ملخص
منذ أشهر، تقدم ملف تجنيد روسيا الأجانب، خصوصاً العرب والأفارقة، إلى الواجهة، بصورة غير مسبوقة، إذ تتعدد أساليب التجنيد وسط حديث عن استغلال قضايا أو اتهامات تلاحق الطلاب الأجانب، أو عقود وهمية من أجل قيادة هؤلاء الشباب إلى جبهات القتال.
بعد نحو خمس سنوات من بدئها الهجوم على أوكرانيا في الـ24 من فبراير (شباط) عام 2022، لجأت روسيا إلى تجنيد آلاف الشباب العرب، من أجل مواجهة النزف الحاد لجنودها على الجبهة.
وفي تحقيق أثار تفاعلاً واسعاً، نقل تلفزيون "دي دبليو" DW الألماني شهادات حية لعائلات من تونس ومصر والعراق تتحدث، للمرة الأولى، عن تفاصيل استدراج أبنائها من شركات روسية، إذ تم خداع هؤلاء بمنح دراسية وعقود توظيف وهمية، من أجل الالتحاق بالجيش الروسي.
ومنذ أشهر، تقدم ملف تجنيد روسيا الأجانب، خصوصاً العرب والأفارقة، إلى الواجهة، بصورة غير مسبوقة، إذ تتعدد أساليب التجنيد وسط حديث عن استغلال قضايا أو اتهامات تلاحق الطلاب الأجانب، أو عقود وهمية من أجل قيادة هؤلاء الشباب إلى جبهات القتال.
في إحدى الشهادات، تفيد عائلة مصرية بأن ابنها تم اعتقاله في موسكو بتهمة ترويج المخدرات، قبل أن تتم مقايضته بين السجن لسنوات أو القتال في صفوف الجيش الروسي.
استغلال الأوضاع المعيشية
على رغم الحديث عن تجنيد كثير من الشباب العرب في صفوف الجيش الروسي، إلا أن الغموض يكتنف عدد هؤلاء.
في السياق، قال الباحث الأمني العراقي اللواء جواد الدهلكي ''أول دولة عربية كان أبناؤها ضحية للتجنيد الروسي هي العراق عبر منظمات مجتمعية وأسماء وهمية، إذ تم استغلال ضعف أحوال الشباب العراقي المعيشية والصحية، أو تقديم عروض إكمال الدراسات العليا هناك، مع الترويج بتزويجهم من نساء روسيات وغير ذلك من الإغراءات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع الدهلكي "بعد قيام السلطات بالبحث والتفتيش عن الأسباب الحقيقية تم التأكد من أن هناك منظمات تستهدف الشباب وتمارس أحد أخطر أنواع الاتجار بالبشر، في مقابل منح إقامات وتوفير فرص عمل وتقديم رواتب لهم بعد نهاية الحرب، وهذه من أهم العوامل التي دفعتهم للذهاب إلى هناك''. ولفت إلى أنه "بعد التعمق بالبحث، قامت وزارة الخارجية العراقية بمطالبة الجانب الروسي بتوضيح الموضوع، وفي نهاية المطاف لم تجد إجابات كافية، لكن من خلال مصادر موثوقة، هناك مافيا حقيقية تقوم باستدراج الشباب العراقي للقتال في صفوف الجيش الروسي".
فضيحة أخلاقية
في تونس، نقل التلفزيون الألماني عن والدة شاب من جزيرة جربة قولها إن ابنها، الذي سافر للدراسة والعمل في موسكو، تعرض للتجنيد القسري بعد أن تم سجنه في روسيا.
أما موقع "نواة" الاستقصائي في تونس فقد كشف عن قضية هزت الرأي العام تتعلق بتجنيد روسيا شاباً يدعى منتصر السحباني، قبل أن يفارق الحياة في ظروف غامضة، وطالبت عائلته باستعادة جثمانه، في وقت تنتظر عائلات أخرى حقيقة اختفاء أبنائها في روسيا.
ورأى الباحث السياسي التونسي مراد علالة أنه "في غياب معطيات رسمية تؤكد أو تنفي وجود شباب تونسي وقع ضحية صورة من صور الاستغلال في روسيا، تظل الرواية الموثقة التي قدمتها إحدى العائلات التونسية في الفضاء الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي المصدر الرئيس الذي يخرج هذه القضية للعلن، ويفجر قنبلة ترتقي إلى جريمة دولة وجريمة ضد الإنسانية، وهي بكل المقاييس فضيحة أخلاقية"، وبين علالة في تصريح خاص أنه "سواء كان التجنيد طوعياً، أي بموافقة الطالب الشاب الذي ترغمه ظروفه المادية على قبول مثل هذه المنح والهدايا الملغومة، أو تم إجباره قسراً ومقايضته بحريته ودراسته، فإن الأمر سيان ولا يجوز تحويل وجهة شاب يافع تحمل عناء الهجرة لتحصيل العلم وتعريض حياته للخطر، علاوة على حشر دولته في الحرب العبثية الدائرة منذ سنوات بين أوكرانيا وروسيا"، وأفاد بأن "تونس لا تزال عالقة في وحل ملف التسفير إلى ما سمي ببؤر التوتر، ولا يزال عدد كبير من الشباب ومن أفراد عائلاتهم عالقين في سوريا وليبيا بالخصوص"، ولفت إلى أنه من حيث العدد فإن "بعض المصادر يفيد بأن التونسيين الذين التحقوا بالإرهابيين في المشرق يعدون بالآلاف، في حين أن الحالات المرصودة إلى حد الآن في روسيا محدودة نسبياً".
أضاف "في مواجهة هذه المعضلة تبقى الدعوة إلى إيقاف الحرب ملحة بطبيعة الحال، وهي مرتبطة بالأطراف المتحاربة والقوى الداعمة لها"، في حين تبقى مسؤولية تونس والدول التي تشبهها كبيرة أيضاً، "فهي مطالبة بالحذر في التعاطي مع هذه الحرب، والسهر على حماية مواطنيها الراغبين منهم في السفر إلى مناطق النزاعات والحروب، أو الذين حضروا هناك بالقوة للعمل أو الدراسة".
ظاهرة تتسع
في وقت تتصاعد فيه الاتهامات لروسيا باستقطاب شباب عرب ومن أفريقيا وآسيا، فإن الكرملين لا يعلق على ذلك، مما يزيد من تعقيد هذا الملف الذي خرج إلى دوائر القضاء والتحقيقات الرسمية في عدد من الدول مثل كينيا.
ورأى الباحث السياسي حسين الديك أنه "في ظل الحرب المشتعلة بين أوكرانيا وروسيا، وفي ظل الاستنزاف الكبير للجيش الروسي والخسائر التي تكبدتها موسكو، لجأت روسيا بالفعل إلى المرتزقة خصوصاً من دول فقيرة مثل كوريا الشمالية، قبل الاستعانة بشباب عرب منهم سوريون وعراقيون ومصريون وتونسيون أيضاً"، وحذر الديك من أن "هذه الظاهرة تتسع، إذ إن هناك عدداً من الشباب الحالمين الذين يطمحون للوصول إلى الدول الأوروبية، من أجل البحث عن وظائف ومنح دراسية وغير ذلك، وهو أمر تحاول موسكو استغلاله من خلال تقديم إغراءات مالية وتوفير السكن والزواج من روسيات وغير ذلك"، وأشار إلى أن "هذه الظاهرة منتشرة وليست حالات فردية ترتبط بأشخاص محددين في الدول العربية، لا سيما في ظل التردي الاقتصادي في دول مثل تونس وسوريا والعراق وليبيا".