ملخص
التقييم العام للوضع العراقي في مطلع نوفمبر 1996 يشير إلى أن الاقتصاد العراقي حافظ على قدر من الاستقرار، إلا أن الحكومة العراقية قد تواجه صعوبة في توفير الغذاء للسكان خلال فصل الشتاء إذا لم يبدأ تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 986، مشيرة إلى أن وزير المالية العراقي اعترف، في مقابلة صحافية، باستمرار عمليات خرق العقوبات الدولية للحصول على العملات الصعبة، في حين افتتح معرض بغداد الدولي وسط مساعٍ عراقية لإظهار عودة النشاط الاقتصادي.
عام 1996، وبعد أشهر من سيطرة القوات العراقية على أربيل، وفي ظل استمرار الجدل حول تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 986 الخاص ببرنامج "النفط مقابل الغذاء"، كان العراق يتحرك في اتجاه إنهاء نظام العقوبات الدولية، وسط أوضاع سياسية واقتصادية ودبلوماسية مضطربة.
وتكشف وثائق بريطانية تحت عنوان: "العراق: تقرير الموقف 11 نوفمبر 1996"، أعدتها السفارة البريطانية في عمان بتاريخ الـ11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1996 إلى وزارة الخارجية البريطانية مع نسخ إلى عدد من البعثات البريطانية في الشرق الأوسط وأوروبا ومجلس الأمن، عن تقييم بريطاني شامل للأوضاع العراقية. مستعرضة رؤية الدبلوماسية البريطانية للتطورات في شمال العراق، ومواقف القوى الدولية والإقليمية من بغداد وعقوباته، فضلاً عن قراءة بريطانية للتوازنات الداخلية في النظام العراقي.
صدام يدعو إلى التقشف
أكدت الوثيقة البريطانية أن التقييم العام للوضع العراقي في مطلع نوفمبر 1996 يشير إلى أن الاقتصاد العراقي حافظ على قدر من الاستقرار، إلا أن الحكومة العراقية قد تواجه صعوبة في توفير الغذاء للسكان خلال فصل الشتاء إذا لم يبدأ تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 986، مشيرة إلى أن وزير المالية العراقي اعترف، في مقابلة صحافية، باستمرار عمليات خرق العقوبات الدولية للحصول على العملات الصعبة، في حين افتتح معرض بغداد الدولي وسط مساعٍ عراقية لإظهار عودة النشاط الاقتصادي.
وأضافت الوثيقة أن بغداد واصلت حملتها السياسية ضد اتفاق أنقرة الخاص بشمال العراق، بينما لقي خطاب وزير الخارجية البريطاني في أبوظبي في شأن مستقبل العراق بعد صدام حسين ترحيباً واسعاً بين العراقيين العاديين، في وقت استمرت فيه بغداد في حملتها الدبلوماسية الهادفة إلى فرض تنفيذ القرار 986، على رغم أن هدفها الحقيقي، بحسب التقييم البريطاني، ظل يتمثل في انهيار نظام العقوبات الدولية بالكامل. وسجلت الوثيقة تطورات في العلاقات الخارجية للعراق، من بينها تعيين فرنسا مستشاراً تجارياً في بغداد، وافتتاح إيطاليا قسم رعاية مصالح فيها.
وكشفت الوثيقة أن الرئيس صدام حسين واصل، قبيل إعداد الموازنة العامة، الدعوة إلى اتباع سياسة تقشف اقتصادي صارمة، مؤكداً خلال اجتماع لمجلس الوزراء في الـ23 من أكتوبر (تشرين الأول) أن الأوضاع تحسنت منذ الإجراءات الاقتصادية التي أعلنها في ديسمبر (كانون الأول) 1995. معتبراً أن تحسن سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار، بعد ارتفاعه من نحو 3 آلاف دينار للدولار إلى نحو 400 دينار، ثم تراجعه التدريجي، يعكس ما وصفه بـ"القوة المعنوية للدولة العراقية". وشدد على ضرورة خفض الإنفاق الحكومي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ومنع ازدواجية دور الدولة والقطاع الخاص، ومكافحة الفساد، في حين لاحظت البعثة البريطانية أن الحكومة لم تكشف أي تفاصيل عن مشروع الموازنة الجديدة.
وأشارت الوثيقة إلى أن القضية الاقتصادية الأكثر حساسية تمثلت في قدرة العراق على مواصلة تمويل الواردات الأساسية، لا سيما المواد الغذائية اللازمة لنظام البطاقة التموينية. وأوضحت البعثة البريطانية أنها لا تمتلك معلومات موثوقة عن حجم احتياطات العراق من العملات الأجنبية أو مخزونات السلع الاستراتيجية، مثل القمح والرز والسكر، لكنها أكدت أن محصول القمح لعام 1996 انخفض 30 في المئة مقارنة بعام 1995.
وكشفت عن أن صفقة ضخمة لاستيراد 100 ألف طن من القمح الأسترالي شهرياً واجهت خطر الانهيار بسبب الخلافات المتعلقة بترتيبات التمويل، بعدما رفض مجلس القمح الأسترالي منح العراق التسهيلات الائتمانية المطلوبة. وعلى رغم أن الوثيقة رأت أن صورة الشتاء المقبل تبدو قاتمة في حال استمرار تعطيل القرار 986، فإنها أشارت إلى أن العراق تمكن في السابق من تجاوز أزمات مشابهة.
صادرات نفطية غير قانونية
وذكرت الوثيقة أن وزير المالية العراقي حكمت العزاوي أدلى بمقابلة وصفتها بأنها "صريحة" مع صحيفة "فاينانشيال تايمز"، اعترف خلالها بأن العراق يحصل على العملات الصعبة من خلال صادرات نفطية غير قانونية، ومن أصول عراقية جرى الإفراج عنها في الخارج، إضافة إلى تحويلات العراقيين المقيمين خارج البلاد. واعتبرت السفارة البريطانية أن هذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها مسؤول عراقي رسمياً بوجود خرق للعقوبات الدولية.
ونقلت الوثيقة عن العزاوي قوله إن الاقتصاد العراقي أصبح مستقراً، وإن الحكومة تعتبر تنفيذ القرار 986 أولوية رئيسة، نافياً الاتهامات التي تحدثت عن رفض بغداد تطبيق القرار، مؤكداً أن سعر صرف الدينار قابل للاستمرار، وأن البنك المركزي يمتلك "بعض" الاحتياطات من النقد الأجنبي.
وتبين من الوثيقة أن رفع الحصار عن شمال العراق أوجد عاملاً اقتصادياً جديداً، إذ أوضحت أن الحكومة العراقية لم تزود الإقليم، بحسب علم السفارة البريطانية، إلا بالمشتقات النفطية، ولم تحاول توسيع نظام البطاقة التموينية ليشمل المناطق الكردية. وفي المقابل، اندفع المواطنون الأكراد إلى بغداد لشراء مختلف السلع، وهو ما وفر دفعة ملموسة للقطاع الخاص العراقي.
وأشارت الوثيقة إلى أن الجمعية الوطنية العراقية ناقشت أواخر أغسطس (آب) مشروع قانون يهدف إلى تقنين تصدير 51 سلعة والسماح باستيراد المواد الأولية اللازمة للصناعة، على رغم أن هذه الأنشطة كانت محظورة بموجب العقوبات الدولية. وأضافت أن معرض بغداد الدولي افتتح أبوابه في الأول من نوفمبر بمشاركة 45 شركة من 16 دولة، وأن شركة ماسي فيرغسون البريطانية كانت الشركة البريطانية الوحيدة المشاركة، بحسب المعلومات المتوافرة لدى السفارة.
بغداد تهاجم اتفاق أنقرة
وكشفت الوثيقة البريطانية أن اهتمام بغداد لم يقتصر على إدارة الأزمة الاقتصادية، بل امتد إلى التطورات السياسية في شمال العراق، إذ تابعت القيادة العراقية باستياء بالغ توقيع اتفاق أنقرة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) في الـ31 من أكتوبر 1996. وأشارت الوثيقة إلى أن وسائل الإعلام العراقية شنت حملة واسعة ضد الاتفاق، ونقلت عن صحيفة "الجمهورية" قولها إن "الأشهر المقبلة ستشهد تطورات في العلاقات بين الدولة العراقية وأكرادها". معتبرة أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الكردية ليس سوى "إجراء موقت"، وأن الولايات المتحدة "لا تستخدم الورقة الكردية إلا لخدمة أهدافها العدائية ضد بغداد"، داعية الأكراد إلى عدم إضاعة الوقت وإقامة علاقات أكثر رسوخاً ضمن إطار الدولة العراقية.
وأضافت الوثيقة أن وزير المالية العراقي حكمت العزاوي أبلغ صحيفة "فاينانشيال تايمز" أن شمال العراق لا يمثل أولوية بالنسبة إلى الحكومة العراقية في تلك المرحلة، وهو ما اعتبرت السفارة البريطانية أنه قد يكون صحيحاً في الظاهر، لكنها رجحت في الوقت نفسه استمرار الاتصالات بين بغداد والحزب الديمقراطي الكردستاني. ورأت أنه ليس من المستبعد أن تكون الحكومة العراقية تحاول أيضاً ممارسة ضغوط على الاتحاد الوطني الكردستاني، على رغم غياب أدلة قاطعة على ذلك.
وأكدت الوثيقة أن خطاب وزير الخارجية البريطاني في أبوظبي، الذي عرض فيه رؤية بريطانية لمستقبل العراق بعد صدام حسين، لقي ترحيباً واسعاً بين العراقيين الذين كانوا على اتصال بالبعثة البريطانية في عمان، إذ نقلت عنهم قولهم إن هذه هي الكلمات التي كان العراقيون ينتظرون سماعها من الغرب منذ أعوام.
وفي المقابل، أوضحت الوثيقة أن وسائل الإعلام العراقية الرسمية شنت هجوماً حاداً على الخطاب، كذلك انتقدت تصريحات وزير الدفاع البريطاني مايكل بورتيلو في شأن العراق وشمال العراق خلال زيارته سلطنة عمان، مصورة السياسة البريطانية على أنها تابعة بالكامل للولايات المتحدة، ومعتبرة أن واشنطن استحوذت على النصيب الأكبر من سوق التسلح في الخليج.
بينما لمحت صحيفة عراقية إلى أن على بورتيلو أن "يتذكر أن رجال الأعمال البريطانيين يزورون بغداد باستمرار"، وهي عبارة تساءلت السفارة البريطانية عما إذا كانت تمثل تهديداً مبطناً أم دعوة لاستئناف العلاقات التجارية بين البلدين. وأشارت الوثيقة إلى أن تشديد نظام منح التأشيرات البريطانية، لا سيما إخضاع جميع النساء العراقيات بين 18 و65 سنة لإجراءات إحالة إلزامية، تسبب في متاعب كبيرة من دون تحقيق فوائد ملموسة.
وتبين من الوثيقة أن بغداد كثفت في الوقت نفسه تحركاتها الدبلوماسية الهادفة إلى كسر نظام العقوبات الدولية، فقد غادر طارق عزيز إلى موسكو في التاسع من من نوفمبر، معلناً أن هدف الزيارة هو الدفع نحو تنفيذ قرار مجلس الأمن 986، مع الإشارة إلى أن مسؤولين عراقيين آخرين سيزورون قريباً عدداً من العواصم الأوروبية والدولية للغرض نفسه.
غير أن البعثة البريطانية رأت أن الحكومة العراقية لم تكن في الواقع راغبة في تنفيذ القرار بالشروط التي تقبلها لندن وواشنطن، مهما أكد وزير المالية العراقي خلاف ذلك، محذرة في الوقت نفسه من أن الحملة الدعائية العراقية، التي حملت الولايات المتحدة مسؤولية تعطيل تنفيذ القرار، قد تكسب بغداد قدراً متزايداً من التعاطف الدولي.
تغييرات سياسية وإدارية
وذكرت الوثيقة أن الهدف الحقيقي للنظام العراقي لم يكن تنفيذ القرار 986، إنما الوصول إلى الرفع الكامل للعقوبات بموجب الفقرة 22 من قرار مجلس الأمن 687. واستشهدت في هذا السياق بتصريحات نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان خلال افتتاح معرض بغداد الدولي، التي قال فيها: "على رغم التعاون الكامل الذي يقدمه العراق مع لجنة الأمم المتحدة الخاصة (UNSCOM) وتنفيذه قرارات مجلس الأمن، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا تواصلان محاولاتهما للإبقاء على الحصار".
إلا أن السفارة البريطانية رأت أن النظام العراقي لم يكن يسعى في الحقيقة إلى الامتثال الكامل للقرار 687، لأنه كان يعتقد أن الولايات المتحدة لن توافق على رفع العقوبات حتى لو تحقق ذلك. ومن ثم، خلصت الوثيقة إلى أن بغداد اعتمدت استراتيجية مختلفة تقوم على ممارسة ضغوط دبلوماسية وتجارية، لتفكيك التحالف الدولي المؤيد العقوبات، حتى ينهار نظام العقوبات تدريجاً.
وأضافت أن الاقتصاد العراقي أصبح يعمل بالقدر الكافي لاستمرار النظام، مع ظهور طبقة جديدة من الأثرياء المستفيدين من الأوضاع القائمة، في حين لم يعد النظام يكترث لمعاناة الفقراء أو خطر المجاعة. ورأت أن وزير المالية حكمت العزاوي بدا واثقاً من قدرته على إبقاء النظام المالي العراقي مستقراً، وأن الوضع القائم يمكن أن يستمر إلى أجل غير محدد.
وأشارت الوثيقة إلى أن النظام العراقي أجرى في الداخل عدداً من التغييرات السياسية والإدارية، إذ أعلن في الـ10 من أكتوبر تعيين حميد يوسف حمادي وزيراً للإعلام والثقافة خلفاً لعبدالغني عبدالغفور. وأوضحت السفارة البريطانية أن حمادي كان قد شغل المنصب نفسه حتى يناير من العام ذاته، وأنه يتميز بطلاقة في اللغة الإنجليزية ويعد من المقربين القلائل إلى صدام حسين، في حين انتقل سلفه إلى منصب الأمين العام للجبهة الوطنية التقدمية.
وذكرت الوثيقة أن عدي صدام حسين أعيد انتخابه في الـ12 من أكتوبر رئيساً للجنة الأولمبية العراقية لولاية جديدة مدتها أربعة أعوام. وأضافت أنه في الـ15 من أكتوبر جرى "انتخاب" أعضاء جدد في القيادة القطرية لحزب البعث، من بينهم عادل عبدالله إبراهيم الدوري ولطيف نصيف جاسم، ونقلت عن مصادرها أن الدوري كان معلماً سابقاً وقيادياً حزبياً قديماً، بينما عرف جاسم بمواقفه المتشددة عندما كان وزيراً للإعلام خلال حرب الخليج.
وكشفت الوثيقة أن فرنسا واصلت تعزيز حضورها في بغداد بتعيين مستشار تجاري في قسم رعاية المصالح، بينما رحبت الصحافة العراقية بجولة الرئيس جاك شيراك في الشرق الأوسط، باستثناء صحيفة "بابل" التي يملكها عدي صدام حسين، التي اتهمته بعدم الذهاب بعيداً بما يكفي في مواقفه المؤيدة للعراق، وانتقدت استمرار مشاركة فرنسا في مناطق حظر الطيران، مطالبة باريس بتوضيح القرارات الدولية التي ترى أن العراق لا يزال غير ملتزم بها.
وأشارت الوثيقة إلى زيارة وفد برلماني فرنسي برئاسة ميشيل غريمار إلى بغداد، وإلى انتشار إشاعات عن توقيع الحكومة العراقية اتفاقاً مع شركتي "أي آي أف" و"توتال" الفرنسيتين لتطوير حقلي نهر عمر ومجنون النفطيين بعد ثلاثة أعوام من المفاوضات.
وأضافت الوثيقة أن روسيا والعراق بحثتا في الخامس من نوفمبر إنشاء شركة مشتركة للتنقيب عن النفط، بينما افتتحت إيطاليا في الأول من نوفمبر قسم رعاية مصالح في بغداد برئاسة المستشار تشيزاري راغاليني، وزار ممثل شركة أي جي آي بي الإيطالية بغداد لبحث عقود طويلة الأجل لتطوير الحقول النفطية. وعلى الصعيد الأردني، أكدت الوثيقة أن بروتوكول التجارة بين الأردن والعراق سيستمر خلال عام 1997 بقيمة 220 مليون دولار أميركي، موزعة بين 150 مليون دولار للسلع و70 مليون دولار للخدمات، مع دراسة طلب عراقي لزيادة قيمة بروتوكول عام 1996 بمقدار 45 مليون دولار.
ونقلت عن مدير مؤسسة الموانئ الأردنية تأكيده أن العراق وعد بمنح ميناء العقبة "أولوية مطلقة" عند تنفيذ القرار 986، وهو وعد شككت السفارة البريطانية في إمكان تنفيذه، على رغم حاجة الأردن الماسة إلى استمرار النشاط التجاري مع العراق. كذلك تناولت الوثيقة زيارة نائب الرئيس العراقي طه محيي الدين معروف إلى الأردن قبل توجهه إلى مؤتمر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في روما، ووصفت دوره داخل النظام بأنه رمزي باعتباره الشخصية الكردية التي يحتفظ بها النظام في منصب رفيع.
واختتمت الوثيقة بالإشارة إلى أن وفداً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القيادة العامة، برئاسة نائب الأمين العام أبو علي مصطفى، زار بغداد في الخامس من من نوفمبر، وأن طارق عزيز طلب من الوفد التوسط لدى سوريا. وكشفت عن مفاوضات بين العراق وشركة رومبيترول الرومانية لتنفيذ مشروع بقيمة 26.5 مليون دولار أميركي لحفر 48 بئراً نفطية خلال عامين، على أن يكون السداد بالنفط الخام بعد رفع العقوبات، وذلك عقب موافقة الجمعية الوطنية العراقية على منح وزارة النفط صلاحية توقيع الاتفاق.