ملخص
تحولت مصر إلى ساحة جديدة للتنافس الأميركي - الصيني على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بعدما قدمت شركة "هواوي" عرضاً لبناء مراكز بيانات مخصصة للحكومة المصرية وتزويدها رقائق متطورة في وقت تحركت فيه واشنطن لإعداد عرض منافس. يضع هذا السباق القاهرة أمام فرص لجذب استثمارات وتكنولوجيا متقدمة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، لكنه يطرح سؤال السيادة الرقمية ومدى قدرة مصر على التحكم في بياناتها وبنيتها التحتية وقراراتها.
عندما زار الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا" الأميركية جينسن هوانغ، بكين خلال قمة الرئيسين ترمب - شي في مايو (أيار) الماضي، ذهب لتناول الطبق الشعبي المعروف "تشاجيانغميان"، وهناك تجمع حوله المارة وكأنه نجم هوليوودي، ومع ذلك فإن شهرته لم تترجم إلى نجاح في بيع رقائق "إنفيديا" المتقدمة في الصين، ليقر هوانغ لاحقاً بأن الولايات المتحدة فقدت تفوقها في سوق رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة داخل الصين لمصلحة المنافسين الصينيين مثل "هواوي".
المشهد في مايو الماضي هو جزء من سباق أوسع بين القوتين الأميركية والصينية في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والذي تحولت مصر فيه أخيراً إلى ساحة للتنافس، بعدما تقدمت شركة "هواوي تكنولوجيز" الصينية بعرض للحكومة المصرية لبناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، مخصصة للبنية الحكومية، وينطوي على تصدير أكثر من 1400 من أحدث رقائقها الإلكترونية المتطورة من سلسلة "Ascend 950" لإنشاء سحابة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
التكنولوجيا الأميركية تساوي الدولار
العرض الصيني أثار تحركاً أميركياً سريعاً. فوفق شبكة "بلومبيرغ" الأميركية، سرعان ما تواصلت وزارة الخارجية الأميركية مع "إنفيديا" و"مايكروسوفت" و"أدفانسد مايكرو ديفايسز - أي أم دي"، لبحث تشكيل تحالف أميركي يقدم عرضاً منافساً لرقائق الذكاء الاصطناعي التي طرحتها "هواوي". وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن "مصر واحدة من عشرات الدول التي نناقش معها مسألة الريادة الأميركية في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي". وأضاف أن الذكاء الاصطناعي الأميركي "يعود بالنفع على العالم"، وأن الولايات المتحدة "مستعدة للشراكة مع الدول في تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي بما يحترم السيادة ويعزز القدرات".
ووفق الصحافة الأميركية، فإن واشنطن أبلغت العالم بأن استخدام بعض وحدات التسريع الخاصة بشركة "هواوي" من دون الحصول على موافقتها قد يعرض المستخدم لعقوبات قانونية، غير أنه من غير المعروف ما إذا كان المسؤولون الأميركيون ناقشوا هذه المسألة مع الجانب المصري. وبطبيعة الحال، فإن شحنات رقائق الذكاء الاصطناعي المتجهة إلى مصر تخضع لشرط الحصول على إذن أميركي منذ عام 2023، مما يمنح الإدارة الأميركية ورقة ضغط من خلال آلية منح التراخيص، ومصر هي واحدة من نحو 40 دولة تندرج تحت هذه الفئة.
وبينما كانت الولايات المتحدة تقود تلك المنافسة قبل سنوات قليلة، فإن القيود التي فرضتها واشنطن على صادرات التكنولوجيا المتقدمة، بدافع المخاوف المتعلقة بالأمن القومي، أدت إلى عرقلة مبيعات رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة (H200) التي تنتجها شركة "إنفيديا" في الصين في بادئ الأمر. وبحلول وقت حصل فيه الرئيس التنفيذي للشركة على استثناء يسمح ببيع هذه الرقائق، بعد موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كانت بكين تحولت بالفعل إلى تشجيع استخدام رقائق مصممة محلياً وتنتجها شركات منافسة محلية، وعلى رأسها شركة "هواوي".
غير أن الأميركان ينظرون إلى التكنولوجيا الأميركية من منظور الهيمنة العالمية. ففي تصريح سابق لجينسن هوانغ، قال إنه ينبغي أن تكون منظومة التكنولوجيا الأميركية المعيار العالمي، تماماً كما يعد الدولار الأميركي المعيار الذي تبني عليه كل دولة اقتصاداتها". ومن هذا المنظور، فإن السماح للتقنيات الأميركية بالانتشار على نطاق واسع يخلق حالاً من الاعتماد العالمي عليها، مما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً هائلاً على المدى الطويل.
مصر مركز إقليمي محتمل
وفق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، فإنه في حين تعاني سوق مراكز البيانات في مصر ضعف الاستثمار بسبب العقبات التنظيمية والإجرائية والبنية التحتية الحالية، إلا أنه يؤكد في دراسة استشارية أن مصر تشكل منطقة مهمة لتلك الصناعة بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، ووجود عدد كبير من الكابلات البحرية والبرية التي تمر عبرها، مما يجعلها ممراً مهماً لحركة البيانات الدولية، فضلاً عن إمكان خدمة الأسواق سريعة النمو في أفريقيا والشرق الأوسط، جنب إلى جنب مع توفر كوادر بشرية مؤهلة وإمكانات كبيرة للطاقة المتجددة، وهو ما يجعلها مرشحاً رئيساً للاستثمار في مراكز البيانات والتحول إلى مركز إقليمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تدرك القاهرة ما لديها من مقومات، لذا أطلقت الحكومة المصرية قبل نحو خمس سنوات الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، والتي تستهدف جذب الاستثمارات وتسيير الإجراءات التنظيمية في هذا الصدد، وتتضمن مبادرة لإنشاء مركز بيانات محلي متطور يعزز أمن البيانات الوطنية، بل وأن تتحول من مستهلك للبيانات إلى منتج ومطور. وفي يونيو (حزيران) الماضي بدأ الاعداد لاستراتيجية وطنية لمراكز البيانات والحوسبة السحابية وصياغة الاستراتيجية الوطنية الموحدة لتنمية هذا القطاع، مع وضع خطة عاجلة لتركيز جهود الترويج الاستثماري لهذا الملف في الخارج.
وفي وقت سابق من العام الحالي حصلت شركة "حسن علام للبنية التحتية الرقمية" على ترخيص من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لإنشاء وتشغيل مراكز بيانات وتقديم خدمات الحوسبة السحابية. وأعلنت الشركة عن خطط لاستثمار نحو 400 مليون دولار في المرحلة الأولى لإنشاء مركز بيانات جديد يخدم الهيئات الحكومية، والمؤسسات المالية، والشركات المحلية والدولية.
لمن السيادة الرقمية؟
خلال المؤتمر الثامن للبرلمانات العربية في القاهرة خلال يونيو الماضي، أكد رئيس مجلس النواب العربي هشام بدوي أن بناء سيادة رقمية عربية حقيقية بات ضرورة استراتيجية مدفوعة بالتحولات الدولية المتسارعة، مشيراً إلى أن الثورة الرقمية فرضت واقعاً جديداً لم تعد فيه السيادة محصورة بالحدود الجغرافية، بل امتدت لتشمل الفضاء الإلكتروني وقوة البنية التحتية الرقمية والقدرة على إدارة البيانات والتقنيات الحديثة بشكل مستقل وآمن.
ومن ثم فإن العرض الصيني أو الأميركي المحتمل لمصر لا يأتي إلى سوق مصرية يبحث فقط عن شراء الرقائق الإلكترونية، وإنما إلى دولة تسعى إلى ترسيخ نفسها كمركز إقليمي للحوسبة والبيانات، لذا فإن الصفقة قرار يتجاوز الحسابات التجارية إلى أسئلة حول النفوذ والسيادة الرقمية، أي باختصار مدى قدرة الدولة على التحكم في بياناتها وبنيتها التحتية التقنية عند الاعتماد على جهات خارجية، ويشمل ذلك مكان تخزين ومعالجة البيانات وامتلاك الخوادم وشبكات الاتصال محلياً وإدارة الأنظمة الرقمية بقوانين محلية تخضع لمتطلبات الأمن القومي. فمن يملك هذه البنية؟
لا يعني توطين مراكز البيانات أن مصر تستطيع تحقيق استقلال أو سيادة كاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، فحتى الدول التي تمتلك الموارد المالية والتقنية الأكبر، تعتمد على الولايات المتحدة أو الصين، وأن تطوير هذه البنية يتطلب استثمارات ضخمة، بينما تتركز القدرات الأكثر تقدماً لدى عدد محدود من الدول والشركات. لذلك، لا يتمثل التحدي أمام مصر في امتلاك كل مكونات منظومة الذكاء الاصطناعي، وهو هدف يستحيل تحقيقه، وإنما في تحديد الأجزاء التي تمثل أهمية استراتيجية والسيطرة عليها وتنويع مصادر التكنولوجيا الأخرى.
وفق معهد تشاثام هاوس في لندن، فإنه من المرجح أن تفقد القوى المتوسطة، التي تعجز عن تأمين نفوذ لها في مجالات تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره وحوكمته، السيطرة على اقتصاداتها ومجتمعاتها وأنظمتها السياسية ومكانتها في الاقتصاد العالمي. ولذا، فإن قدرات "الذكاء الاصطناعي السيادي"، بمعنى مدى قدرة الدول على الحفاظ على استقلاليتها في خيارات سياسات الذكاء الاصطناعي، وضمان توافق نمو هذا المجال مع المصالح الوطنية، وتجنب خلق حالات اعتماد غير صحية على أطراف خارجية، أصبحت ركيزة أساسية للقوة الوطنية توازي في أهميتها القوة العسكرية أو السياسة الاقتصادية.
ومن ثم تواجه تلك الدول اليوم خياراً حاسماً: أين تنافس، وأين تعقد شراكات، وأين تقبل بالاعتماد على الغير؟ وعلى رغم أن هذه الدول لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة أو الصين من حيث حجم الاستثمارات والتكنولوجيا المتقدمة، فإنها لا تزال تمتلك أوراق ضغط تمكنها من تشكيل ملامح العقد المقبل في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد يؤدي الفشل في اتخاذ خيارات استراتيجية مدروسة في الوقت الراهن إلى فقدان الاستقلالية وسط سباق عالمي محتدم في هذا المجال.
الهند نموذج الاعتماد المتبادل المُدار
وتشير مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي، في مقال بعنوان "دروس أولية في السعي نحو الذكاء الاصطناعي السيادي"، إلى ما يسمى "الاعتماد المتبادل المُدار"، وهو استراتيجية هجينة وإطار عمل توجيهي للدول التي تسعى إلى تحقيق سيادتها في هذا المجال. فتحقيق استقلال تكنولوجي كامل يعد أمراً غير واقعي لمعظم الدول، لكن يمكنها أيضاً ألا تستسلم للتبعية الكاملة للولايات المتحدة أو الصين، لذا يقدم "الاعتماد المتبادل المُدار" على مسار ثالث يعرف بـ"الاستقلالية الاستراتيجية".
يوازن هذا المسار بين تحقيق السيادة وواقع اعتماد الدولة على التكنولوجيا العالمية عبر آليات عدة مثل فرض شروط تقتضي بضرورة خضوع الأنظمة المستخدمة للقوانين المحلية وداخل حدودها الجغرافية، مما يضمن احتفاظ الدولة بالسيطرة على كيفية نشر التكنولوجيا وتخزين البيانات محلياً لتلبية متطلبات التوطين، أو بناء قدرات قطاعية تدريجية، فعلى سبيل المثال تستثمر الهند بكثافة في النماذج التأسيسية متعددة اللغات مثل "سارفام أي أي" لخدمة سكانها، على رغم استمرار اعتمادها على الرقائق الأميركية والخدمات السحابية من شركات مثل "أمازون" و"مايكروسوف" و"غوغل"، غير أنها بدلاً من محاولة السيطرة الكاملة على سلسلة الذكاء الاصطناعي، والتي تشمل أشباه الموصلات والمنصات السحابية ومراكز البيانات والنماذج التأسيسية والبنية التحتية الرقمية الداعمة، فإنها تركز على بناء قدرات محلية تدريجية في قطاعات محددة تمنحها ميزة فريدة، إذ يتعين على الدول تقييم وضعها فيما يتعلق بثماني ركائز أساسية، البيانات، وقدرات الحوسبة، والنماذج المتقدمة، والطاقة، والصناعة، والمواهب، والبنية التحتية، والثقة، وتحديد المجالات التي يمكنها فيها بناء قدرات ذاتية بشكل واقعي مقابل تلك التي تضطر فيها للاعتماد على الآخرين. وفيما يخص الذكاء الاصطناعي، يتفق الباحثان فرنسوا ساندوفا وإيزبيلا ويلكنسون، من "تشاثام هاوس"، على أنه لا ينبغي لأي قوة متوسطة أن تتوقع العمل بشكل مستقل تماماً، فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كان ينبغي الاعتماد على دول أخرى في هذا المجال، بل السؤال هو: على أي دول؟ وإلى أي مدى؟ ووفق أي شروط؟
وتقول شيريا جوشي، الزميلة السابقة لدى برنامج "جيمس جاثير" بمؤسسة "كارنيغي"، فإنه بدلاً من حصر أنفسهم داخل نفوذ قوة عظمى واحدة، تستخدم الحكومات هذه الاستراتيجيات الهجينة والتي من بينها الشراكات الاستراتيجية عبر تشكيل تحالفات مع دول أخرى مماثلة، لتقليل التبعية الخارجية والحفاظ على مرونتها وحرية حركتها.