ملخص
تحقيق يوثق إلزام المادة (26) من "قانون البطاقة الوطنية" العراقي الأبناء القصّر باعتناق ديانة مَن يعتنق الإسلام من الأبوين، من دون علمهم أو موافقتهم، وتمنعهم من العودة إلى دينهم الأصلي حتى بعد بلوغهم.
في أحد أيام الأحد المزدحمة بتعاملات الدوائر الحكومية، بدأت سالي (اسم مستعار، 33 سنة)، وكانت على وشك الزواج، إجراءات إصدار البطاقة الوطنية، التي اعتمدها العراق عام 2016 لتحل محل شهادة الجنسية وهوية الأحوال المدنية وبطاقة السكن. كانت تجهل، وهي تتنقل بين شبابيك الدائرة في بغداد، أن معاملتها ستتوقف عند خانة الديانة، وأن ما يبدو مجرد خانة في وثيقة رسمية سيصبح عائقاً أمام زواجها وحياتها التي كانت تستعد لبدء فصل جديد منها.
اكتشفت سالي، المولودة لأبوين مسيحيين، أنها مثبتة مسلمة في السجلات الرسمية. اعتقدت أن الأمر فيه خلل يحتاج إلى بعض الإجراءات البيروقراطية، غير أن الضابط أكد صحة القيد، وأنها سُجلت مسلمة في سن الـ11 بعد إسلام والدها، مما شكل صدمة كبيرة لها.
كبرت سالي في بيت والدتها التي بقيت على ديانتها المسيحية بعد انفصال والديها وزواج أبيها، فيما بقي حضوره في حياتها محدوداً ومرتبطاً بذكريات متباعدة. اعتادت منذ طفولتها الذهاب إلى الكنيسة وحضور الأعياد والصلوات، وعرفت نفسها مسيحية طوال تلك الأعوام. خُطبت لشخص مسيحي، وعُقد قرانها في الكنيسة على الطريقة الكاثوليكية.
أخبرها الموظف أن قيدها يمنع إتمام الزواج، وأن الخيارات المتاحة تنحصر في فسخ الخطوبة، أو إسلام "الخاطب"، أو معاملتها مرتدة عن الإسلام.
في الأيام الأولى، تمسكت سالي بإمكانية إصلاح الأمر سريعاً، غير أن الأجوبة التي تلقتها كانت عامة ومربكة، وبعضها عنصري ويحمل تهديداً لهويتها الدينية، وفق قولها.
خلال أشهر من المراجعات بين مديرية البطاقة والمحكمة، اكتشفت أن حالتها تكررت مع عائلات مسيحية وإيزيدية وصابئية، فُرضت عليها قيود دينية في سجلات الدولة.
وجدت سالي أساس ذلك مثبتاً في صحيفة الوقائع الرسمية. ففي العدد 4396 الصادر في الأول من فبراير (شباط) 2016، نُشر قانون البطاقة الوطنية رقم 3 لعام 2016، ونصت الفقرة الثانية من المادة (26) على أن يتبع الأولاد القاصرون دين مَن يعتنق الإسلام من الأبوين، من دون تحديد حق القاصر بعد بلوغه واستقلاله قانونياً عن ذويه.
كلّفت سالي محامياً وقدمت طلباً لتصحيح قيدها، ثم طعنت تمييزاً في القرار الخاص بقيدها وقيد والدها. أخبرها المحامي أن فرص كسب القضية محدودة، ونصحها بالهجرة، لصعوبة الرجوع عن الديانة بعد استقرارها في السجلات الرسمية.
تنص المادة الثانية من الدستور العراقي على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع"، و"لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام".
كذلك كرّست محكمة التمييز الاتحادية هذا الاتجاه، في قرار منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى عام 2012، بقرار مدني يقتضي بأن "من صار مسلماً سواء بصورة أصلية أو تبعية، أي تبعاً لدين أحد الأبوين، لا يجوز له الرجوع عن إسلامه. وبذلك تضيق إمكانية تعديل القيد، إذ يخلو القانون من مادة تجيز العودة إلى ديانتهم السابقة أو تصحيح خانة الديانة".
بعد أشهر من المراجعات، ردت المحكمة طلب سالي وطعنها التمييزي، وأبقت قيدها الديني على حاله. وخلال تلك الفترة، كانت الكنيسة تحاول إقناعها بالخروج من العراق، وفق روايتها.
أنفقت سالي كل ما جمعته لزواجها على القضية. وواجهت انتقادات ولوماً لبقائها أعواماً مُسجَّلة مسلمة، من دون أن تتحرك، فكانت ترد بالقول "كيف أفعل ذلك وأنا أجهل ما جرى؟ تحطمت حياتي. توسل إليهم المحامي وحاول كثيراً. شعرت أنهم يطردونني من وطني. بحثت عن ديني بالقانون، فرفضوا طلبي ثم الطعن".
تقبض سالي على خاتمها الذهبي، بعدما انتهى حلم الزواج. فقد فسخت عائلة خطيبها الخطوبة خشية أن يتغير دينه في السجلات، بينما تمسّك هو بدينه. ومنذ ذلك الحين، لا تكف عن التساؤل: من يقبل أن تُنتزع منه ديانته؟
أصيبت بفقر شديد في الدم، وفقدت شهيتها، وعجزت عن النوم أشهراً، وهبط وزنها إلى أقل من 50 كيلوغراماً. وتسعى اليوم إلى الهجرة بمساعدة منظمة محلية، بحثاً عن مكان تمارس فيه حريتها الدينية. تقول عن الوضع الذي تعيشه "أنا مضطرة إلى مغادرة هذه البلاد، كانت المغادرة بعيدة عن نيتي، واليوم فقدت كل شيء هنا، توقفت حياتي".
تعود القاعدة التي كرستها المادة (26) من قانون البطاقة الوطنية، إلى قانون الأحوال المدنية رقم 65 لعام 1972. أجازت المادة 20 لغير المسلم تبديل دينه وفق القانون، ونظمت المادة 21 التبديل أمام محكمة الأحوال الشخصية أو محكمة المواد الشخصية، بحسب اختصاصها، ونصت فقرتها الثالثة على تبعية الأولاد القاصرين في الدين لمن اعتنق الإسلام من الأبوين.
وبحسب دراسة "حكم رجوع من أسلم تبعاً لإسلام أحد والديه لدينه السابق في القانون العراقي" للدكتور عبدالمنعم عبدالوهاب محمد، المنشورة في مجلة جيل الأبحاث القانونية المعمقة، العدد (25)، فإنه "لم يرد نص في أي من القوانين أو الأنظمة أو التعليمات المنظمة للأحوال المدنية، الملغاة منها والنافذة حالياً، يفيد بجواز ذلك. إلا أن ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز، منذ صدور قانون الأحوال المدنية رقم (65) لعام 1972 المُلغى وحتى عام 1999، هو جواز رجوع الصغير الذي لحق بإسلام أحد أبويه إلى دينه السابق بعد بلوغه سن الرشد القانوني عاقلاً. واشترطت المحكمة الموقرة لقبول طلب الصغير الملتحق بالإسلام تبعاً لإسلام أحد والديه الرجوع إلى دينه الذي كان عليه، أن يتم الـ18 عاقلاً، وأن يرفع طلبه إلى المحكمة المختصة (محكمة الأحوال الشخصية) خلال عام واحد فقط من تاريخ بلوغه القانوني".
تراجع هذا الهامش لاحقاً في قرارات قضائية عدّت الرجوع عن الإسلام غير جائز لمن ثبت إسلامه تبعاً لأحد الأبوين. وعند إقرار قانون البطاقة الوطنية في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) 2015، خلا النص من حق الاختيار بعد البلوغ، وأبقى قاعدة التبعية في نظام السجل المدني الجديد.
هرب من طريق البحر وأطفال خارج السجل العراقي
"قاومت شهرين في الغابات تحت الثلوج والأمطار، وعبرت البحر وكدت أن أغرق. تحملت الحبس والجوع والخوف والبرد، وتساءلت إن كان فعلي يستحق كل ذلك. نعم، أردت الهجرة من العراق بأي وسيلة بسبب الدين المفروض عليّ".
هذا ما قاله شاكر (37 سنة) الذي وُلد مسجلاً مسلماً، بسبب قيد بدأ بإسلام جده وانتقل إلى أبنائه وأحفاده، فيما واصلت العائلة ممارسة الديانة الإيزيدية سراً. اكتشفت الأسرة الأمر عند مراجعة دائرة الأحوال المدنية. يقول "كانوا متوترين ويكتمون غضبهم، ثم انفجر الخلاف في المنزل. أخبرتني أمي باكية أن جدي أعلن إسلامه واختفى، وكان والدي قاصراً، ثم مُنع بعد بلوغه من العودة إلى دينه". وتجنب أفراد العائلة الحديث عن القضية لما تسببه لهم من ألم.
أحب شاكر فتاة، لكنه تركها من دون أن يكشف لها حقيقة قيده. يقول "قد تتفهم، غير أن عائلتها سترفض زواجها من شخص مسجل مسلماً. يصعب على الآخرين تصديق أنني بقيت إيزيدياً". ويضيف "تحطمت حياتي وأمنياتي. أخبرتني أمي أن الخسارة ستتكرر مع أخريات".
حاول تصحيح قيده بمساعدة صديق، وسافر للمرة الأولى إلى بغداد، لكنّه عاد بعد إبلاغه بخسارة القضية. وبعد تخرجه، بدأ يفكر في الهجرة، وغادر العراق عام 2016 عبر البحر بصورة غير قانونية.
كان بعض أبناء أعمامه، الذين يحملون القيود ذاتها، قد هاجروا إلى ألمانيا، وأخبروه أنه سيتمكن هناك من الزواج من دون أن يظهر في أوراقه مسلماً. يقول "واجهت الموت مرات كثيرة، غير أن الأمر استحق ذلك. كان بقائي في العراق يعني الرضوخ للقانون، وأن يعيش أطفالي إيزيديين في السر، وأن يمارسوا دينهم كأنه عيب أو عار".
بعد عام من تقديم طلب اللجوء، حصل شاكر على الإقامة الإنسانية. ويقول إن انتماءه الإيزيدي ساعده، لكن تسجيله مسلماً في البطاقة العراقية صعّب عليه إثبات هويته، ودفعه إلى إنفاق مبالغ كبيرة على وثيقة تؤكد انتماءه. ويضيف "قبل مجيئي، أعددت ملفاً من عشرات الأوراق عن هويتي الدينية المسلوبة، وخشيت أن تعده سلطات الهجرة أمراً غير مهم. تجاهل الجميع قضيتي في بلدي، فكيف ستلقى اهتمام الآخرين؟".
تزوج شاكر دينياً على يد رجل دين إيزيدي، وله ثلاثة أطفال، أكبرهم في التاسعة. يعيش أطفاله من دون وثائق عراقية، لأن الزواج غير مصدق في المحكمة، ولا توجد وثيقة تثبت زواجه أو نسب أطفاله إليه، مما يعني أن استخراج هويات لهم تسجلهم مسلمين. يقول "يقتلعونني وأطفالي من بلدنا. استخرج أصدقائي وثائق لأولادهم تحمي مواطنتهم، وعجزت عن ذلك. يعرف أطفالي دينهم، ويجهلون المصير الذي ينتظرهم في العراق الذي زاروه غرباء بجنسياتهم الألمانية".
ويقول إن أحد النافذين عرض تعديل خانة الديانة مقابل المال، كي يتمكن من تسجيل أطفاله. وعرض شاكر 50 ألف يورو لإعادة كلمة "إيزيدي" إلى قيده، واستمرت المحاولات أشهراً قبل إبلاغه باستحالة الأمر. كذلك تواصل مع نواب ورجال دين إيزيديين، فطالبوه بالصمت. يقول "يصرح ممثلونا علناً بخوفهم من الحديث بصراحة عن المادة. هذا أمر جنوني، وأعجز عن تقبله".
يحاول شاكر إقناع والديه وإخوته ببيع ممتلكاتهم والهجرة إلى ألمانيا، حتى يتمكنوا من ممارسة طقوسهم علناً. ويقول "هذه عبودية. يتحكمون بنا ويقررون نيابة عنا الدين الذي نتبعه بالقوة. بسبب قرار اتخذه جدي هرباً من عصابة، تدمرت حياة أكثر من 20 فرداً على مدار أجيال من دون سبب". ويتساءل عن مصير أقاربه الذين لا يزالون في العراق، مضيفاً "قد يحاسبني ابني يوماً لأنني أنجبته، حينما يرى أن لا أحد يعترف بدينه".
خلال جلسة التصويت، اعترض نواب مسيحيون وإيزيديون وصابئة مندائيون على الفقرة الثانية من المادة (26). وقدم نواب مسيحيون طلباً موقعاً من 51 نائباً لإبقاء القاصرين على دينهم حتى الـ18، ومنحهم عاماً لاختيار دينهم بعد بلوغهم. لم تنجح محاولات نواب الأقليات الدينية في تعديل المادة، فصوّت 137 نائباً على إبقاء الفقرة. كذلك أخفق مقترح إلغائها بعدما صوّت 108 نواب ضد المقترح، مقابل 86 لمصلحة الإلغاء.
بعد إقرار القانون، علّق ممثلو الأقليات حضورهم جلسات البرلمان احتجاجاً، والتقوا رئيس الجمهورية آنذاك فؤاد معصوم، مطالبين بإيقاف ما عدّوه خرقاً دستورياً. وفي الـ17 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، طلب معصوم إعادة القانون إلى مجلس النواب للنظر في المادة (26)، وصوّت المجلس في اليوم ذاته على اتخاذ إجراءات لتعديلها بما ينسجم مع الدستور وحقوق الأقليات.
بقي القرار تعهداً سياسياً. وفي أكتوبر 2016، أُدرج مقترح التعديل الأول على جدول مجلس النواب، ثم أُرجئت قراءته لإشراك لجنة الأوقاف والشؤون الدينية. وصدر التعديل الأول عام 2017، لكنّه أبقى الفقرة الثانية من المادة (26) من دون تغيير.
سعفان: 40 عاماً بلا زواج بسبب سجل الدين
أكمل سعفان، الذي يعيش في شمال الموصل، عامه الـ40، فيما بقي حلم الزواج والإنجاب بعيداً منه. يسأله الأقارب والجيران عن السبب، ويعرض بعضهم مساعدته ظناً أن المشكلة مالية. لكنه يغير إجابته في كل مرة، لأن كشف قيده الرسمي يكفي، بحسب قوله، لإغلاق أبواب العائلات الإيزيدية أمامه.
عاش سعفان إيزيدياً داخل بيته ومحيطه، بينما تسجله أوراق الدولة مسلماً. بدأ القيد بإسلام جده عام 1969، ثم انتقل إلى العائلة، التي يظهر 14 فرداً منها مسلمين في السجلات.
يقول "اضطر والدي إلى تسجيل زواجه في المحكمة كي ندخل أنا وإخوتي المدرسة، واتفق مع المدرسين على إعفائنا من التربية الإسلامية. على رغم ذلك، اختلط عليّ المعتقدان. وعندما اكتشفت الحقيقة، عجزت عن استيعاب أن انتماءنا إلى أقلية دينية يكفي لطردنا من المحاكم قبل الوصول إلى القاضي".
ويقول إن الخوف لازم عائلته لعقود، وكانت محاولاتها تنتهي بتهديدات من موظفي الدوائر. ويضيف "قالوا لنا: هل أنتم مجانين؟ أتريدون ترك الإسلام؟ ستُقطع رؤوسكم". وفي مرة أخرى، قال جندي لعمه بعد منعه من الدخول "أنعم الله عليكم بالهداية من الكفر، وتريدون العودة إليه". وكانت العائلة تعود في كل مرة خائفة وخائبة.
بعد وفاة والدته، التي كانت حزينة على وضع العائلة، قرر سعفان وقف انتقال القيد واسترداد دينه. ينفطر قلبه كلما وُلد طفل وعُمّد إيزيدياً، في حين يواجه والداه خيار تسجيله مسلماً أو إبقائه من دون أوراق.
بدأ محاولة قانونية من دون استشارة واضحة، حتى وصلت قضيته إلى منظمة محلية لحماية حقوق الأقليات، فكلف محامياً متخصصاً بالمادة (26) للدفاع عنه مجاناً. وأُبلغ بأن القضية تجاوزت اختصاص دائرة النفوس المحلية، وأن مواصلتها قد تعرض عائلته للخطر.
حمل أوراق العائلة إلى مديرية شؤون الأحوال المدنية في بغداد، فأرشده الموظفون إلى استصدار قرار قضائي تنفذه دائرة نينوى. عاد وبدأ المعاملة باسمه، ثم نصحه المحامي بأن تكون عمته صاحبة الدعوى، لأنها تحمل أقدم واقعة قانونية في العائلة. كانت في الخامسة حين أشهر والدها إسلامه، في سن لم تكن فيه قادرة على فهم الدين أو اختياره أو الاعتراض على القيد.
وتستند الدعوى، بحسب محامي العائلة يوحنا، إلى وقوع إسلام الجد عام 1969، قبل صدور قانون الأحوال المدنية رقم 65 لعام 1972، الذي أقر تبعية القُصّر لمن يعتنق الإسلام من الأبوين. ويرى أن تسجيل العمة مسلمة استند إلى قاعدة قانونية صدرت بعد الواقعة، ويعد ذلك تحايلاً واستغلالاً لجهل الناس بالقوانين.
وبعد أكثر من سبعة أشهر، كانت العائلة لا تزال تنتظر قراراً نهائياً حتى تاريخ نشر التحقيق. وحددت خمس جلسات، وغاب ممثل دائرة البطاقة الوطنية عن أول جلستين، ثم توالت التأجيلات.
يقول سعفان "يعاملني بلدي بسبب انتمائي إلى دين آخر كأنني غير موجود. لو امتلكت القدرة المادية، لغادرته فوراً".
يصف الأب مارتن هارمز، المتحدث باسم ديوان أوقاف الديانات المسيحية والإيزيدية والصابئة المندانية، المادة (26) بأنها "مجحفة في حق الأقليّات"، وأن "إجبار الأقليات والقُصّر على تغيير دينهم نتيجة لتغيير ديانة أحد الأبوين، يُعدّ تعدياً على القصّر وفي الأقليات الدينية وخصوصيتها".
وفي الـ25 من نوفمبر 2015، عبّر مكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، ومكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في العراق، عن قلقهما من أثر المادة في الأقليات الدينية والإثنية. وأوضحت الأمم المتحدة أن المادة تعدّ الطفل مسلماً إذا اعتنق أحد والديه الإسلام، بصرف النظر عن الوصاية أو رغبة الطفل، ودعت إلى حذفها أو تعديلها بما يتيح للطفل اختيار دينه عند بلوغ 18 سنة.
اختطاف وتعذيب وترهيب وانتظار ملف الهجرة
كان سعدي (33 سنة) في الثامنة عندما اعتنقت والدته الإسلام لإتمام الطلاق وغادرت المنزل. واكتشف تغير قيده بعد مقتل والده أمامه خلال العنف الطائفي عام 2007، حين نقله أعمامه مع إخوته الثلاثة من بغداد إلى الحمدانية في نينوى.
تعذر نقل قيودهم وتحديث هوياتهم، فتوقفوا عن الدراسة، وبدأ سعدي العمل مبكراً لإعالتهم. واحتفظ بهويته المسيحية القديمة حتى بلغ الـ18 وطلب تصحيح قيده، لكن رد وزارة العدل وصل بعد عام ونصف العام برفض الطلب.
واصل استخدام هويته القديمة، فتعرض للاستجواب والتعليقات العنصرية عند نقاط التفتيش. وفي عام 2016، اعتُقل للاشتباه في كونه إرهابياً، وأُطلق سراحه بكفالة مشروطة بإصدار هوية تسجله مسلماً.
ظهر سعدي في برامج تلفزيونية وتحدث عن قضيته، فاختطفته جهة مجهولة واحتجزته يومين، تعرض خلالهما للضرب والتعذيب والتهديد بالقتل إن واصل الحديث بسرد روايته. وتواصل مع نواب مسيحيين فنصحوه بترك العراق.
كان ترك العراق صعباً على سعدي، الذي عمل حارساً في إحدى الكنائس واستعد للزواج. اشترطت عائلة خطيبته تصحيح قيده، فأنفق مبالغ كبيرة للوصول إلى مسؤولين وعرض قضيته، لكنه عاد بالنتيجة ذاتها. يقول "بدأ اليأس والغضب يتسللان إليّ. تركتني خطيبتي وهاجرت مع عائلتها، وبقيت من دون دراسة أو زواج. أخشى الارتباط بامرأة وجرها إلى هذه المعاناة".
استمرت محاولاته أكثر من أربعة أعوام، حتى عرض عاملون في دائرة النفوس ببغداد تعديل خانة الديانة مقابل 3500 دولار لكل فرد من عائلته، أي مقابل مبلغ يصل إلى 15 ألف دولار للعائلة. وطلب مساعدة الكنيسة، وأبدى أحد المطارنة استعداده، ثم تراجع عندما طُلب منه مبلغ أولي مقداره 5 آلاف دولار.
وبناءً على رغبة أحد أصدقائه، توجه سعدي إلى أحد القضاة طالباً العون، أو مساعدة أخواته في الأقل في الحصول على أوراقهن ليتمكنوا من الزواج. لكن القاضي، وفق قوله، سخر منه وأخبره أنه لا حل لقضيته، وأنه سيعدّ مرتداً لو حاول ذلك، وأن عقوبته ستكون الإعدام أو الرمي بالحجارة حتى الموت.
يقول "أخبرت إخوتي أن رحلتنا للبحث عن ديننا انتهت. كبرنا وضاعت فرص الدراسة والزواج والحياة الطبيعية". وغادر سعدي إلى الأردن، حيث يعيش منذ ستة أعوام بانتظار طلب الهجرة إلى كندا. ويقول "سنواتي كلها ضاعت".
ويضيف أن أخته، التي توفيت في الـ10 قبل اعتناق والدته الإسلام، ظهرت في قيد العائلة مسجلة مسلمة أيضاً. ويتساءل "أي اضطهاد ديني أكبر من ذلك؟".
ويرى متضررون ومحامون أن المادة تتقاطع مع ضمانات الدستور لحرية الدين والاعتقاد. فالمادة (37)/ثانياً تحمي الفرد من الإكراه الديني، وتكفل المادة 42 حرية الفكر والضمير والعقيدة، فيما تضمن المادة (2) الحقوق الدينية وحرية العقيدة والممارسة.
ويقول المحامي أكرم النجار، الذي تولى عشرات القضايا المرتبطة بالمادة (26) في قانون البطاقة الوطنية، إن النص عطّل حياة متضررين من الأقليات وقيّد حريتهم الدينية، حين جعل الدين المثبت في أوراق الدولة أقوى من الدين الذي نشأ عليه الشخص داخل بيته وجماعته.
ويصف النجار أثر المادة بأنه يقترب من "تطهير عرقي" لهوية الأقليات، عبر سلب ديانة القصّر في السجلات، وإبقائهم بعد البلوغ أمام إكراه يمتد إلى الزواج والأطفال والتعليم والوثائق.
غالباً يظهر القيد بعد البلوغ، عند إصدار البطاقة الوطنية أو عقد الزواج أو مراجعة المحكمة، إذ يتعذر على القاصر مراجعة سجل الأسرة بنفسه.
طلاق سريع ومرض مزمن
بعد ستة أشهر من زواجها الكنسي، احتاجت وردة، المولودة عام 1991، إلى نقل نفوسها من تلكيف في نينوى وتصديق عقد الزواج. وكانت هوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية وجواز السفر تثبت ديانتها المسيحية، بحسب شقيقها صباح. يقول "اتصل بي زوجها وقال إن لدينا مشكلة كبيرة، فقد غُيّرت ديانة وردة في سجل النفوس إلى الإسلام".
كان الأب قد أشهر إسلامه قبل نحو 28 عاماً، حين كانت وردة طفلة. عرفت العائلة بإسلامه، لكنها لم تكن تعلم أن القيد سيمتد إليها، فيما بقي صباح خارج أثره لأنه كان بالغاً وقتها.
تنقل صباح بين الدوائر محاولاً تصحيح القيد، ورفض تجديد بطاقتها الوطنية حفاظاً على الوثائق القديمة المُسجلة فيها مسيحية. وسرعان ما طلقها زوجها خشية اضطراره إلى تغيير دينه.
طرقت العائلة أبواب كنائس عدة، وكان السفر خارج العراق الحل الذي عُرض عليها. يقول "فقدت الأمل، ولم أملك مالاً للهرب من هذه المحنة. تواصلت مع الأوقاف المسيحية، وأرسلت عشرات الرسائل عبر مواقع التواصل والمواقع الإلكترونية، حتى صفحة رئيس الجمهورية الذي يقدم نفسه حامياً للدستور، وخاطبت القنوات والدوائر الخدمية، وبقيت وحيداً من دون جواب".
ورداً على سؤال عن ضرر المادة (26) على القصّر من الأقليات، أقر العميد الحقوقي مناضل الساعدي، مدير إعلام المديرية العامة للأحوال المدنية والجوازات والإقامة، بأن تطبيق أحكام المادة (26) من قانون البطاقة الوطنية رقم 3 لعام 2016، يأتي في إطار التزام المؤسسات التنفيذية بإنفاذ القوانين والقرارات القضائية الصادرة عن المحاكم المختصة، مبيناً أن دور الأجهزة الخدمية يقتصر على تنفيذ الإجراءات الإدارية وفق الأطر القانونية المعتمدة.
ويضيف "وفي وقت نحرص فيه على احترام وسيادة القانون، فإننا ندرك تماماً التحديات الاجتماعية والإنسانية والأثر النفسي الذي قد يترتب على بعض الحالات، لا سيما لدى الفئات القاصرة".
ابن محروم من حق الحصول على الأطفال
يقول بولص إن ابنه جوزيف كان في الرابعة عام 1998، حين اعتنقت والدته الإسلام، فيما كانت شقيقاته الثلاث قاصرات. وظل الأبناء يجهلون ما ترتب على ذلك، حتى راجعت إحدى البنات دائرة أحوال دهوك لإكمال أوراق زواجها، فاكتشفت العائلة تغير قيودهم الدينية.
تمكن اثنان من الأبناء من استعادة ديانتهما بعد إجراءات طويلة، لأنهما كانا قد أتما الـ18 عند المراجعة، فيما رُفضت طلبات الاثنين الآخرين بعد بلوغهما. وعاقت كلفة المحامين والمتابعة قدرة بولص على ملاحقة جميع ملفات أولاده، بينما أكدت الكنيسة أن القرار خارج صلاحياتها، على رغم مخاطبة مسؤولين أكثر من مرة. كذلك أبلغتهم دوائر الأحوال المدنية باستحالة تعديل القيد. وكانت نصيحتهم الوحيدة هي الخروج من العراق.
أراد جوزيف، وهو الابن الذكر الوحيد، الزواج من فتاة مسيحية، لكن عائلتها رفضت بعد معرفتها بتسجيله مسلماً. وحاول، عندما بلغ الـ21، إعادة دينه، لكن مع رفض طلبه غادر العراق إلى لبنان عام 2020، وتزوج كنسياً من دون تسجيل رسمي. ويمتنع حتى اليوم عن إنجاب الأطفال خوفاً من تسجيلهم مسلمين عند تثبيتهم في العراق.
وتحمل شقيقته الأخرى هوية مزورة تثبت ديانتها المسيحية، استخرجتها مقابل المال لتسهيل سفرها وطلب الهجرة.
يقول الأب "كنت أريد بقاء ابني قربي، عوناً لي عند كبري بعد زواج شقيقاته، لكنهم حرموني منه. سافر منذ ستة أعوام، ولم يعد بعدها قط".
يقول مطران كنيسة المشرق الآشورية، مار أبرس يوخنا، إن المادة (26) دفعت بعض المسيحيين في العراق إلى الهجرة، فيما تفتقر الكنيسة إلى إحصاء دقيق بسبب إخفاء كثير من المتضررين قضاياهم خشية العار أو النبذ الاجتماعي.
انضم العراق إلى اتفاقية حقوق الطفل في الـ15 من يونيو (حزيران) 1994. وتنص مادتها الـ(14) على حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين، مع احترام حقوق وواجبات الوالدين أو الأوصياء القانونيين، في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.
وصدق العراق عام 1971 على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تكفل مادتاه الـ (18) والـ(27) حرية الفكر والوجدان والدين، وحق الأقليات في ممارسة دينها وثقافتها.
وفي تقريرها لعام 2025، أوصت اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية بوضع العراق على "قائمة المراقبة الخاصة"، بسبب هشاشة الحرية الدينية خلال عام 2024، وتهديد الفصائل المسلحة، وضعف حماية الأقليات، واستمرار قوانين تفرض تصنيفاً دينياً على "مُغيري الديانة" وأطفالهم القصّر.
"زواجك باطل وأبناؤك يجب أن يلحقوا دينك الإسلامي"
تعذر علينا التواصل مع راشيل، وقال زوجها إن الأثر النفسي للقضية لا يزال يلاحقها، ففوّض محاميها أكرم النجار بالحديث عنها.
كانت راشيل في الـ15 عندما أعلنت والدتها اعتناق الإسلام في محكمة دهوك بعد زواجها من رجل مسلم. وبقيت مسجلة مسيحية، وفي عام 2010، بعد بلوغها الـ19، تزوجت من سامي بطرس في الكنيسة، وصدّقت زواجها قانونياً، وأنجبت أطفالها بهذا القيد.
ظهرت المشكلة عند إصدار البطاقة الوطنية، حين عادت الدائرة إلى تاريخ إسلام والدتها وطلبت تسجيل راشيل مسلمة، بما يفرض إسلام زوجها في السجلات ويلحق الأطفال بالدين نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استند النجار في الدعوى إلى أن راشيل جددت وثائقها وتزوجت وأنجبت وهي مسجلة مسيحية، من دون أن تعلن إسلامها. وبدأ الزوجان معارك قانونية بين دهوك وأربيل وبغداد، أنفقا خلالها ملايين الدنانير، وفكرا في الهجرة إلى أستراليا.
وبعد نحو عامين، أصدرت محكمة دهوك قراراً لمصلحة راشيل، فقط بسبب خطأ إداري تمثل في غياب تبليغها بتغيير دينها عند مراجعة دائرة النفوس لتسجيل الزواج. وبقيت شقيقاتها مسلمات في السجلات. يقول النجار "هكذا يشق القانون العائلة الواحدة".
ظلّت أعداد الأقليات خارج الجداول الرسمية للتعداد العام، الذي اكتفى بسؤال عام عن الديانة. لذلك تستند تقديرات أعدادهم إلى تقارير دولية وحقوقية، من بينها تقرير لوزارة الداخلية البريطانية عام 2024، قدّر عدد المسيحيين بأقل من 150 ألفاً، مقارنة بنحو 1.5 مليون قبل عام 2003، فيما تضع تقديرات أخرى عددهم بين 200 و300 ألف. ويُقدّر عدد الإيزيديين بين 400 و500 ألف، والصابئة المندائيين بين 10 و15 ألفاً.
ويؤكد المطران مار أوا الثالث روئيل، أسقف دهوك ونينوى، أن بعض الأزواج يلجأون إلى إشهار الإسلام للتهرب من النفقة أو تقوية موقفهم في دعاوى الحضانة، مضيفاً أن تأخر الطلاق الكنسي يدفع بعض المحامين إلى اقتراح تغيير الدين كحل سريع، من دون احتساب توابعه على الأطفال "القانون غير صحيح، القاصر غير مؤهل لاتخاذ هذا القرار، فهو مفروض عليه، وانتهاك للطفولة".
ووفق المطران، لا تملك الكنيسة إحصائية رسمية بعدد المتضررين من المادة (26)، إذ يحجم كثر عن طلب المساعدة خشية الخجل أو الرفض، فيختار بعضهم الهجرة، في حين يفضّل آخرون إخفاء القضية والتعايش بهويتين، ويتساءل عن التناقض بين ما يكفله الدستور من حقوق ومساواة للمواطنين، وتشريعات يرى أنها تنتقص من هذه الحقوق بالنسبة إلى أتباع الديانات والطوائف الأخرى.
عائلة تعيش الطقوس المندائية في سجل إسلامي
كان وليد في الـ15 عندما اعتنقت والدته الإسلام عام 2006. وبعد خمسة أعوام، اكتشف أنه وشقيقيه يظهرون مسلمين في السجلات الرسمية، حين راجع دائرة الأحوال المدنية لتجديد هويته.
رفع دعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية في البياع ببغداد لإعادة قيده إلى الديانة الصابئية المندائية، لكن طلبه رُفض بسبب تجاوزه الـ18، على رغم محاولاته التي استمرت أكثر من عام واستعان خلالها بثلاثة محامين. وكان أحد شقيقيه قاصراً وقتها، وطُلب منه تقديم الدعوى فور بلوغه. وعندما فعل ذلك، رُفض طلبه أيضاً. ويرى وليد أن اختلاف التوقيت لم يغير النتيجة.
يعيش وليد داخل الطائفة الصابئية المندائية ويعمل في أحد مناديها. وأكد له رئيس الطائفة أن القيد الرسمي لا يخرجه من دينه. ويرتبط ذلك أيضاً بموقف ديني خاص لدى الصابئة المندائيين، إذ يحرم ختان الرجل ويخرجه من الطائفة، وبما أن وليد غير مختون، بقي معترفاً به صابئياً داخل جماعته.
تزوج وليد من امرأة صابئية وأنجب أربعة أطفال، غير أن الزواج سُجل في المحكمة وفق الأحكام الإسلامية، وسُجل أطفاله مسلمين، وهم يدرسون التربية الإسلامية على رغم ممارسة العائلة الطقوس المندائية. كذلك يتعذر عليه الحصول على إجازات الأعياد الدينية الخاصة بطائفته، لأن بياناته الرسمية تظهره مسلماً.
ويقلق وليد على مستقبل بناته عند الزواج، لأن أوراقهن تسجلهن مسلمات فيما يعشن داخل عائلة صابئية. ويقول "من سيتزوجهن بهذا الوضع؟ ومن سيقبل بتغيير دينه من أجلهن؟". وفكر في مغادرة العراق، غير أن رعاية والدته المسنة ومسؤوليات عائلته حالت دون سفره.
جرى استخدام أسماء مستعارة لجميع الأشخاص الواردة أسماؤهم في هذا التحقيق، حفاظاً على سلامتهم وخصوصيتهم.
أنتج هذا التحقيق بدعم من "أريج".