ملخص
لم تعد ظاهرة انتشار "زهرة النيل" في الأنهار والمجاري المائية العراقية مجرد مشكلة موسمية مرتبطة بنبات مائي سريع النمو، بل تحولت إلى ملف بيئي ومائي متشابك، يطرح أسئلة عديدة في شأن نوعية المياه، وانخفاض التصاريف، وتراجع التنوع الأحيائي، ومصادر التلوث، فضلاً عن كفاءة حملات الإزالة والجهات المسؤولة عن مواجهتها.
في يونيو (حزيران) 2026 أعلنت وزارة الموارد المائية العراقية عن تفشي "زهرة النيل" في خمس محافظات وحذرت من وصولها إلى الأهوار لما يمكن أن يسببه ذلك من تهديد للنظام البيئي والتنوع الأحيائي، ورصدت وزارة الموارد المائية مبلغ 5 مليارات دينار عراقي (3.8 مليون دولار) لإزالة "الزهرة" من نهري دجلة والفرات وتفرعاتهما.
لم تعد ظاهرة انتشار "زهرة النيل" في الأنهار والمجاري المائية العراقية مجرد مشكلة موسمية مرتبطة بنبات مائي سريع النمو، بل تحولت إلى ملف بيئي ومائي متشابك، يطرح أسئلة عديدة في شأن نوعية المياه، وانخفاض التصاريف، وتراجع التنوع الأحيائي، ومصادر التلوث، فضلاً عن كفاءة حملات الإزالة والجهات المسؤولة عن مواجهتها.
وبينما تتكرر حملات إزالة "زهرة النيل" في عدد من المحافظات، تعود النبتة إلى الظهور والانتشار من جديد، مما يثير تساؤلاً أساساً وهو: هل تكمن المشكلة في عدم كفاية عمليات الإزالة؟ أم أن الظروف البيئية والمائية أصبحت أكثر ملاءمة لانتشارها؟
في هذا الملف، تتقاطع آراء وزارة البيئة مع رؤية المتخصصين في الموارد المائية، لتكشف عن أن "زهرة النيل" قد تكون جزءاً من مشكلة أكبر تتعلق بحالة النظام النهري في العراق.
الإزالة وحدها ليست معياراً للنجاح
عن المبالغ المرصودة لإزالة "زهرة النيل" توضح نجلة عبدالله الوائلي، وهي مدير عام الشؤون الفنية في وزارة البيئة قائلة إن "تحديد كلفة إزالة (زهرة النيل) ومدى ارتباط الأموال المصروفة بالنتائج المتحققة يقع ضمن اختصاص الجهات المنفذة، ولا سيما الجهات المسؤولة عن إدارة الموارد المائية، فيما تتولى وزارة البيئة المتابعة والتقييم البيئي لحجم المشكلة وانتشارها وآثارها في التنوع الأحيائي والنظم المائية، ضمن رئاستها للجنة الوطنية للأنواع الغريبة الغازية للتنوع الأحيائي".
وتؤكد الوائلي أن نجاح حملات الإزالة لا يقاس بكمية النباتات المُزالة فحسب، بل بانخفاض مساحة انتشارها والقدرة على منع عودتها واستدامة المعالجة، موضحة أن عودة النبات لا تعني بالضرورة فشل الإزالة، بل تعكس طبيعته الغازية وسرعة تكاثره وانتقال أجزائه مع حركة المياه، لذلك تبقى الإزالة الميكانيكية أو اليدوية وسيلة للسيطرة والحد من الانتشار، وليست حلاً نهائياً بمفردها.
وتشير المتحدثة إلى أن المكافحة الفعالة تتطلب إدارة مستمرة، ورصداً مبكراً، وإزالة متكررة، ومعالجة العوامل التي تساعد على الانتشار، لافتة إلى أن العراق أشار في تقاريره الوطنية للتنوع الأحيائي إلى "زهرة النيل" بوصفها من الأنواع غير المحلية ذات التأثيرات المهمة في النظم البيئية.
وعن إمكان أن تتحول المشكلة إلى مورد توضح الوائلي "أن هناك دراسات تشير إلى إمكان الاستفادة من الكتلة الحيوية لـ"زهرة النيل" في إنتاج السماد العضوي والغاز الحيوي والوقود أو الفحم الحيوي، لكن ذلك مشروط بفحوصات بيئية دقيقة، إذ يمكن للنبات امتصاص وتراكم بعض الملوثات، ومنها المعادن الثقيلة".
لذلك، يجب تحليل الكتلة النباتية المستخرجة قبل تحديد مسار استخدامها، ويمكن للكتل غير الملوثة أو المعالجة وفق ضوابط علمية أن تتحول إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، بما يمنع إعادة الملوثات إلى البيئة، حسب قولها؟
من المسؤول عن متابعة انتشار "زهرة النيل"؟
تؤكد وزارة البيئة أن التعامل مع "زهرة النيل" يتطلب تكاملاً مؤسسياً وتوزيعاً واضحاً للأدوار، وتقع على وزارة الموارد المائية المسؤولية الأساسية عن إزالة النبات من الأنهار والجداول والمجاري والمنشآت المائية، وقد باشرت إجراءات ميدانية باستخدام الآليات والمعدات المتخصصة.
وتسهم الحكومات المحلية في دعم الإزالة والمراقبة والتنسيق، خصوصاً في المناطق التي تشهد انتشاراً واسعاً، أما وزارة البيئة، فلا تحل محل الجهة المنفذة، بل تتولى تقييم حجم المشكلة وآثارها البيئية ومتابعة انتشار الأنواع الغازية عبر اللجنة الوطنية المتخصصة، فضلاً عن التنسيق مع الجامعات والمراكز البحثية والمنظمات الدولية لتعزيز الدراسات وبناء القدرات.
ويمكن لمنظمات المجتمع المدني دعم التوعية والرصد المجتمعي والمشاركة في حملات الإزالة ضمن برامج منسقة مع الجهات الحكومية، من دون أن يحل ذلك محل المسؤولية القطاعية لوزارة الموارد المائية.
إزالة ميكانيكية
من جهته يرى مهندس الموارد المائية مخلد عبدالله، أن تكرار حملات إزالة "زهرة النيل" في العراق يعني أن المشكلة لا يمكن حلها بالإزالة وحدها، ويقول إن "الإزالة الميكانيكية مهمة وضرورية لحماية القنوات ومآخذ المياه وتقليل الانتشار، لكنها تعالج النتيجة أكثر مما تعالج السبب".
ويشير عبدالله إلى أن "استمرار انخفاض التصاريف، وبطء حركة المياه في بعض المقاطع، وتدهور نوعية المياه، وزيادة الأحمال العضوية والمغذيات، كلها عوامل تساعد على عودة وانتشار النبات".
وبحسب رؤيته، فإن العراق يحتاج إلى إدارة متكاملة تشمل الإزالة المستمرة، ومراقبة بؤر الانتشار من قبل الجهات القطاعية، وتحسين نوعية المياه والتصاريف ضمن البؤر المحتملة، وتقليل مصادر التلوث، والحفاظ قدر الإمكان على جريان مائي مناسب، ويكتسب ذلك أهمية خاصة في العراق، بحسب عبدالله، بسبب محدودية الموارد المائية أصلاً، مما يجعل التعامل مع النباتات الغازية جزءاً من إدارة مورد مائي يعاني في الأساس ضغوطاً متزايدة.
وأفاد مصدر صحافي بأن العراق الآن يخسر ثروته السمكية بالكامل فإنتاجه الذي كان يزيد على 900 ألف طن عام 2018 تراجع اليوم إلى نحو 250 ألف طن فقط.
المياه بيئة قاتلة للأسماك
ولا يرى عبدالله أن اختفاء بعض الأنواع المائية من دجلة والفرات يمكن اعتباره بالضرورة نتيجة للتلوث وحده، بل قد يكون مؤشراً إلى تغير أوسع في النظام البيئي للنهر، فانخفاض التصريف، وارتفاع الملوحة ودرجات الحرارة، وتغير نوعية المياه، وانتشار الأنواع الغازية مثل "زهرة النيل"، كلها عوامل متداخلة تؤثر في التنوع الأحيائي.
ويقول" مهندس المراد المائية إن الأهم ليس فقط البحث عن العامل الذي أدى إلى اختفاء نوع معين، وإنما معرفة ما الذي تغير في النظام النهري بحيث أصبحت الظروف غير مناسبة للأنواع الأصيلة".
"زهرة النيل" قادمة من مصر
أما خبير الموارد المائية المستشار عادل المختار، فيرى أن "زهرة النيل" مشكلة موسمية أهملت لسنوات، مما أدى إلى استفحالها وإغلاق مجاري الأنهار في بعض المناطق، ويعتقد أن تنظيف المجاري وإزالة النبات في الوقت المناسب يمكن أن يعيدا الأمور إلى طبيعتها، لكنه يطرح تساؤلاً حول كيفية وصول هذه النبتة إلى البيئة العراقية وانتشارها، مرجحاً أنها لم تصل بصورة طبيعية، مشيراً إلى انتشارها المعروف في مصر.
وفيما يتعلق بما يقال عن استهلاك "زهرة النيل" للمياه أو الأوكسجين، يرى المختار أن بعض الطروحات تحتاج إلى تدقيق علمي، ولا ينبغي التعامل معها كحقائق مطلقة من دون تحديد الظروف والقياساًت التي تستند إليها، ويقترح الاستفادة من بعض أنواع الأسماك التي تتغذى على النباتات المائية، بوصفها إحدى وسائل السيطرة الطبيعية على انتشارها.
وأشار المتحدث إلى مخترع عراقي صمم آلة متحركة لفرم الأعشاب والنباتات، بحيث تصبح صالحة لتغذية الأسماك، ويربط المختار نجاح هذه الأفكار بواقع الثروة السمكية في العراق، الذي يرى أنه يعاني الإهمال، موضحاً أن بعض المسطحات المائية تفتقر إلى الأسماك التي يمكن أن تسهم في تحقيق التوازن البيئي.
من "زهرة النيل" إلى تلوث دجلة والفرات
لكن النقاش حول "زهرة النيل" يقود بالضرورة إلى السؤال الأكبر ما الذي يحدث لمياه دجلة والفرات؟ وهنا يضع نجم الغزي، وهو أستاذ بجامعة ذي قار وخبير الموارد المائية، مشكلة التلوث في نهري دجلة والفرات ضمن إطار أوسع، مشيراً إلى أن من أبرز الملوثات، ولا سيما في الفرات الأوسط، المبازل.
ويقول الغزي إن العمل على تحويل المبازل والتخفيف من تأثيرها مستمر منذ عام 2022، وإن تأثيرها انخفض، بحسب تقديراته، بنسبة 70 إلى 80 في المئة ضمن مشروع تبنته الأمانة العامة لمجلس الوزراء بإشراف وزارة الموارد المائية، لافتاً إلى فتح مبزل مهم باسم "مبزل الفرات الشرقي" ضمن هذه الجهود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن الغزي يرى أن الملوث الأخطر حالياً هو مياه المجاري، موضحاً أن معظم مدن العراق، باستثناء حالات محدودة، تطرح نواتج الصرف الصحي في الأنهار، مما يشكل خطراً كبيراً على نوعية المياه، ويشير إلى أن بعض الجهود تتجه إلى نقل مياه الصرف إلى المبازل بدلاً من طرحها مباشرة في الأنهار، في ظل ارتفاع كلفة إنشاء محطات المعالجة وإعادة تدوير المياه، وعدم تحقيق مشاريع المعالجة النتائج المطلوبة.
هل وصلت مياه النهرين إلى مستويات تستدعي القلق؟
يقول الغزي إن لديه تقريراً يفيد بأن المياه الواصلة إلى محافظة ذي قار عبر الفرات تتضمن نسبة كبيرة من مياه المجاري ومياه البزل، كما يشير إلى تقارير دولية، بحسب قوله، تفيد بأن نوعية المياه جنوب سدة حديثة لا تتوافق في بعض المواقع مع معايير الاستخدام البشري، بسبب ارتفاع الأملاح والملوثات والمواد الذائبة، مع تفاقم المشكلة كلما اتجهنا جنوباً.
ويرى أن مناطق واسعة جنوب بغداد تواجه مستويات مرتفعة من التلوث تجعل مياه الأنهار غير صالحة للشرب وفق المعايير التي يستند إليها، مما يستدعي نشر القياسات التفصيلية والبيانات الرسمية بصورة دورية وشفافة لتحديد مستوى الخطر بدقة.
وعن جودة المياه، يقول الغزي إن وزارات الموارد المائية والزراعة والبيئة تجري قياسات دورية، لكنه يرى أنها لم تصل إلى المستوى المطلوب، مع وجود تفاوت وتعارض في بعض النتائج، فضلاً عن نقص بعض المستلزمات الضرورية في المختبرات.
ويرى المتحدث أن استمرار تصريف الملوثات مع انخفاض الإطلاقات المائية قد يحول الأنهار إلى ما يشبه المستودعات أو المجاري المفتوحة، إذ ترتفع تركيزات الملوثات، ومنها البلاستيك ومواد الغسيل والشامبو والمواد الكيماوية، إضافة إلى مصارف المستشفيات.
ضغوط متراكمة
ويربط الغزي بين النمو السكاني والتوسع الحضري والصناعي وارتفاع مستويات التلوث، مشيراً إلى أن بغداد تمثل أحد أكبر مصادر الضغط على النهر بسبب كثافتها السكانية وما تضمه من مصانع ومستشفيات ومنشآت خدمية. تليها الموصل وكركوك وواسط كمصادر ضغط كبيرة على دجلة، أما محافظة السماوة تمثل، بحسب تقييمه، أحد أكبر مصادر التلوث في الفرات.
وبذلك، لا يمكن فصل أزمة المياه العراقية عن النمو السكاني والتوسع الحضري والصناعي، ولا عن ضعف البنية التحتية اللازمة لمعالجة مياه الصرف الصحي قبل وصولها إلى الأنهار.
وعن الإجراءات الرقابية، يوضح المتخصص في الشأن المائي أن المشكلة لا ترتبط دائماً بغياب الرقابة، وإنما بضعف القدرة المالية على تنفيذ الحلول، وضرب مثالاً بالدعاوى التي يمكن أن ترفعها وزارة البيئة ضد الجهات التي تطرح مياه المجاري في الأنهار، مشيراً إلى أن معالجة المشكلة تتطلب إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف، في وقت لا تتوفر فيه الموارد المالية الكافية.
ويطرح ذلك معضلة عملية وهي إذا منعت مياه المجاري من الوصول إلى دجلة والفرات من دون توفير بديل لمعالجتها، فأين ستذهب؟ بحسب الخبر المائي الذي يشير إلى أن بعض المدن لا تملك حالياً حلولاً بديلة، ما يجعل المؤسسات تتحرك أحياناً خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء بسبب نقص التمويل وعدم اكتمال المشاريع.
الأسماك الدخيلة
ولا يتوقف الخطر عند التلوث أو "زهرة النيل"، إذ يشير الغزي إلى وجود أنواع دخيلة من الأسماك تهدد الأنواع المحلية، ومن بينها سمك السلور، الذي يصفه بأنه تهديد كبير، لافتاً إلى احتمال وصوله إلى العراق من خارج البلاد، وربما عبر سوريا أو مسارات أخرى، ويشير إلى أن هذا النوع يتغذى على بيض الأسماك العراقية ويستهلك كميات كبيرة من الغذاء، فيما تراجعت أو اختفت بعض الأنواع المحلية، ومنها الكطان والبني والشبوط، نتيجة عوامل متعددة، بينها التلوث والتغيرات البيئية وانتشار الأنواع الدخيلة.
تكشف هذه المعطيات أن المشكلة لا تتعلق بـ"زهرة النيل" وحدها، بل بمنظومة متكاملة تشمل انخفاض التصاريف، وتلوث المياه، وتصريف مياه الصرف الصحي، والملوحة وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب تراجع التنوع الأحيائي وانتشار الأنواع الدخيلة، لذلك فإن التعامل مع "زهرة النيل" بوصفها المشكلة وحدها قد ينتج حلولاً موقتة، بينما النظر إليها كأحد مؤشرات اختلال النظام النهري يفتح الطريق أمام حلول أكثر استدامة.
وتتطلب المعالجة الحقيقية الرصد المستمر، وتحسين ظروف الجريان، وتقليل مصادر التلوث، وتوفير محطات معالجة مياه الصرف، ورفع كفاءة المختبرات، وتوحيد البيانات، وتأمين التمويل اللازم، إلى جانب البحث في تقنيات وأساليب جديدة للسيطرة على النبات.
من إزالة النبات إلى إنقاذ النهر
في النهاية، لا تبدو قضية "زهرة النيل" مجرد معركة مع نبات يطفو فوق سطح الماء، بل اختباراً لقدرة المؤسسات العراقية على إدارة الموارد المائية بوصفها منظومة متكاملة، فالإزالة ضرورية، لكنها ليست كافية، والرصد يحتاج إلى بيانات موثوقة، والبيانات لا تتحول إلى حلول من دون تمويل وإرادة تنفيذية، أما معالجة "زهرة النيل" من دون معالجة نوعية المياه وحركة التصاريف ومصادر التلوث، فقد تجعل حملات الإزالة تتكرر من دون اختفاء المشكلة.