Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدينار الرقمي: ماذا يعني استبدال النقد الإلكتروني بالكاش في العراق؟

هذه الخطوة يمكن أن تخفض تكاليف الطباعة والنقل والحماية والتوزيع إضافة إلى إمكانية تسريع وصول الرواتب إلى المواطنين

لا يزال النقد الورقي في العراق يحتفظ بمكانة كبيرة في التعاملات اليومية سواء لدى المواطنين أو التجار أو بعض القطاعات الاقتصادية (أ ف ب)

ملخص

المقترح فتح نقاشاً يتجاوز مسألة دفع الرواتب، ليمتد إلى مستقبل النظام النقدي والمصرفي في العراق، ومدى قدرة البلاد على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الكاش إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المدفوعات الرقمية.

مع تصاعد الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة العراقية، وتراجع الإيرادات وتذبذب أسعار النفط، وعودة الحديث عن صعوبة توفير السيولة النقدية، برز مقترح اعتماد الدينار العراقي الرقمي كأحد الخيارات المطروحة لتسهيل دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.

المقترح الذي طرحه نائب رئيس كتلة "النهج الوطني" النيابية سعد العوادي، فتح نقاشاً يتجاوز مسألة دفع الرواتب، ليمتد إلى مستقبل النظام النقدي والمصرفي في العراق، ومدى قدرة البلاد على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الكاش إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المدفوعات الرقمية.

العوادي اقترح إطلاق الدينار العراقي الرقمي وتسهيل وصول الاستحقاقات المالية إلى الموظفين والمتقاعدين من خلال المحافظ المالية الموطنة، بما يسمح للمواطن باستخدام راتبه بصورة مباشرة في عمليات الشراء والدفع الإلكتروني، من دون الحاجة إلى انتظار توفر النقد الورقي في المصارف أو منافذ الصرف.

ويأتي هذا المقترح في وقت يواجه العراق تحديات مالية ونقدية متراكمة، من بينها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وارتفاع مستويات الدين الداخلي، وضعف استخدام وسائل الدفع الإلكتروني مقارنة بحجم التعاملات النقدية اليومية.

وبحسب العوادي، فإن أزمة السيولة الحالية لا تعود فقط إلى نقص الموارد، وإنما ترتبط أيضاً باحتجاز واكتناز العملة الورقية خارج المنظومة المصرفية، وهو ما يزيد الضغط على المصارف ومنافذ الصرف عند توزيع الرواتب والاستحقاقات المالية.

ويرى أن الاعتماد على دينار رقمي صادر عن البنك المركزي يمكن أن يقلل الحاجة إلى النقد الورقي، ويخفض تكاليف الطباعة والنقل والحماية والتوزيع، إضافة إلى إمكانية تسريع وصول الرواتب إلى المواطنين.

لكن المقترح، في المقابل، يطرح مجموعة واسعة من الأسئلة المتعلقة بقدرة القطاع المصرفي العراقي على استيعاب منظومة نقدية رقمية متطورة، ومدى جاهزية البنية التحتية التقنية، والتشريعات اللازمة، وأنظمة الأمن السيبراني، وقدرة البنك المركزي على مراقبة حركة الأموال والسيولة.

يرى خبراء اقتصاديون أن التعامل مع أزمة الكاش على أنها مشكلة تقنية فقط قد يقود إلى قراءة غير مكتملة للمشهد المالي العراقي.

فالسيولة النقدية ترتبط بمجموعة من العوامل، بينها حجم الإنفاق الحكومي، وحركة الأموال بين المصارف والمواطنين والشركات، ونسبة الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي، وثقة الجمهور بالمصارف، واستخدام وسائل الدفع الإلكتروني، فضلاً عن قدرة النظام المالي على إعادة تدوير الأموال داخل القطاع المصرفي.

وفي العراق، لا يزال النقد الورقي يحتفظ بمكانة كبيرة في التعاملات اليومية، سواء لدى المواطنين أو التجار أو بعض القطاعات الاقتصادية، مما يجعل أي انتقال سريع إلى منظومة رقمية بحاجة إلى تغيير تدريجي في سلوك المستخدمين.

كذلك فإن وجود منظومة دفع إلكتروني لا يعني بالضرورة أن المواطنين سيتخلون فوراً عن الكاش، ما لم تكن هناك شبكة واسعة من التجار ومقدمي الخدمات تقبل المدفوعات الإلكترونية، إلى جانب توفير أنظمة سهلة وآمنة وقليلة الكلفة.

ومن هنا، فإن الدينار الرقمي قد يكون جزءاً من الحل، لكنه لا يمكن أن يكون الحل الوحيد لأزمة السيولة.

ماذا يقول المقترح النيابي؟

العوادي يرى أن إطلاق الدينار الرقمي يمكن أن يسهم في تجاوز جزء من الاختناقات التي ترافق دفع الرواتب، خصوصاً عندما تكون الأموال متاحة في الحسابات لكن عملية تحويلها إلى نقد ورقي تواجه صعوبات مرتبطة بالسيولة أو عمليات السحب.

ووفق هذا التصور، يمكن إيداع الراتب بصورة رقمية في محفظة أو حساب مالي مرتبط بهوية المواطن، ثم استخدامه مباشرة في شراء السلع والخدمات أو دفع الفواتير والتحويلات.

هذا النموذج يمكن أن يقلل الحاجة إلى سحب الرواتب نقداً، ومن ثم يقلل الضغط على المصارف ومنافذ الصرف في أيام توزيع الرواتب.

كذلك يمكن أن يحد من تكاليف نقل الأموال وحمايتها، ويعزز قدرة الجهات المالية على تتبع حركة الأموال، وهو أمر يمكن أن يكون مهماً في مكافحة بعض صور غسل الأموال والاقتصاد غير الرسمي.

لكن تحقيق هذه النتائج يتطلب أن تكون الأنشطة الاقتصادية بمعظمها قادرة على استقبال المدفوعات الرقمية.

فإذا حصل الموظف على راتبه رقمياً، لكنه اضطر إلى سحب المبلغ بالكامل وتحويله إلى نقد حتى يتمكن من شراء احتياجاته اليومية، فإن الهدف الأساس من النظام لن يتحقق.

ولهذا فإن التحول الحقيقي لا يبدأ من إصدار الدينار الرقمي فقط، وإنما من بناء اقتصاد قادر على استخدامه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تنفيذ تدريجي ومدروس

يرى الخبير الاقتصادي نبيل الوائلي أن فكرة الدينار الرقمي يمكن أن تكون خطوة مهمة في مسار إصلاح النظام المالي العراقي، لكنها تحتاج إلى تنفيذ تدريجي ومدروس.

ويقول الوائلي إن أهم ميزة محتملة للدينار الرقمي تتمثل في تقليل الاعتماد على الكاش، خصوصاً في دفع الرواتب والمعاملات الحكومية، وهو ما يمكن أن يخفف الضغط عن المصارف ويقلل تكاليف التعامل مع النقد الورقي.

ويضيف أن العراق يمتلك فرصة لاستخدام مشروع العملة الرقمية كجزء من عملية أوسع لزيادة الشمول المالي، وإدخال شرائح أكبر من المواطنين إلى النظام المصرفي، خصوصاً أن نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي لا تزال تعتمد على النقد المباشر.

ويشير إلى أن نجاح التجربة يحتاج إلى ربط المصارف وشركات الدفع الإلكتروني ومؤسسات الدولة والتجار ضمن شبكة واحدة، بحيث يستطيع المواطن استخدام رصيده الرقمي في مختلف احتياجاته اليومية.

ويحذر الخبير في الوقت ذاته من التعامل مع الدينار الرقمي كونه علاجاً للعجز المالي، مؤكداً أن رقمنة الأموال لا تعني زيادة الموارد الحكومية.

فإذا كانت الحكومة تواجه فجوة في تمويل الرواتب، فإن تحويل الدينار من ورقي إلى رقمي لن يحل مشكلة العجز في حد ذاته، وإنما يمكن أن يحسن طريقة توزيع واستخدام الأموال الموجودة.

ويعتقد أن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في إصلاح البنية المالية على المدى الطويل، وليس في استخدامه كإجراء إسعافي قصير الأجل.

في حين، يرى الخبير المصرفي، ياسر المعموري أن التحدي الأكبر أمام الدينار الرقمي في العراق لا يتمثل في إصدار العملة في حد ذاته، وإنما في بناء الثقة والمنظومة التي تحيط بها.

ويقول إن المواطن لن يتخلى عن الكاش لمجرد توفير محفظة رقمية، وإنما يحتاج إلى ضمانات واضحة تتعلق بأمان أمواله، وخصوصية معاملاته، وإمكانية الوصول إلى رصيده في جميع الأوقات، ووجود شبكة واسعة من التجار والمؤسسات التي تقبل الدفع الرقمي.

ويضيف أن أي خلل تقني أو أمني في المنظومة يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على ثقة الجمهور بالمشروع، لذلك فإن الأمن السيبراني واستمرارية الخدمة يجب أن يكونا في مقدمة الأولويات.

التحول الرقمي ومكافحة غسل الأموال

المدفوعات الرقمية يمكن أن تمنح السلطات المالية قدرة أكبر على تتبع العمليات مقارنة بالنقد الذي يمكن تداوله خارج النظام المصرفي.

لكن في الوقت ذاته، فإن أي نظام رقمي واسع النطاق يحتاج إلى قواعد صارمة للتحقق من هوية المستخدمين ومراقبة العمليات المشبوهة وحماية البيانات.

كذلك الانتقال إلى الدينار الرقمي يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والرقابة على القطاع المالي.

من التحديات التي ينبغي أخذها في الاعتبار أيضاً الفجوة الرقمية بين شرائح المجتمع.

فليس جميع المواطنين يمتلكون المستوى نفسه من المعرفة بالتكنولوجيا، إضافة إلى أن بعض المناطق قد تكون أقل جاهزية من غيرها من حيث خدمات الإنترنت والاتصالات.

إضافة إلى أن كبار السن وبعض الفئات ذات الدخل المحدود قد يواجهون صعوبة في استخدام التطبيقات والمحافظ الرقمية.

لذلك، فإن التحول إلى الدينار الرقمي يجب ألا يؤدي إلى استبعاد المواطنين الذين لا يستطيعون استخدام التكنولوجيا بسهولة.

وقد يتطلب الأمر توفير بدائل ووسائل مساعدة، إلى جانب حملات توعية واسعة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير