Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ركام غزة يتحول إلى ثروة... ماذا تستفيد إسرائيل من الأنقاض؟

تحول قرار إلزامها بتمويل عمليات الإزالة إلى صفقة بمليارات الدولارات لشركاتها وأداة لسحق رفات آلاف المفقودين خلف "الخط الأصفر"

تحولت جبال الأنقاض من مجرد مخلفات حرب إلى ملف تفاوضي ساخن تصدر المحادثات السياسية (أ ف ب)

ملخص

على جانب الطريق، يقف المواطن الغزي منذر مذهولاً، يبحث بأصابعه الدامية بين الأنقاض عن بقايا مدخرات عمره، وعن خيط أمل يرشده إلى رفات ابنه الذي ما زال مفقوداً تحت الركام، لكن الجرافات العسكرية المصفحة تتقدم أمامه لتجرف حجارة البيوت خلف الخط الأصفر بقوة، تاركة إياه يعمل عاجزاً من دون أدوات.

ما إن وضعت الحرب أوزارها وصمتت أصوات الانفجارات التي هزت غزة لشهور طويلة، حتى بدأ هدير محركات الجرافات الإسرائيلية العملاقة يعيد رسم جغرافيا القطاع، عبر نقل ركام مباني الغزيين التي دمرتها تل أبيب إلى الأراضي الإسرائيلية.

تتحرك بانتظام يومياً طوابير طويلة من الشاحنات والآليات الهندسية الضخمة، محملة بآلاف الأطنان من أنقاض البيوت والمستشفيات والمنشآت الحكومية التي سحقت خلال العمليات العسكرية، لتسير بها في مسارات عسكرية مجهزة نحو وجهاتها.

على جانب الطريق، يقف المواطن الغزي منذر مذهولاً، يبحث بأصابعه الدامية بين الأنقاض عن بقايا مدخرات عمره، وعن خيط أمل يرشده إلى رفات ابنه الذي ما زال مفقوداً تحت الركام، لكن الجرافات العسكرية المصفحة تتقدم أمامه لتجرف حجارة البيوت خلف الخط الأصفر بقوة، تاركة إياه يعمل عاجزاً من دون أدوات.

لا يفهم منذر لماذا تأخذ الآليات الإسرائيلية ركام غزة، ومن خولها بذلك، ولا يعرف ماذا تريد تل أبيب من الحجارة التي دمرتها بنفسها، إذ يجهل تماماً أن ما يجري فوق تراب بلاده جاء تنفيذاً لترتيبات سياسية دولية معقدة.

فعقب توقف القتال العنيف في غزة تنفيذاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام والازدهار، تحولت جبال الأنقاض من مجرد مخلفات حرب إلى ملف تفاوضي ساخن تصدر المحادثات السياسية، وكان ذلك بعدما ألزمت الولايات المتحدة إسرائيل بتمويل نقل هذا الركام في قرار أثار كثيراً من التساؤلات حول أسبابه ومشروعيته والهدف الحقيقي من وراء تفريغ غزة من أنقاضها.

صدمة التكليف

هذا القرار لم يأت من فراغ أو كبادرة حسن نية أميركية، بل كان نتيجة لـ"فيتو" مالي صارم فرضته الدول العربية والجهات المانحة الدولية، والتي وضعت شرطاً واضحاً وموحداً أمام واشنطن وتل أبيب "من دمر عليه أن يدفع".

وتجسد هذا الموقف في التصريح الذي أطلقه رئيس الوزراء القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، خلال منتدى الدوحة، حين قال علناً أمام المجتمع الدولي "لن نوقع شيكات على بياض لإعادة بناء ما دمره شخص آخر".

هذا الرفض وضع واشنطن في مأزق حقيقي، فلا توجد أموال دولية مستعدة للتدفق لإزاحة جبال الأنقاض، ولا يمكن بدء أية خطة تسوية سياسية بينما الركام يغلق الشوارع والمحاور الحيوية.

وأمام هذا الانسداد، لم تجد الإدارة الأميركية خياراً سوى إلزام حليفتها إسرائيل بمبدأ المسؤولية القانونية والمادية كقوة احتلال، بموجب اتفاق جنيف الرابع. ولمنح هذا الإلزام قوة تنفيذية على الأرض، أسست واشنطن "مجلس السلام" ليعمل كسلطة حوكمة وإدارة انتقالية لقطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب بموجب التفويض الصادر عن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.

 

هذا القرار منح المجلس صلاحيات قانونية وتنفيذية واسعة جعلته "المسؤول الأول والشرعي" عن ملف الركام، وتلخصت أولى مهامه في اعتبار الأنقاض ممتلكات عامة خاضعة للإشراف الموقت للمجلس، وتخويله بإصدار وتوقيع عقود العمل للشركات الهندسية الدولية والمحلية لتنظيف القطاع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وأثناء الإعلان الرسمي للبدء في خريطة الطريق التنفيذية لخطة السلام والازدهار، ألزم الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام" في قطاع غزة نيكولاي ملادينوف، إسرائيل بفتح المسارات وبدء خطة معالجة الركام، معلناً انطلاق العمل رسمياً عبر مشروع تجريبي في مدينة رفح جنوب القطاع.

هذا القرار فجر غضباً وتخبطاً حاداً داخل الحكومة الإسرائيلية، إذ نقلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن "الولايات المتحدة باتت تركز في محادثاتها عبر (مجلس السلام) على ملف إعادة الإعمار وإزالة الأنقاض والتمويل، كأولوية تسبق الترتيبات الأخرى".

وأكد المبعوث الأميركي الخاص توم براك، أثناء نقاشاته في تل أبيب أن "تنظيف الأنقاض شرط إلزامي للانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام"، وتحت وطأة هذا الضغط وافق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) "مبدئياً" على تحمل الكلفة التشغيلية الأولية للعملية الهندسية.

لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعلى رغم موافقته المبدئية، حاول المناورة واشترط نزع السلاح أولاً، قائلاً "أسمع الأصوات التي تطالبنا بالسير في إزالة الركام والإعمار بتمويلنا قبل التجريد الكامل للسلاح، هذا لن يحدث، والجيش سيواصل السيطرة عسكرياً".

وفي سياق متصل، خرجت وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغيف لتؤكد رغبة تل أبيب في رفع الركام، وقالت إن "إزالة الأنقاض وأعمال البناء يمكن أن تبدأ في أي منطقة في غزة ليست تحت سيطرة ’حماس‘، نحن نريد لغزة أن تتعافى، ولكننا نشرف على حركة هذه المواد".

أما في غزة، فإن غياب القدرة اللوجيستية يفرض كلمته الأخيرة، فالحرب التي سحقت جرافات وشاحنات البلديات تماماً، جعلت إلقاء هذه المهمة الهائلة على عاتق الغزيين، كالمواطن منذر، أمراً مستحيلاً من الناحية التقنية والعملية.

بيانات الركام

الحجر في غزة يتحدث اليوم بلغة أرقام غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة، فبحسب أحدث البيانات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تجاوز حجم الركام والأنقاض المتراكمة في عموم قطاع غزة حاجز الـ61 مليون طن.

وتشير إحصاءات مركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية (يونوسات) إلى أن الحرب تسببت في تدمير وتضرر نحو 81 إلى 84 في المئة من إجمال مباني القطاع، مخلفةً ما يزيد على 198 ألف مبنى متضرر، بينها أكثر من 123 ألف مبنى سُحقت تماماً وسُويت بالأرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مدينة رفح وحدها، يقدر حجم الركام بأكثر من 9 ملايين طن من الأنقاض المتكدسة في الشوارع والأحياء، وبموجب خطط "مجموعة عمل إدارة الركام" الأممية، فإن عملية إزالة هذه الأنقاض بالكامل وفتح الطرقات ستستغرق ما بين سبعة إلى 14 عاماً متواصلاً من العمل اليومي، بشرط دخول مئات الشاحنات والكسارات الحديثة بانتظام.

وتقدر الكلفة المبدئية لمجرد إزالة ورفع الركام وفتح الطرق للتعافي المبكر بنحو 600 مليون إلى مليار دولار أميركي، في حين تقف كلفة إعادة الإعمار الشاملة عند عتبات فلكية.

أمام هذه الملايين من أطنان الركام المتروكة، لم تتحرك الجرافات والآليات الإسرائيلية لخدمة هذا المخطط الأممي، بل تحركت بدوافع عسكرية وأمنية، إذ تركزت عمليات التجريف والنقل التي نفذها الجيش حصرياً في المساحات الواقعة خلف "الخط الأصفر".

أنجزت الآليات الإسرائيلية مسحاً شاملاً وجرفاً كاملاً لأحياء سكنية بأكملها كانت تحيط بـ"محور نتساريم" و"محور فيلادلفي" والشريط الحدودي لمدينة رفح.

الاتفاق الرسمي

جرى تأطير قضية الأنقاض ضمن مسار قانوني وتنفيذي دقيق عُرف بـ"خريطة طريق خطة السلام والازدهار"، هذا المسار أفرز اتفاقات وُقعت برعاية وإشراف مباشر من الولايات المتحدة وبضمانة إقليمية ثلاثية قادتها مصر وقطر وتركيا.

وينص هذا الاتفاق الإطاري على ثلاثة بنود جوهرية، أولها إلزام إسرائيل رصد ومصادقة موازنة تشغيلية أولية تبلغ مئات ملايين الشواكل تدفع لمصلحة الصناديق المشرفة كجزء من التزامها كقوة متسببة بالدمار.

وثانياً، نص البروتوكول على ألا يبدأ العمل عشوائياً في كامل القطاع، بل عبر مشروع تجريبي محدد ومحصور جغرافياً في مدينة رفح جنوباً، وتحديداً في حي تل السلطان والشريط الحدودي الخاضع لسيطرة الجيش. واعتبر هذا النموذج اختباراً ميدانياً لمدى قدرة الآليات المشتركة على تفكيك أكثر من 9 ملايين طن من الأنقاض في هذه المنطقة تمهيداً للانتقال إلى بقية المحافظات.

 

عقب توقيع ميثاق "مجلس السلام"، قال رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث "هذه الخطوات وبدء العمل من رفح يمثلان إشارة واضحة بأن غزة لم تعد مغلقة أمام المستقبل والعالم، وأنها المدخل الحقيقي لاستعادة الخدمات الأساس ومسار الإغاثة والتعافي المبكر".

منح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تفويضاً حصرياً ومطلقاً لإدارة الشق الفني على الأرض، وجرى تعزيز هذا التفويض باتفاقين دوليين بارزين، الأول مع الاتحاد الأوروبي بقيمة 15 مليون يورو (17.53 مليون دولار) جرى توقيعه لدعم عمليات الإزالة الطارئة وتطوير القدرات الجنائية والطب الشرعي للتعرف على رفات الضحايا المستخرجة من تحت الركام بطرق كريمة. والثاني اتفاق الحكومة اليابانية (بقيمة 9.1 مليون دولار) لتوسيع عمليات رفع الأنقاض وفتح الطرق الحيوية للمدنيين.

وقد حدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي آلية واضحة للتعامل مع ركام البيوت، تبدأ بالفرز الموقعي الدقيق وفصل المعادن وحديد التسليح، مع منح الأولوية القصوى لاستخراج جثامين المفقودين ومن ثم إعادة التدوير المحلي.

يوضح ملادينوف قائلاً "إذا نظرنا إلى عشرات الملايين من أطنان الركام التي يجب إزالتها، وإلى أكثر من مليون شخص يحتاجون إلى مأوى دائم، فإن هذه الآلية والعمل في غزة هما الأساس، وبكل المقاييس نحن أمام مهمة إنشائية وإنسانية تحتاج إلى عمل يمتد لجيل كامل".

الانقلاب على الاتفاق

على رغم الدقة التي حملتها نصوص اتفاق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن الواقع على الأرض سرعان ما اصطدم بحائط القيود، فالبند المقدس في الاتفاق، والذي ينص على "إعادة التدوير المحلي داخل قطاع غزة" لتحويل الأنقاض إلى مواد بناء تدعم إيواء النازحين وتعبيد الشوارع المدمرة، ظل حتى اللحظة مجرد حبر على ورق.

لم تلتزم إسرائيل بالمسار الفني وحظرت دخول الكسارات الهيدروليكية الضخمة وآلات فصل المعادن والمعدات الهندسية الحديثة، وتتذرع تل أبيب في منعها بأسباب أمنية تدعي فيها أن هذه المواد والآلات تصنف تحت بند المواد مزدوجة الاستخدام.

وثقت منظمة "مسلك" الحقوقية في تقرير لها، أن "إسرائيل تواصل فرض حصار خانق وتمنع دخول آلاف المنتجات الأساس اللازمة لإعادة الإعمار والخدمات والبلديات تحت مظلة سياسة المواد مزدوجة الاستخدام، وغياب الشفافية الكامل في هذه القوائم خلق حالاً من الفوضى والتعطيل المتعمد للمشاريع الإنسانية".

وصادرت إسرائيل الركام بدلاً من ترك الأنقاض ليستفيد منها أصحابها في بناء غرف إيواء موقتة، وتحركت الشاحنات لتنقل الحجارة المفتتة إلى تل أبيب. ورصد التقرير الصادر عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ذلك، وجاء فيه أن "الجيش الإسرائيلي بالتعاون مع مقاولين مدنيين ينفذ عملية واسعة وممنهجة لجرف الركام ونقله خارج القطاع بمعدل 100 شاحنة يومياً من المناطق الخاضعة لسيطرته، هذا الإجراء لا يمثل فقط طمساً لأدلة الإبادة الجماعية ورفات الضحايا، بل يمثل سرقة وحرماناً للفلسطينيين من ممتلكاتهم وحقهم في قيادة عمليات تدوير وإعادة إعمار بلادهم محلياً".

ويعقب ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ثابت مراديك "طواقمنا تجري محاولات محدودة بالتعاون مع عمال فلسطينيين في فرز وطحن كميات محدودة جداً من الركام لاستخدامها في تأهيل شوارع فرعية ومساحات لمطابخ مجتمعية ومراكز إيواء، لكن العمل يواجه خطورة هائلة وبطئاً شديداً نتيجة الأخطار الميدانية والقيود المفروضة على المعدات، والوجود في خطوط القتال".

جغرافيا الخط الأصفر

في الواقع، لا تقوم إسرائيل بتنظيف غزة بكامل أحيائها بل تنحصر حركة شاحناتها وآلياتها الهندسية في مساحات جغرافية مرسومة بدقة تعرف بغزة الشرقية، وهي المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر".

يشمل هذا الخط بنطاقاته الأمنية ما بين 53 إلى 66 في المئة من المساحة الإجمالية لقطاع غزة، في هذه المساحة الشاسعة المقتطعة، يتحرك المقاولون والآليات العسكرية الإسرائيلية بحرية كاملة، إذ يجرفون ركام المنازل المدمرة وينقلونها بانتظام بمعدل 100 شاحنة يومياً نحو الأراضي الإسرائيلية من دون رقابة مستقلة أو تنسيق مع الطواقم الإنسانية.

يقول متحدث بلدية غزة حسني مهنا، إن "القوات الإسرائيلية تواصل بصورة دورية ومتعمدة تحريك الخط الأصفر وإزاحته نحو الغرب والعمق، مستخدمة مكعبات إسمنتية صفراء ضخمة لتطويق مساحات جديدة وسلب ركامها".

ويضيف "عملية إزالة الركام داخل المناطق الخاضعة لإسرائيل خلف هذا الخط تتم من دون إشراف أو رقابة دولية، في وقت تمنع إسرائيل طواقم الدفاع المدني والبلديات من الوصول إلى تلك النطاقات للبحث عن آلاف المفقودين تحت الأنقاض أو توثيق الأدلة الجنائية للمجازر".

 

في مناطق تجمع الغزيين في غزة الغربية المكتظة والنازحين، ترفض إسرائيل بصورة قاطعة اقتراب جرافاتها أو شاحناتها لرفع الأنقاض التي تغلق الشوارع وتتسبب في انتشار الأوبئة والقوارض، تاركة جبال الدمار معلقة.

تربط تل أبيب الانتقال إلى مرحلة تنظيف ركام غزة الغربية والبدء بإعادة الإعمار الحقيقية بشروط سياسية وعسكرية بالغة التعقيد، تضع في مقدمها التجريد الكامل والفعلي لسلاح حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية، وتطبيق الشروط الأمنية الصارمة لخطة السلام.

يقول الباحث العسكري حمدان الجعبري إن "إزالة الركام وتجريفه من قبل الجيش الإسرائيلي لا يتعلق بجهود إنسانية، بل هو إعادة تشكيل للميدان بما يخدم السيطرة العسكرية وتأمين خطوط الرصد والتحرك للدبابات".

ويتابع "في حرب المدن، الركام والمنشآت المدمرة ليست عناصر ثابتة، بل تتحكم في قدرة القوات على الاحتماء والرصد، لذلك تحرص إسرائيل على تسوية مناطق الخط الأصفر بالكامل لتأمين قواتها، بينما تترك ركام المناطق المكتظة عائقاً جغرافياً يشل حركة الفلسطينيين، ويوظف كورقة تفاوضية لفرض بند نزع السلاح بالقوة".

ماذا تستفيد إسرائيل؟

الغريب في الأمر أن الجيش ينقل يومياً ركام غزة على رغم غضب إسرائيل المعلن، وهذا يطرح تساؤلات تدور حول، لماذا وافقت تل أبيب على نقل الركام بتمويلها، وما الفوائد والمكاسب التي تجنيها من حجارة دمرتها بنفسها؟

عندما وافق المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) على تحمل الكلفة التشغيلية، اشترطت الحكومة الإسرائيلية أن تمنح شركات المقاولات والهندسة المدنية في تل أبيب الأولوية المطلقة في الفوز بالمناقصات والعطاءات التي يطرحها "مجلس السلام" لتهيئة القطاع.

بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن "شركات إسرائيلية كبرى دخلت بالفعل في مفاوضات متقدمة لإجراء عمليات هدم واسعة النطاق للمباني الآيلة للسقوط ونقل ركام غزة، مما يضمن تدفق مئات ملايين الدولارات من أموال الدعم الدولي مباشرة إلى خزائن قطاع المقاولات الإسرائيلي قبل بدء الإعمار الفعلي".

على الصعيد العملي، بدأ الجيش الإسرائيلي بطحن ركام المباني الحكومية والخرسانة المسلحة بصورة فورية لاستخدامها في منشآته الأمنية حول القطاع وداخله إذ يحولها إلى طرق متينة تسير عليها الدبابات والآليات الثقيلة. فضلاً عن ردم مياه الساحل لتوسيع الأرصفة البحرية والألسنة الاصطناعية التي تضمن لإسرائيل السيطرة التامة على واجهة غزة البحرية ومنافذها اللوجيستية.

في الواقع، يمثل الركام في المفهوم الصناعي ثروة مجانية ضخمة، إذ تشغل الشركات الإسرائيلية تحت حماية الجيش أكثر من 400 آلية للحفر والهدم والتكسير خلف الخط الأصفر، وتقوم هذه الآليات بفرز الأنقاض واستخراج ملايين الأطنان من حديد التسليح والألمنيوم والنحاس المستخلص لشحنها وصهرها في المصانع الإسرائيلية وإعادة بيعها، بينما تطحن الحجارة الخرسانية لتحويلها إلى حصى ينقل عبر الشاحنات، ويستخدم لردم المناجم والمحاجر القديمة المهجورة في صحراء النقب لأسباب بيئية واستصلاحية.

هذا الاستغلال لثروة الأنقاض وثقه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان وجاء في تقريره "رصدنا إزالة وتفتيت ونقل ما لا يقل عن 10 ملايين طن من الركام حتى الآن من مواقعها الأصلية داخل غزة بواسطة شركات مدنية إسرائيلية، الركام المنقول يحوي ممتلكات ومواد بناء أساس تعود للفلسطينيين، وإخراجها خارج القطاع من دون تعويض أصحابها أو فرزها تحت رقابة مستقلة يشكل عملية مصادرة ونهب علني محظور دولياً بموجب قوانين الحرب".

لماذا يغلي الشارع الغزي؟

بالنسبة إلى الشارع الغزي فإنه يغلي من نقل أنقاضه لإسرائيل، لأن الركام الذي تجرفه الشاحنات الإسرائيلية بانتظام ليس مجرد حجارة وإنما مخازن لذاكرة حية ومقابر جماعية.

تعيش آلاف العائلات في غزة صدمة نفسية مروعة وهي تتابع آليات إسرائيل تطحن ركام بيوتها، فهم يعلمون يقيناً أن تحت هذه الأنقاض ترقد جثامين أكثر من 10 آلاف مفقود لم تتمكن الطواقم المحلية من انتشالهم طوال أشهر الحرب بسبب نقص المعدات.

يقول المتحدث باسم المديرية العامة للدفاع المدني في غزة محمود بصل، إن "ما تفعله آليات الجيش الإسرائيلي بركام غزة هو جريمة طمس لمعالم الإبادة وإلغاء لكرامة الضحايا، فالركام يضم رفات آلاف الأطفال والنساء، وجرفه بالبلدوزرات العسكرية وطحنه يحول عظام أحبابنا إلى مواد لرصف طرق دباباتهم".

بنبرة باكية تقول سماح "البيت الذي هدموه لم يكن مجرد جدران، كان شقاء عمر زوجي وأولادي، كنا نأمل في أن نعود لنستخرج ذهب بناتي المفقود وأوراقنا الرسمية، لكن الجرافات الإسرائيلية جاءت ومسحت كل شيء ونقلت الحجارة بالشاحنات، والآن لا أعرف حتى أين كانت حدود غرفتي، لقد سرقوا ماضينا ويحاولون سرقة مستقبلنا في هذه الأرض".

أما حازم اليازجي فيقول "يريدون إقناعنا بأنهم ينظفون الشوارع، لكنهم في الحقيقة يطحنون عظام أطفالنا، كيف يسمح المجتمع الدولي ومجلس السلام لآليات الجيش الإسرائيلي بنقل الأنقاض من دون فرزها، إنهم يسرقون منا حتى حقنا في دفن أطفالنا بكرامة وإقامة شاهد قبر يضم رفاتهم".

تنظر الفصائل الفلسطينية والمنظمات الحقوقية بريبة شديدة إلى محاولات تفريغ غزة من أنقاضها ومسح أحيائها بالكامل وتحويلها إلى أراضٍ رملية قاحلة، يقول عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" غازي حمد إن "إقدام قوات الجيش الإسرائيلي على جرف ونقل ركام البيوت والمنشآت في غزة إلى الداخل هو جريمة سطو مسلح موثقة، والهدف منها ليس تنظيف الأرض كما يزعمون، بل طمس معالم الجرائم والمجازر الوحشية وإخفاء جثامين آلاف الشهداء والمفقودين تحت الأنقاض للإفلات من العقاب الدولي".

من جانبه، يقول رئيس بلدية غزة يحيى السراج إن "قيام الآليات الإسرائيلية بإزالة الأنقاض والركام بصورة منفردة، ومن دون تنسيق أو إشراف من بلدية غزة يمثل تدميراً كاملاً للمخططات الهيكلية للمدينة وسجلات الملكية العقارية للمواطنين".

وتابع السراج "بصفتنا هيئة محلية مسؤولة، نؤكد أن جرف أساسات البيوت المدمرة يمحو الحدود الفاصلة بين الشوارع والأملاك الشخصية، مما سيخلق نزاعات عقارية هائلة مستقبلاً ويعوق أي جهود حقيقية لإعادة الإعمار، ونحن نطالب بتمكين طواقمنا المحلية فوراً من تسلم هذا الملف وتدوير الأنقاض محلياً لمصلحة المواطنين دافعي الثمن".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير