرت خلال العقود التي تتوسط القرن الماضي وتتناول زعماء وشخصيات سياسية سوفياتية أو غير ذلك، إنما ابتدعت أصلاً للسخرية من ستالين، ثم راحت تقتبس للسخرية من آخرين دون الإشارة إلى أصولها "الستالينية".

ولكن لماذا ستالين؟ بكل بساطة لأنه، في شخصيته نفسها حمل عديد من العناصر المضحكة بدءاً من شاربه الكثيف، وصولاً إلى عجزه عن النطق بلغة البلاد (الروسية) التي يحكمها، نطقا صحيحاً مروراً بقسوته ومحاولته الدائمة للادعاء بفهمه كل الأفكار والفلسفات وما إلى ذلك مقارنا نفسه حينا بكبار الفلاسفة الإغريق، وأحياناً بماركس متجاوزاً لينين، وما إلى ذلك.

ونعرف طبعاً أنه بعدما كانت الحكايات التي تتناول من سيسمى، على سبيل السخرية أيضاً، زعيم الشعب الصغير، بصورة أقرب إلى أن تكون علنية أول الأمر، راح ستالين ورقاباته تتشدد أكثر وأكثر إلى درجة أن الزعيم نفسه راح، بعدما تفاقمت الأمور، يأمر محاكمه بسجن مطلقي تلك الفكاهات مدداً قد تصل إلى 10 سنوات، بل 25 سنة سجناً مع نفي إلى سيبيريا...

اقتباسات موفقة

ومن هنا، وكما يفيدنا الكتاب المذكور، راح عدد كبير من تلك الحكايات يتحول، تلقائياً، وحتى أحياناً بصورة ممنهجة مدروسة، أي من طريق مكاتب متخصصة، ليحكي عن زعماء آخرين وعن أعداء ستالين في الداخل والخارج ثم لاحقا، وخلال الربع الثالث من القرن الـ20 نفسه، ثمة ودائماً بحسب المعلقين على الكتاب، نوع من ارتداد إلى الداخل السوفياتي حين راح ستالين يستبدل ببريجنيف مثلاً، بعدما عرفت تلك البلاد حقبة خروتشيفية هدأت فيها النكات في تناولها لهذا الأخير بعض الشيء لتركز على تصرفات "محببة" منه استساغها الشعب السوفياتي كطرقه بحذائه داخل اجتماع صاخب لمنظمة الامم المتحدة... إلخ.

أما بالنسبة إلى الكتاب، فصحيح أنه أعاد معظم النكات السياسية إلى انطلاقتها "الستالينية" مورداً مئات منها ارتبطت لاحقاً بكبار من سياسيي العالم، لكن الكتاب ركز على تحليله العوامل التي جعلت ستالين هدفاً للكتلة المؤسسة من ذلك التراكم الفكاهي.

ولعل العامل الأساس هنا كان العداء الذي استشعر المثقفون اليهود، الروس وغيرهم، بأن ستالين يبادرهم به هم الذين يعتبرون وفي أنحاء كثيرة من العالم حينها، من بين ملوك الفكاهة السوداء، الفكاهة الساخرة من كل شيء بدءاً من ذاتهم.

ولعل البداية، كما يقترحها الكتاب أتت من تلك النكتة التي باتت شهيرة وانطلقت من سؤال بسيط: ما هو القاسم المشترك بين النبي موسى وستالين؟ والجواب: الأول أخرج اليهود من مصر، أما الثاني فأخرجهم من المكتب السياسي للحزب! لتصبح أخيراً في تلك التي أحلت عند نهاية الاتحاد السوفياتي اسم بريجنيف مكان اسم ستالين، كما أحلت ألمانيا مكان يهودي تلك النكتة الأصلي. فعم تتحدث تلك النكتة الأخيرة؟

بين الزعيم والأرمني

تحكي كيف أن بريجنيف وقد اتعبته شؤون الحكم وقلقه على سلطته، أراد أن يأخذ إجازة، ولو لأسابيع، لكنه كان يؤجل ذلك خوفا من أن يحدث الأسوأ في غيابه. في نهاية الأمر نصحوه بأن يأتي بالأرمني أرتين ليحل له المشكلة. فاستدعاه وعرض عليه الوضع فسأله هذا الأخير: ومِمَّ تخشى يا رفيق؟ قال أخشى أن أذهب فينقلب رفاقي ضدي. فقال له: دع هذا الأمر لي، وغير ذلك؟ قال أخشى أن تتفاقم السوق السوداء فتزيد الطين بلة، "حسناً، وبعد ذلك؟" سأله أرتين فقال بريجنيف قلقاً: أخشى ما ألاحظه من عودة الجموع إلى الكنائس فيزداد ذلك في غيابي! فقال له أرتين: دع الأمور لي واذهب في إجازتك كما تحب. وبالفعل ذهب بريجنيف إلى منتجع بعيد، لكنه ظل يتسقط أخبار الإمبراطورية فإذا به يجدد إجازته أسبوعاً بعد أسبوع وشهراً بعد شهر والأمور في البلد هادئة والرفاق لم ينقلبوا، والسوق السوداء اختفت، والكنائس فرغت تماماً من الزائرين. في النهاية عاد الزعيم مسروراً واستدعى أرتين سائلاً إياه عما فعل. فقال له هذا الأرمني الحاذق: لا شيء، ما إن سافرت يا رفيق، حتى اعتقلت أعضاء المكتب السياسي فمنعتهم من الانقلاب عليك، ثم اعتقلت أعضاء اللجنة المركزية فاختفت السوق السوداء. وهنا انفجر بريجنيف فرحاً وسأل أرتين عن الكنائس التي لم يعد أحد يرتادها. فأجابه أرتين: كان ذلك أسهل الأمور. منذ مغادرتك أمرت بإنزال صور السيد المسيح وعلقت صورك بدلاً منها...

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التاريخ لا يموت

منذ المقدمة التي وضعها المؤلفان لهذا الكتاب، أشارا إلى أنه كتاب عرف كيف يكتب نفسه بنفسه "حيث كان ما فعلناه أننا جمعنا مئات المقالات وألوف النكات ودرسنا ظروف ولادتها وانتشارها وربطناها بتلك الظروف، ثم حللناها، وقد اشتغلنا على تصنيفها طبقياً وأيديولوجياً وحتى طائفياً وقومياً، وقسمناها أحياناً إلى فكاهات مدينية وأخرى ريفية، غير متناسين ضرورة التنبه إلى أن ثمة بينها نكات نخبوية وأخرى شعبوية وما إلى ذلك... وبخاصة انطلاقاً من ردود فعل السلطات عليها ومقدار الغيظ الذي راحت تثيره لدى ستالين نفسه، وكيف أن هذا الأخير قد نظر إليها، بعدما كانت تسليه، بل تضحكه أول الأمر، بقدر كبير من الغضب".

أما بالنسبة إلى المصادر فإن المؤلفين ذكرا، أن النكات نفسها، "والتي توافر لنا منها ألوف لا شك أن تطويراً لاحقاً طاول أكثر من نصفها لتتلاءم مع أوضاع وشخصيات لاحقة سرعان مما جعلت الناس ينسون أنها إنما وجدت منطلقاتها لدى ستالين وممارساته السياسية - وربما حماقاته أيضاً - وأنها كانت تلقى شيئاً من الرضا لديه أول الأمر، قبل أن يشعر بفطرته أنها باتت أقرب لأن تشكل خطراً عليه وعلى سياساته"، تلك النكات راحت تتحول إلى سلاح سياسي بالغ الخطورة.

والمحاكم منذ أواسط سنوات الـ30 راحت تستقبل أصحاب النكات، بل حتى رواتها وليس فقط مؤلفيها، لترميهم في المنافي السيبيرية، بوصفهم من أعداء الدولة وخصوم الشعب، ويختم المعلقون ما كتبوه عن هذا المؤلف بأن سلاح النكتة ربما يكون فريداً من نوعه ليس فقط في قوته وفاعليته، بل أيضاً وخاصة بكونه السلاح الوحيد الذي لا يمكن أن يجابه بما هو من نوعه: أي لا يمكن مجابهة النكتة بالنكتة...

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة