Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"النفط مقابل الغذاء" فجر صراع الصلاحيات الأوروبي

برقية دبلوماسية في 1996 تكشف رفض لندن وباريس تحوّل المفوضية الأوروبية إلى مركز موحد لإدارة معلومات تنفيذ القرار الأممي 986 الخاص بالقرار

وثيقة دبلوماسية تبين أن بريطانيا لم تكن مؤيدة لبعض أدوار الاتحاد الأوروبي في العقوبات الدولية على العراق (اندبندنت عربية) 

ملخص

في الـ12 من ديسمبر 1996، أرسلت البعثة البريطانية الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك برقية إلى وزارة الخارجية في لندن تكشف أن تنفيذ قرار مجلس الأمن 986 الخاص ببرنامج "النفط مقابل الغذاء" تحول إلى ساحة صراع على الصلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. فما الذي أشعل ذلك السجال، وما هي مواطن الخلاف؟

تكشف برقية دبلوماسية بريطانية أرسلتها البعثة الدائمة للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك إلى وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 12 ديسمبر (كانون الأول) 1996 عن جانب غير معروف من الخلافات التي كانت تدور داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 986 الخاص ببرنامج "النفط مقابل الغذاء".

وتوضح الوثيقة أن الجدل لم يكن يقتصر على كيفية تطبيق القرار أو إدارة صادرات العراق النفطية، بل امتد إلى صراع مؤسساتي داخل الاتحاد الأوروبي نفسه حول الجهة التي ينبغي أن تتولى إدارة المعلومات والإشراف العملي على تنفيذ العقوبات، وما إذا كان هذا الدور سيظل بيد الحكومات الوطنية أم سينتقل تدريجياً إلى المفوضية الأوروبية.

وجاءت البرقية في وقت كانت بريطانيا تتابع عن كثب التطورات المتعلقة بالعراق داخل مجلس الأمن، وأرسلتها إلى وزارة الخارجية في لندن مع نسخ عاجلة إلى بعثاتها لدى مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، وإلى عدد من الوزارات والهيئات البريطانية المعنية، من بينها وزارة التجارة والصناعة، وهيئة الجمارك، ووزارة الخزانة، وبنك إنجلترا.

اجتماع نيويورك

وتذكر الوثيقة أن الاجتماع الذي عقد في 10 ديسمبر 1996 جمع ممثلي الدول الست الحالية والمستقبلية الأعضاء في لجنة العقوبات الخاصة بالعراق مع مسؤول المديرية العامة الأولى في المفوضية الأوروبية دي فريس، وذلك بعد ساعات من اعتماد مجلس الاتحاد الأوروبي اللائحة الجديدة الخاصة بتنفيذ العقوبات على العراق.

وأوضحت البرقية أن دي فريس استهل الاجتماع بالتأكيد أن اللائحة الأوروبية الجديدة أوجدت للمفوضية التزاماً قانونياً واضحاً بالقيام بدور مركزي في تنسيق المعلومات الخاصة بتنفيذ القرار 986، مستنداً إلى المادتين 6 و7 من اللائحة، حيث تنظم المادة السادسة نشر المعلومات الرسمية التي تصدرها المفوضية، بينما تمنح المادة السابعة المفوضية صلاحية جمع المعلومات ذات الصلة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأضافت الوثيقة أن دي فريس لم يكتف بعرض التفسير القانوني للائحة، بل أعلن أن المفوضية الأوروبية اتخذت بالفعل قراراً بتعزيز بعثتها في نيويورك، وأن دنبافاند، مسؤول الاتصال بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، سيبقى في نيويورك لمدة ستة أشهر للقيام بمهمة التنسيق الجديدة. كما أوضح أن هذا المسؤول سيعمل من داخل مكتب المفوضية الأوروبية، وليس من داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة، في إشارة رأت فيها البعثة البريطانية دليلاً على رغبة المفوضية في إنشاء قناة مستقلة للحصول على المعلومات، بعيداً من الهياكل التقليدية المعتمدة داخل الأمم المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

معركة المعلومة   

وأشارت الوثيقة إلى أن دي فريس وصف المشكلة الأساسية التي تواجه المفوضية بأنها لا تتعلق بنقص الصلاحيات، وإنما بسرعة الحصول على المعلومات. فمن وجهة نظره، ستكون المفوضية قادرة على الوصول إلى الوثائق الرسمية للجنة العقوبات، كذلك سيتمكن ممثلها في نيويورك من حضور الإحاطات التي يعقدها رئيس اللجنة عقب الاجتماعات الرسمية، إلا أن هذه المصادر لن تكون كافية، لأن أهم المعلومات ــ في رأيه ــ هي تلك المتعلقة بالحالات الفردية التي تنظر فيها لجنة العقوبات، والتي تكشف كيفية تطبيق القرار عملياً، وتساعد الشركات الأوروبية على تجنب العقبات الإدارية والإجرائية التي قد تواجهها أثناء التصدير إلى العراق. ولهذا سعى إلى معرفة الطريقة التي ستنظم بها بعثات الاتحاد الأوروبي في نيويورك عملية تبادل هذه المعلومات مع المفوضية الأوروبية، حتى تتمكن الأخيرة من تقديم الإرشادات المناسبة للشركات الأوروبية.

وأكدت الوثيقة أن هذا الطرح لم يحظ بقبول واسع داخل الاجتماع، إذ أبدت غالبية الوفود الأوروبية، باستثناء البرتغال التي غادرت قبل انتهاء المناقشات، شكوكاً واضحة بشأن الحاجة إلى هذا الدور الموسع للمفوضية. ورأت تلك الوفود أن الشركات الأوروبية ستستمر، بطبيعة الحال، في مراجعة سلطاتها الوطنية للحصول على التعليمات الخاصة بالتصدير إلى العراق، لأن هذه السلطات هي التي تتعامل معها الشركات في جميع الإجراءات الداخلية المتعلقة بالتجارة الخارجية. غير أن دي فريس رد بأن اللائحة الأوروبية الجديدة غيرت هذا الواقع، مؤكداً أن تراخيص التصدير الوطنية لم تعد مطلوبة بالنسبة إلى معظم السلع، باستثناء الأدوية، وأن المادة الثانية من اللائحة تسمح للشركات الأوروبية بتصدير البضائع إلى العراق بمجرد موافقة لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، أو بمجرد الإخطار في حالة المواد الغذائية.

وتابعت الوثيقة أن دي فريس ذهب إلى أبعد من ذلك عندما اقترح أن تتمكن أي شركة أوروبية من تقديم طلباتها إلى لجنة العقوبات عن طريق أي بعثة دائمة لدولة عضو لدى الأمم المتحدة، بصرف النظر عن الدولة التي تنتمي إليها الشركة. إلا أن الوفد البريطاني رفض هذا التفسير بصورة واضحة، مؤكداً أن إجراءات لجنة العقوبات، وكذلك استمارات الطلب الرسمية، تنص صراحة على أن الطلب يجب أن يقدم باسم الدولة المصدرة، وليس عبر أي بعثة أوروبية يختارها مقدم الطلب. وعندما أصر دي فريس على أن هذا التفسير يتعارض مع اللائحة الأوروبية الجديدة، رد الوفد البريطاني بأن الأمم المتحدة ليست ملزمة بتكييف إجراءاتها مع القواعد التنظيمية الداخلية للاتحاد الأوروبي، وأن قراراتها تستند إلى لوائحها الخاصة وليس إلى التشريعات الأوروبية.

تباين جوهري

وتبين من الوثيقة أن هذا النقاش كشف منذ مراحله الأولى عن وجود تباين جوهري بين رؤية المفوضية الأوروبية ورؤية الحكومات الوطنية، إذ كانت المفوضية تنظر إلى اللائحة الجديدة باعتبارها تفويضاً يسمح لها بالتحول إلى مركز أوروبي موحد لإدارة المعلومات المتعلقة بالعقوبات على العراق، بينما كانت لندن ترى أن اللائحة لا تمنح المفوضية مثل هذا الدور، وأن تنفيذ القرار 986 يجب أن يظل مسؤولية الحكومات الوطنية بالتنسيق مع الأمم المتحدة، لا أن ينتقل تدريجياً إلى جهاز إداري تابع للمفوضية الأوروبية. ومن هنا، اعتبرت البعثة البريطانية أن ما يجري لم يكن مجرد نقاش قانوني حول تفسير بعض المواد، بل كان بداية محاولة لإعادة توزيع الصلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي في أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية الأوروبية خلال تلك المرحلة.

وكشفت الوثيقة البريطانية أن الخلاف بين الوفود الأوروبية وممثلي المفوضية لم يتوقف عند حدود تفسير النصوص القانونية، بل امتد إلى طبيعة العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وإلى الجهة التي ينبغي أن تكون صاحبة الاختصاص في التعامل اليومي مع آليات تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 986. فقد اقترح دي فريس أن تتمكن الشركات الأوروبية من تقديم طلبات التصدير إلى العراق من خلال أي بعثة دائمة لدولة عضو لدى الأمم المتحدة، باعتبار أن اللائحة الأوروبية الجديدة أنشأت إطاراً قانونياً موحداً داخل الاتحاد الأوروبي.

ورفض الوفد البريطاني هذا التفسير بصورة قاطعة، مؤكداً أن الأمانة العامة للأمم المتحدة لن تقبل مثل هذه الطلبات، لأن الإجراءات المعمول بها داخل لجنة العقوبات، وكذلك استمارات الطلب الرسمية، تنص بوضوح على أن الطلب يجب أن يقدم من الدولة المصدرة نفسها، وليس عن طريق أي بعثة أوروبية أخرى. وعندما علق دي فريس بأن هذا الإجراء لا يتفق مع أحكام اللائحة الأوروبية، رد الجانب البريطاني بأن الأمم المتحدة غير ملزمة بتطبيق القواعد التنظيمية الداخلية للاتحاد الأوروبي، وأن قراراتها تستند إلى الإجراءات التي أقرتها لجنة العقوبات وليس إلى التشريعات الأوروبية. ومن خلال هذا النقاش، رأت البعثة البريطانية أن المفوضية تحاول تفسير اللائحة الأوروبية بطريقة توسع عملياً من صلاحياتها خارج الإطار الذي أقرته الأمم المتحدة.

 

الموقف الفرنسي

وأشارت الوثيقة إلى أن الموقف الفرنسي لم يكن بعيداً من التحفظات البريطانية، إذ اقترح الوفد الفرنسي أن يُترك لممثل المفوضية الأوروبية في نيويورك، دنبافاند، خلال فترة بقائه المقررة لستة أشهر، تحديد نوعية المعلومات التي يحتاج إليها من بعثات الاتحاد الأوروبي المشاركة في لجنة العقوبات. غير أن الدبلوماسيين الفرنسيين أوضحوا لنظرائهم البريطانيين، بعد انتهاء الاجتماع، أنهم ما زالوا غير مقتنعين بجدوى وجود ممثل دائم للمفوضية الأوروبية في نيويورك، وأنهم سيحتاجون خلال الأشهر الستة التالية إلى أدلة عملية تثبت ضرورة هذا الترتيب قبل أن يغيروا موقفهم. وقد رأت البعثة البريطانية في هذا الموقف مؤشراً على أن باريس، شأنها شأن لندن، كانت تنظر بحذر إلى أي محاولة قد تؤدي إلى نقل صلاحيات الحكومات الوطنية إلى المفوضية الأوروبية في ملف شديد الحساسية مثل العقوبات على العراق.

وأكدت الوثيقة أن البعثة البريطانية خلصت، في تعليقها الرسمي المرفق بالبرقية، إلى أنها ما زالت غير قادرة على تحديد الدور الحقيقي الذي تعتزم المفوضية الأوروبية القيام به في إطار تنفيذ القرار 986. وأوضحت أن من غير المرجح، من وجهة نظرها، أن تلجأ الشركات البريطانية بصورة طبيعية إلى المفوضية الأوروبية للحصول على المشورة الخاصة بالتصدير إلى العراق، لأن هذه الشركات اعتادت التعامل مع السلطات البريطانية المختصة، وهي الجهة التي تمتلك الخبرة والإجراءات التنفيذية المتعلقة بمنح التراخيص ومتابعة الالتزامات القانونية. ولذلك رأت لندن أن الحديث عن تحول المفوضية إلى مركز أوروبي رئيسي لتقديم الإرشادات للشركات لا ينسجم مع الواقع العملي لتطبيق العقوبات.

وأضافت الوثيقة أن القلق البريطاني ازداد بسبب الطريقة التي فسر بها دي فريس المادة الثانية من اللائحة الأوروبية، إذ أشار إلى أن تراخيص التصدير الوطنية لم تعد مطلوبة، باستثناء الأدوية. غير أن البعثة البريطانية ذكرت أن المذكرة الإرشادية التي أعدتها وزارة التجارة والصناعة البريطانية (DTI) في أغسطس (آب) 1996 أكدت بصورة صريحة أن أي صادرات تتم بموجب القرار 986 تظل خاضعة لشرطين متلازمين، أولهما الحصول على ترخيص تصدير وطني، وثانيهما الحصول على موافقة الأمم المتحدة. وأعربت البعثة عن اعتقادها بأن اعتماد اللائحة الأوروبية الجديدة لا يغير هذا المبدأ، مستندة في ذلك إلى أن المادة 7/1 من اللائحة نفسها تلزم الدول الأعضاء باتخاذ جميع التدابير الوطنية اللازمة لتنفيذ أحكامها، وهو ما رأت فيه دليلاً على استمرار دور السلطات الوطنية وعدم انتقال اختصاصاتها إلى المفوضية الأوروبية.

مخاوف لندن

وأشارت الوثيقة إلى أن المخاوف البريطانية لم تقتصر على الجوانب القانونية، بل امتدت أيضاً إلى مسألة سرية أعمال لجنة العقوبات. فقد اعتبر دي فريس أن جميع المعلومات المتعلقة بتطبيق القرار 986 تدخل ضمن المعلومات "ذات الصلة" التي يحق للمفوضية الأوروبية الحصول عليها بموجب المادة السابعة من اللائحة. إلا أن البعثة البريطانية رأت أن هذا التفسير يمثل توسعاً غير مبرر، لأنه قد يشمل حتى المعلومات المتعلقة بكيفية توصل لجنة العقوبات إلى قراراتها الداخلية، وهي معلومات تخضع بطبيعتها لمبدأ السرية بين أعضاء اللجنة. وأوضحت أن نقل مثل هذه التفاصيل إلى المفوضية الأوروبية لن يؤثر على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحدها، بل سيمس أيضاً مصالح بقية أعضاء لجنة العقوبات من خارج الاتحاد، وهو ما يجعل هذا المقترح يتجاوز بكثير فكرة تبادل المعلومات بين الحكومات الأوروبية. ولهذا أكدت البعثة البريطانية أنها لا ترى أي إمكانية لتقديم هذا المستوى من التفاصيل أو القبول بتداولها خارج الإطار الذي تعمل فيه لجنة العقوبات.

واتضح من الوثيقة أن الدبلوماسيين البريطانيين خلصوا إلى أن المفوضية الأوروبية تحاول، مستندة إلى اللائحة الجديدة، أن تتولى تدريجياً الدور الذي كانت تقوم به السلطات الوطنية في إدارة ملف العقوبات على العراق. فقد رأت لندن أن تفسير دي فريس لأحكام اللائحة، سواء في ما يتعلق بتراخيص التصدير أو بتبادل المعلومات أو بآليات التواصل مع الشركات الأوروبية، يشير إلى محاولة واضحة لإعادة توزيع الاختصاصات داخل الاتحاد الأوروبي على حساب الحكومات الوطنية. كذلك لاحظت أن دي فريس كان يستعد لتقديم إحاطة إلى سفراء دول الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم الأسبوعي المقرر عقده في 13 ديسمبر1996، ورجحت أن تلقى أفكاره قبولاً لدى بعض الدول الأوروبية الصغيرة التي كانت بعثاتها الدبلوماسية تعاني محدودية الموارد والإمكانات، وقد ترى في تدخل المفوضية الأوروبية وسيلة لتخفيف الأعباء الإدارية عنها، من دون أن تكون مدركة بالكامل للخلفية السياسية والقانونية لهذا الخلاف. ولهذا رأت البعثة البريطانية أن من الضروري إطلاع هذه الدول مسبقاً على الموقف البريطاني حتى لا يتحول النقاش إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه لاحقاً.

واختتمت الوثيقة بطلب رسمي وجهته البعثة البريطانية إلى وزارة الخارجية في لندن للحصول على تعليمات عاجلة بشأن القضايا التي أثارتها خلال الاجتماع، وبصورة خاصة حول مدى توافق التفسير البريطاني للمواد 2 و6 و7 من اللائحة الأوروبية مع التفسير الذي تبنته المفوضية الأوروبية. كذلك طلبت تلقي الرد قبل الساعة 12.00 بتوقيت غرينتش يوم 13 ديسمبر 1996، بما يسمح للبعثة البريطانية بتحديد موقفها خلال المناقشات الأوروبية اللاحقة. وانتهت البرقية بتوقيع السفير البريطاني ويستون، لتقدم صورة واضحة عن أن الخلاف لم يكن يدور حول العراق وحده، بل حول حدود النفوذ المؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي، ومن يملك سلطة إدارة واحد من أكثر أنظمة العقوبات الدولية تعقيداً خلال تسعينيات القرن العشرين.

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق