ملخص
يسعى رئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام إلى توفير أماكن إضافية في السجون من خلال ترحيل سجناء أجانب والإفراج عن محتجزين بموجب عقوبة "السجن لحماية الجمهور"، وهي عقوبة غير محددة المدة صدرت بين 2005 و2012، وألغيت من دون أثر رجعي. فلا يزال 2271 شخصاً يقضونها في سجون إنجلترا وويلز وفق أرقام يونيو الماضي.
قال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) اليوم الأحد إن حكومته ستوفر أماكن إضافية في سجون إنجلترا وويلز، في إطار تعديل خطة الإفراج المبكر عن السجناء، عبر مسارين: تسريع ترحيل السجناء الأجانب، والإفراج عن بعض المحتجزين بموجب عقوبة "السجن لحماية الجمهور" المعروفة بـ"IPP"، وهي أحكام غير محددة المدة أثارت جدالاً متصلاً منذ صدورها.
وينقل هذا الكلام الملف من طور الدرس إلى الالتزام. ففي الرابع من أغسطس (آب)، حين أعلن بيرنهام تعديلات على خطة الإفراج المبكر بعد مراجعة عاجلة استمرت أسبوعين وقادها وزير العدل أليكس نوريس، اكتفى بالقول إنه كلف نوريس بحث ثلاثة مسارات لتحرير أماكن في السجون. وأوردت صحيفة "الغارديان" أن المسارات هي تسريع ترحيل المدانين الأجانب، وتقليص عدد النساء المسجونات بما يتيح تحويل أحد سجونهن إلى سجن للرجال، ومراجعة الأحكام غير المحددة المدة الصادرة في حق سجناء أقل خطورة.
شملت تعديلات الرابع من أغسطس تأجيل بدء العمل بالخطة من سبتمبر (أيلول) إلى مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، واستثناء المُدانين بالاغتصاب والجرائم الجنسية الخطرة ضد الأطفال وجرائم الاستدراج. وبحسب شرح نشره "معهد الحكومة" يعني ذلك تقلص عدد المشمولين بالخطة في الأشهر العشرة الأولى من نحو 6 آلاف إلى قرابة 5 آلاف.
غير أن المحتجزين بموجب هذه العقوبة ليسوا مشمولين بخطة الإفراج المبكر أصلاً. فالخطة، المستندة إلى قانون إصدار الأحكام لعام 2026، تسري على العقوبات المحددة المدة وحدها، واستثني منها نحو 18 ألف سجين، أي ربع نزلاء السجون تقريباً، بوصفهم يقضون عقوبات مؤبدة أو غير محددة أو ممددة. ومعنى ذلك أن أي إفراج عن هذه الفئة يحتاج إما إلى توسيع استخدام صلاحيات قائمة، وفي مقدمها آلية "المراجعة المقيمة للمخاطر" التي أتاحت لوزير العدل إعادة الإفراج عن المستدعين من دون العودة لمجلس الإفراج المشروط، وإما إلى تشريع جديد يمنح تواريخ خروج محددة أو يعيد النطق بالأحكام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استحدثت عقوبة السجن لحماية الجمهور "IPP"، بموجب قانون العدالة الجنائية لعام 2003، ودخلت حيز التنفيذ في أبريل (نيسان) 2005. صممت لحماية الناس من مدانين بجرائم عنف أو جرائم جنسية خطرة محددة، تعتبرهم المحكمة خطرين، لكن لا ترقى جرائمهم إلى السجن المؤبد، فتتكون العقوبة من شقين: مدة دنيا للعقاب والردع، ثم احتجاز مفتوح لا ينتهي إلا حين يقتنع مجلس الإفراج المشروط بأن بقاء الشخص في السجن لم يعد ضرورياً.
في 2008 عدل القانون ليجعل فرض العقوبة تقديرياً لا إلزامياً، وليقصرها على الحالات التي تبلغ فيها المدة الدنيا سنتين في الأقل. ثم ألغيت في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2012 بموجب قانون المعونة القضائية وإصدار الأحكام ومعاقبة الجناة، بعدما تبين أنها استخدمت على نطاق أوسع مما قصده المشرع وبمدد دنيا قصيرة في حالات كثيرة، لكن الإلغاء لم يسر بأثر رجعي، فبقي كل من صدر بحقه الحكم خاضعاً له.
وفق منظمة "UNGRIPP" استناداً إلى أرقام وزارة العدل، صدرت 8711 عقوبة "السجن لحماية الجمهور" بين 2005 و2013، بينها 249 في حق نساء و326 في حق أطفال. وتوزعت على 107 أنواع من الجرائم، أبرزها 35 في المئة لجرائم عنف، ونحو 28 في المئة لجرائم جنسية، وما يقارب 22 في المئة للسطو، و5 في المئة لإضرام النار، و2.7 في المئة لاستيلاء على الممتلكات، ومثلها تقريباً لحيازة أسلحة. وتقدر المنظمة أن نحو 70 شخصاً نالوا العقوبة عن جرائم لا تتيح اليوم السجن المؤبد حتى بوصفه عقوبة قصوى.
وبلغ عدد المحتجزين تحت هذا العنوان ذروته عند أكثر من 6 آلاف في 2012، ثم 5040 في يونيو (حزيران) 2015، وتراجع إلى 2329 في مارس (آذار) 2026، ثم إلى 2271 في يونيو الماضي، بينهم 856 لم يفرج عنهم قط. ويضاف إليهم 207 أشخاص كانوا محتجزين في مستشفيات مؤمنة في نهاية ديسمبر 2025.
تغيرت تركيبة غير المفرج عنهم أبداً تغيراً جذرياً. ففي مارس 2011، كان 27 في المئة مدانين بجرائم جنسية، و37 في المئة بجرائم عنف. أما في يونيو 2025 فأصبح 42 في المئة مدانين بجرائم جنسية، مقابل 31 في المئة بالعنف. وتعلق دائرة السجون على ذلك بأنه يشير إلى أن المدانين بجرائم جنسية قد يواجهون صعوبات خاصة في التقدم نحو الإفراج.
والإفراج ليس تلقائيا، بل يمر حصراً عبر هيئة مستقلة تسمى "مجلس الإفراج المشروط". ويصبح السجين مؤهلاً للمراجعة بعد انقضاء مدته الدنيا، ومن حقه مراجعة كل سنتين في الأقل، وقد عدلت دائرة السجون إطار العمل في فبراير (شباط) 2025 ليصير الأصل ألا تتجاوز الفترة بين المراجعات 18 شهراً. وظلت نسبة الجلسات الشفهية التي تنتهي بقرار إفراج مستقرة عند نحو 44 في المئة خلال خمس سنوات، فيما تراجع عدد جلسات المراجعة الأولى من 1317 في 2018 إلى 624 في 2025.
وتفيد أرقام "UNGRIPP" بأن 99 في المئة ممن لم يفرج عنهم قط تجاوزوا مدتهم الدنيا، وأن 80 في المئة أمضوا أكثر من 10 سنوات فوقها. ومن أصل 896 لم يفرج عنهم في مارس الماضي، كان 693 قد أمضوا 10 سنوات أو أكثر بعد انقضاء المدة الدنيا، بينما لم يستكمل ثلاثة أشخاص فقط مدتهم الأصلية. وتضيف المنظمة أن 156 شخصاً كانت مدتهم الدنيا أقل من سنتين، وأنهم أمضوا 14 سنة في الأقل خلف القضبان.
ولا تنتهي العقوبة بالخروج من السجن، إذ يبقى المفرج عنه تحت "حق مفتوح" للدولة بإعادته إلى الحبس في أي وقت. وفي يونيو الماضي كان 62 في المئة من المحتجزين قد عادوا إلى السجن بعد إفراج سابق، فيما تفيد "UNGRIPP" بأن 81 في المئة من حالات الاستدعاء لم تتضمن ارتكاب جريمة جديدة بل مخالفة شروط الإفراج.
أدخل قانون الضحايا والسجناء لعام 2024 تعديلات جوهرية على هذا الشق، إذ خفض مدة التأهل لإنهاء "حق الدولة بسجن المفرج عنهم ثانية" من 10 سنوات بعد الإفراج الأول إلى ثلاث، واستحدث إنهاء تلقائياً، ومنح وزير العدل صلاحية إعادة الإفراج عن المستدعين. تراجع عدد الخاضعين للعقوبة في المجتمع بنحو 69 في المئة، من 3246 شخصاً في يونيو 2022 إلى 891 في ديسمبر 2025. وفي المقابل، لم تتجاوز قرارات إعادة الإفراج عبر الآلية الجديدة 50 قراراً بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 وسبتمبر 2025، وفق تقرير برلماني.
في شكوى قدمت بالنيابة عن 5 سجناء هذا العام، اعتبر فريق أممي متخصص عقوبة "IPP" تعسفية، وخلص في يوليو (تموز) الماضي إلى أنه لا أساس قانوني لاستمرارها بعد انقضاء المدة الدنيا، وأن مجلس الإفراج المشروط لا يوفر آلية فعالة للطعن في مشروعية الاحتجاز، والمشتكون يستحقون تعويضا بعدما أمضوا مجتمعين قرابة 87 سنة في السجن، وبينهم رجل توفي في الحبس العام الماضي عن 34 سنة.
سبق ذلك في الـ16 من يوليو نداء وجهه ثلاثة مقررين أمميين خاصين لإطلاق برنامج عاجل لإعادة النطق بالأحكام، محذرين من دورة "عقاب مفرط واستدعاء متكرر وتدهور في الصحة النفسية وتضاؤل في الأمل". وقد أنهى 96 شخصاً حياتهم في السجن وهم يقضون عقوبة "السجن لحماية الجمهور"، بينهم تسعة في 2023 وأربعة في 2024 وشخصان في 2025.
الحكومات البريطانية المتعاقبة، تتمسك بحجة واحدة تكررها في ردودها المكتوبة: إعادة النطق بالأحكام ستؤدي في الأرجح إلى الإفراج عن معظم المحتجزين من دون أي إشراف على مراقبتهم، على رغم أن مجلس الإفراج المشروط رأى سابقاً وجوب بقائهم في الحبس لحماية الجمهور. وهي حجة ساقها الوزير السابق اللورد تيمبسون حين رفض المطلب، ووصفها المدافعون عن السجناء بأنها "ترويع"، مؤكدين أن البرلمان يستطيع أن يشرع ما يشاء من ضمانات وتدرج وإشراف.
يضاف إلى ذلك أن 42 في المئة من الفئة التي لم يفرج عنها قط مدانون بجرائم جنسية، وأن مراجعة داخلية أجرتها دائرة السجون على عينة تمثل 12 في المئة من هذه الفئة وجدت مستويات مرتفعة من الاضطرابات النفسية وصعوبات السلوك في الحبس. وفي المقابل، تفيد الأرقام الرسمية بأن الجرائم الخطرة اللاحقة نادرة، إذ تقل عن 0.5 في المئة بين مجمل الخاضعين للإشراف القانوني.