Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قانون داماتو: حينما اصطفت أوروبا مع إيران ضد أميركا في التسعينيات

فرضت واشنطن عقوبات على الاستثمارات بقطاعي النفط والغاز في طهران وطرابلس لكن لندن حذرت من استخدام الإجراءات التجارية لتحقيق أهداف سياسية وباريس تقترح الرد بالعقوبات أيضاً

فجّرت العقوبات الأميركية على إيران وليبيا خلافاً بين واشنطن والاتحاد الأوروبي لم يكن محسوباً (اندبندنت عربية)

ملخص

في صيف عام 1996، وجدت الحكومة البريطانية نفسها أمام خلاف اقتصادي وقانوني وسياسي متزايد مع الولايات المتحدة بسبب قانون داماتو، الذي أصبح توقيع الرئيس بيل كلينتون عليه شبه مؤكد، قبل أن يتحوّل بالفعل إلى قانون. وأثار منذ مراحله الأخيرة مخاوف في لندن بسبب آثاره التي تتجاوز الحدود الأميركية، وما قد يترتب عليها من أضرار بالشركات البريطانية والأوروبية. فما هو قانون داماتو؟ ولماذا أثار استياءً أوروبياً ضد أميركا؟ وما علاقة إيران وليبيا بتفاصيله؟

في ظل تعثر المساعي الرامية إلى وضع حد للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ نحو ستة أشهر، عادت العقوبات الاقتصادية إلى صدارة أدوات الضغط التي تستخدمها واشنطن في مواجهة طهران. فقد هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، فيما أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت أن بلاده تستعد لفرض مزيد من العزلة الاقتصادية عليها. مشيراً إلى إجراءات جديدة مرتقبة خلال الأسبوع المقبل، وصفها بأنها "غير مسبوقة".

وفي وقت تراهن فيه واشنطن مجدداً على توظيف قوتها الاقتصادية بالتوازي مع التحركات العسكرية، يبرز سؤال يتجاوز تطورات اللحظة الراهنة: إلى أي مدى تستطيع العقوبات الاقتصادية تجاوز قيود المصالح الدولية المتشابكة التي تحدّ من فاعليتها، ودفع نظام أيديولوجي إلى تغيير سلوكه، بينما ينظر إلى نفوذه الإقليمي وسياساته الأمنية بوصفهما من ركائز بقائه واستمراره؟

ولا يُعد هذا السؤال جديداً في مسار العلاقات الإيرانية - الأميركية، إذ يمتد الجدل في شأن فاعلية العقوبات وحدود استخدامها وتداعياتها خارج الحدود الأميركية إلى عقود مضت. ومن أبرز محطات هذا الجدل صيف عام 1996، حين أقرّت الولايات المتحدة قانون داماتو - غيلمان، الذي استهدف فرض العقوبات على الاستثمارات الكبيرة في قطاعي النفط والغاز في إيران وليبيا، مثيراً اعتراضات ومخاوف واسعة في بريطانيا وبين شركائها الأوروبيين.

وتكشف وثائق بريطانية رُفع الحجب عنها في الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي جانباً من الجذور التاريخية لسياسة العقوبات الأميركية، كما تسلط الضوء على المداولات التي دارت داخل الحكومة البريطانية في أغسطس (آب) 1996 بشأن القانون، والخيارات التي بحثتها لندن للتعامل مع تداعياته المحتملة على مصالحها وعلى النظام التجاري الدولي.

خلاف بين لندن وواشنطن

في ذلك الشهر، وجدت الحكومة البريطانية نفسها أمام خلاف اقتصادي وقانوني وسياسي متزايد مع الولايات المتحدة، بعدما اجتاز التشريع الكونغرس، وأصبح توقيع الرئيس بيل كلينتون عليه شبه مؤكد، قبل أن يتحوّل بالفعل إلى قانون. وأثار منذ مراحله الأخيرة مخاوف في لندن بسبب آثاره التي تتجاوز الحدود الأميركية، وما قد يترتب عليها من أضرار بالشركات البريطانية والأوروبية.

وفي الـ 5 من أغسطس 1996، وجّه إيان لانغ، رئيس مجلس التجارة البريطاني، رسالة إلى مالكولم ريفكند، وزير الخارجية والكومنولث، تناول فيها تداعيات التشريع. وكانت الإدارة الأميركية على علم باعتراضات بريطانيا والحكومات الأوروبية، لا سيما على تطبيق أحكام أميركية على شركات غير أميركية. لكن لانغ رأى أن توقيع الرئيس أصبح شبه مؤكد، وأن الاحتجاجات البريطانية الإضافية لن تحقق الكثير في تلك المرحلة.

استهدف التشريع الشركات التي تقوم باستثمارات جديدة كبيرة في قطاعي النفط والغاز في إيران وليبيا، وتضمن إجراءات ضد الشركات التي تتاجر مع ليبيا بصورة تنتهك عقوبات الأمم المتحدة. وكانت بعض أشكال التجارة مع ليبيا خاضعة بالفعل للعقوبات الدولية، لكن الاستثمار لم يكن مشمولاً بها في ليبيا أو إيران.

وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة تمنع شركاتها من التجارة أو الاستثمار في البلدين، بينما سمحت الحكومات الأوروبية وكندا بالاستثمار في ليبيا، وبالتجارة والاستثمار مع إيران. ولذلك لم يكن القانون، من وجهة النظر البريطانية، متعلقاً فقط بسياسة واشنطن تجاه طهران وطرابلس، بل بإمكانية استخدام القانون الأميركي للتأثير مباشرة في النشاط الاقتصادي لشركات دول أخرى.

 

وتابعت الحكومة البريطانية مشروع القانون من كثب خلال مناقشته في الكونغرس. وفي صيغته النهائية لم تمتد العقوبات إلى التجارة مع إيران، واقتصر نطاقها، رغم بعض الغموض في التعريفات، على الاستثمارات الجديدة الكبيرة في قطاعي النفط والغاز في إيران أو ليبيا.

وحدد التشريع مستوى الاستثمار الذي يمكن أن يؤدي إلى العقوبات عند 40 مليون دولار سنوياً، على أن ينخفض إلى 20 مليون دولار بالنسبة إلى الشركات التابعة لدول لا تنضم، خلال السنة التالية، إلى نظام جديد متعدد الأطراف للعقوبات.

وكان على الرئيس الأميركي، من حيث المبدأ، اختيار عقوبتين من بين ست لكل شركة تقع ضمن نطاق القانون. وشملت الخيارات الحرمان من مساعدات بنك التصدير والاستيراد الأميركي وتراخيص التصدير، ومنع الحصول على قروض أو ائتمانات من المؤسسات المالية الأميركية، والحرمان من العمل كمتعامل رئيس أو مستودع للسندات أو الأموال الحكومية، والمنع من عقود المشتريات الحكومية، وفرض قيود على واردات الشركة إلى الولايات المتحدة.

المصالح الأوروبية في مرمى العقوبات

لكن، القانون منح الرئيس مساحة مهمة للتحرك، إذ أجاز له الإعفاء من العقوبات إذا كان ذلك مهماً للمصالح الوطنية الأميركية، أو إذا أثار فرضها مسائل مهمة تتعلق بالالتزامات الدولية للولايات المتحدة. وكان متوقعاً أن يراعي تطبيق القانون حالات التعارض المحتملة بين الاختصاص الأميركي واختصاص الدول الأخرى.

وبالنسبة إلى لندن، كانت الآثار الخارجية للتشريع غير مقبولة، وهو موقف أبلغته لواشنطن مراراً. إلا أن لانغ لاحظ أن الصياغة النهائية تتيح للإدارة تطبيق القانون بأقل قدر ممكن من التشدد؛ فالرئيس، على رغم إلزامه باختيار عقوبتين، يستطيع اختيار إجراءات لا تفرض أعباءً شديدة على الشركة المستهدفة، فضلاً عن صلاحية الإعفاء.

 

واكتسب ذلك أهمية بعدما أبلغت الإدارة الأميركية الحكومة البريطانية بأنها ستسعى إلى تطبيق القانون بالحد الأدنى. ولذلك تحول اهتمام لندن تدريجياً من محاولة منع التشريع إلى مراقبة كيفية تطبيقه وتقدير آثاره العملية.

وكان واضعو القانون في الكونغرس يريدون له دوراً رادعاً، وقد أثار بالفعل مخاوف لدى الشركات البريطانية العاملة في إيران وليبيا. ولهذا تواصلت وزارة التجارة والصناعة مع عدد من الشركات المحتمل تأثرها وتعهد لانغ بمتابعة أوضاعها.

وفي التقييم البريطاني الأولي، أدّى اقتصار القانون على الاستثمارات الجديدة المباشرة التي تتجاوز 40 مليون دولار سنوياً إلى احتمال أن لا تتعرض أي شركة بريطانية مباشرة للعقوبات. غير أن الأخطار الأوروبية كانت أكبر، إذ كانت شركات النفط الفرنسية أكثر تعرضاً في إيران، فيما كانت المصالح الفرنسية والألمانية والإيطالية معرضة بصورة خاصة في ليبيا.

 

ومع ذلك، لم تعتبر لندن محدودية التأثير البريطاني المباشر سبباً لتجاهل القانون، بل رأت ضرورة الاستعداد للتحرك إذا بدأت العقوبات تؤثر فعلياً في الشركات البريطانية أو الأوروبية. ولتشجيع واشنطن على تطبيق محدود، رأى إيان لانغ أن بريطانيا قد تحتاج إلى تقديم أدلة على تزايد التعاون في مكافحة الإرهاب الإيراني والليبي.

وبالتوازي، درست الحكومة البريطانية مسارات الرد المحتملة. ومن بينها دعم المفوضية الأوروبية إذا بدأت مشاورات في إطار منظمة التجارة العالمية بشأن القيود التي يسمح القانون للولايات المتحدة بفرضها على الواردات، إذ رأت لندن أن استخدامها قد يخالف قواعد المنظمة. غير أن هذا المسار ارتبط بنزاع هيلمز/ بيرتون الخاص بكوبا، وطلب لانغ من ريفكند تأكيد الاستعداد للنظر في حجة استثناء الأمن القومي المتوقع أن تستخدمها واشنطن.

لندن تبحث خيارات الرد وتحتوي باريس

نوقشت عقوبات انتقامية على غرار الإجراءات الأميركية، لكن لانغ شكك في جدواها، خشية أن تؤدي سلسلة من العقوبات والعقوبات المضادة إلى الإضرار بالمصالح البريطانية والأوروبية بقدر المصالح الأميركية. وزاد من صعوبة هذا الخيار عدم وجود شركات أميركية تمثل نظيراً واضحاً للشركات الأوروبية العاملة مع إيران أو ليبيا، لذلك رأى أن أي رد أوروبي ينبغي أن يكون على مستوى الحكومات.

وطُرح أيضاً تعليق الأنشطة ضمن خطة العمل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن لانغ تحفظ عليه للأسباب نفسها. ومن ثم دعا إلى إعداد الرد الأوروبي بحذر، وطلب ملاحظات المسؤولين بحلول بداية سبتمبر (أيلول) 1996 استعداداً للمشاورات الأوروبية بعد العطلة الصيفية.

وفي الـ14 من أغسطس 1996، بعد توقيع بيل كلينتون قانون داماتو - غيلمان، رد مالكولم ريفكند على رسالة لانغ، وأكد اتفاقه مع رفض القانون، واعتبره ضربة جديدة للنظام التجاري الدولي المفتوح والقائم على القانون. ولم ينصب الاعتراض البريطاني على العقوبات المتعلقة بإيران وليبيا فحسب، بل على استخدام الولايات المتحدة التهديدات ضد الشركات الأجنبية للضغط عليها وعلى حكوماتها لتبني سياسة العقوبات الأميركية.

 

لكن ريفكند لم يدعُ إلى رد واسع وفوري. فقد رأى، مثل لانغ، أن القانون يتيح للإدارة الأميركية تطبيقه بصورة محدودة، وأن الشركات البريطانية قد لا تتعرّض مباشرة للعقوبات، لذلك ينبغي تجنب المبالغة في رد الفعل. ومع ذلك، حذّر من الأثر الردعي للقانون، إذ قد تتراجع الشركات البريطانية عن التجارة والاستثمار في إيران وليبيا لحماية مصالحها الأكبر في الولايات المتحدة.

ودعا ريفكند إلى عمل منظم داخل وايتهول لتقييم الأضرار المحتملة ودراسة وسائل حماية المصالح البريطانية، بما في ذلك الرد الانتقامي عند الضرورة. لكنه أقر بصعوبة إيجاد رد ذي صدقية، وبأن الإجراءات المضادة قد تصعد الأزمة على نحو يضرّ بالمصالح البريطانية والأوروبية.

وفي هذه المرحلة برز العامل الفرنسي، إذ وصلت إلى لندن معلومات تفيد بأن فرنسا قد تقترح في سبتمبر إجراءات انتقامية على مستوى الاتحاد الأوروبي. وفي ضوء تصريحات الرئيس جاك شيراك، توقع ريفكند أن تدفع باريس نحو إجراءات قوية ربما تشمل عقوبات على شركات أميركية.

لذلك أصبح ضرورياً توحيد الموقف البريطاني قبل المناقشات الأوروبية. وأراد ريفكند تعاون وزارتي الخارجية والتجارة والصناعة لإعداد موقف مشترك قبل الاجتماع غير الرسمي لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في السابع والثامن من سبتمبر 1996.

وتبلورت الاستراتيجية البريطانية في مقاومة اندفاع أوروبي غير مدروس نحو حرب تجارية مع الولايات المتحدة، مع عدم استبعاد الرد إذا تسبب تطبيق القانون في أضرار فعلية. وكان جوهرها التدرج: انتظار كيفية تطبيق واشنطن للقانون، مع الاستعداد لإجراءات أوروبية أقوى إذا تحولت التهديدات إلى خسائر اقتصادية حقيقية.

 

وفي الوقت نفسه، كان الحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي مهماً. فقد حذّر ريفكند من أن نجاح الولايات المتحدة في إحداث انقسامات بين الدول الأوروبية سيكون ضاراً، ولذلك لم ترغب لندن، رغم تحفظها على النهج الفرنسي المتشدد، في ظهور أوروبا منقسمة أمام واشنطن.

ورأى ريفكند أن المشكلة تتجاوز قانون إيران وليبيا إلى اتجاه أوسع في السياسة الأميركية نحو استخدام الإجراءات التجارية الأحادية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية. ومن هذا المنطلق، أبدى استعداداً للنظر إيجابياً في اقتراح المفوضية الأوروبية ببدء مشاورات في منظمة التجارة العالمية، لوجود احتمال بأن يخالف أحد الإجراءات العقابية في الأقل قواعدها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكنه دعا إلى الحذر قبل الانتقال إلى لجنة لتسوية النزاع، خصوصاً إذا استندت الولايات المتحدة إلى استثناء الأمن القومي. وكان يعتقد أن حجج واشنطن بشأن إيران وليبيا أقوى منها في قضية هيلمز/ بيرتون، ما يستوجب موازنة المكاسب والخسائر قبل خوض معركة قد تكرّس تفسيراً أميركياً واسعاً لهذا الاستثناء.

وبالتوازي مع الخلاف الاقتصادي والقانوني، حرصت الخارجية البريطانية على استمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة. وأكد ريفكند ضرورة مواصلة التعاون الوثيق في مكافحة الإرهاب الدولي، مستنداً إلى الاتفاق الذي توصل إليه اجتماع مجموعة G7/8 في باريس على تعزيز هذه الجهود. وشدد على أن لا يساور واشنطن شك في التزام بريطانيا هذا التعاون.

 

وهكذا، قامت المعادلة البريطانية على استمرار التعاون الأمني الوثيق مع الولايات المتحدة، مع رفض استخدام القوانين الأميركية الداخلية لتهديد الشركات الأجنبية والضغط على الحكومات الأخرى. وفي المقابل، سعت لندن إلى احتواء التوجه الفرنسي نحو إجراءات انتقامية سريعة، مع الاحتفاظ بخيار الرد الأوروبي إذا تسبب القانون في أضرار جدية.

وبحلول منتصف أغسطس 1996، اتضحت معالم الموقف البريطاني: رفض قانون داماتو/ غيلمان وآثاره خارج الحدود من دون رد متسرع، والاستعداد لاستخدام منظمة التجارة العالمية مع الحذر من قضية استثناء الأمن القومي، وتجنب حرب تجارية فورية مع إبقاء خيار الرد الأوروبي قائماً، والحفاظ على التعاون الأميركي - البريطاني في مكافحة الإرهاب.

وعكس توزيع مراسلات لانغ وريفكند على رئيس الوزراء وكبار الوزراء والمسؤولين أهمية القضية داخل الحكومة. وبين رسالة لانغ في الخامس من أغسطس ورد ريفكند في الـ14 من أغسطس، انتقلت لندن من تقييم تشريع كان توقيعه متوقعاً إلى التعامل مع قانون نافذ، وتبلورت سياسة تقوم على مراقبة التطبيق الأميركي، وحماية المصالح البريطانية والأوروبية، والتنسيق داخل الاتحاد الأوروبي، وإبقاء الخيارات القانونية والانتقامية متاحة من دون الانزلاق إلى مواجهة تجارية مبكرة أو الإضرار بالتعاون الأمني مع الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير