ملخص
الفيلم باكورة الأعمال الوثائقية لبو سي تينغ التي تجنبت أن يكون عملها في صف طرف في الحرب، وركزت على نقل تجربة ثلاثة أطباء من خلفيات مختلفة، هم اليهودي بيرلموتر والمسلم من أصل فلسطيني ثائر أحمد، وفيروز سيدوا المولود لوالدين زرادشتيين.
عالج مارك بيرلموتر عدداً من المصابين جراء اعتداءات وكوارث طبيعية في أكثر من 30 بلداً، لكن هذا الجراح الأميركي يؤكد أن كل ذلك لا يقارن بما رآه من أهوال جراء الضربات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
ويقول المتخصص في جراحة العظام لوكالة الصحافة الفرنسية "أسبوعنا الأول في غزة كان وحده أسوأ من كل تجاربي مجتمعة"، والتي شملت مهام عقب هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، وإعصار كاترينا في لويزيانا، والزلزال المدمر في هايتي.
وتشكل تجربة بيرلموتر وطبيبين أميركيين آخرين في مستشفيات غزة خلال الحرب التي اندلعت إثر هجوم "حماس" على إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، محور فيلم "أميركان دكتور" (الطبيب الأميركي) الوثائقي الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان "ساندانس" السينمائي في مطلع العام الحالي، ويطرح في دور الفن السابع الأميركية اعتباراً من الجمعة المقبل.
والفيلم باكورة الأعمال الوثائقية لبو سي تينغ التي تجنبت أن يكون عملها في صف طرف في الحرب، وركزت على نقل تجربة ثلاثة أطباء من خلفيات مختلفة، هم اليهودي بيرلموتر والمسلم من أصل فلسطيني ثائر أحمد، وفيروز سيدوا المولود لوالدين زرادشتيين.
ويقول الأخير "يشعر الناس بأنهم يحتاجون إلى شهادة دكتوراه في هذا الموضوع لكي يفهموه أو يناقشوه بعقلانية"، في إشارة إلى الحرب الراهنة والنزاع الذي يعود لعقود.
ويضيف "لكن السؤال ليس ما تعرف عن تاريخ العرب والإسرائيليين، بل هل تؤيد قتل الأطفال أم لا؟ هل تؤيد تعذيب الأطباء أم لا؟ هل تؤيد قصف المستشفيات أم لا؟".
إسرائيل سلبتهم كرامتهم
وأسفر هجوم "حماس" غير المسبوق على إسرائيل عن مقتل 1221 شخصاً، بحسب بيانات رسمية إسرائيلية. في المقابل، أودت الحملة العسكرية الإسرائيلية بأكثر من 73 ألف شخص في القطاع، بحسب وزارة الصحة التابعة لـ"حماس"، والتي تعد الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.
وأقر الجيش الإسرائيلي باستهداف المستشفيات والمرافق الطبية، بذريعة أن "حماس" كانت تستخدمها لأغراض عسكرية. وتنفي الحركة الفلسطينية هذا الاتهام.
ويؤكد الأطباء الثلاثة في الوثائقي أنهم لم يروا أية أنفاق في أي من المستشفيات التي عملوا فيها داخل غزة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوثق الوثائقي في أحد أكثر مشاهده إيلاماً "الضربة المزدوجة" على مستشفى "ناصر" في خان يونس جنوب القطاع، عندما تعرض مسعفون لقصف إسرائيلي أثناء محاولتهم إنقاذ جرحى في ضربة على المكان ذاته، وقعت قبل وقت قصير.
كان القرار في شأن ما يجب إظهاره على الشاشة معضلة بالنسبة إلى بو سي تينغ.
وتوضح المخرجة التي عملت سابقاً كمصورة صحافية مع الصحافة الفرنسية وغيرها من المؤسسات الإعلامية "إذا أظهرت كثيراً، يصبح الأمر فظاً، ولن يشاهد أحد الفيلم، ومع ذلك تريد أن تكون فعالاً في قول الحقيقة. وإذا أظهرت القليل، فلن يكون الأمر حقيقياً".
يبدأ الفيلم من هذه المعضلة تحديداً.
فعندما تشعر تينغ بأن عرض صورة لأطفال قتلوا يعد انتهاكاً لكرامتهم، يوبخها بيرلموتر، ويشدد على أن واجبهم أن يطلعوا الأميركيين ما الذي تموله الضرائب التي يدفعونها لحكومتهم، الحليف الأوثق لإسرائيل في العالم.
ويقول "إسرائيل سلبتهم كرامتهم. أنت لا تصونين كرامتهم ما لم تدعي ذكراهم، وأجسادهم تروي قصة هذه الصدمة، هذه الإبادة الجماعية. أنت لا تُسدِين لهم خدمة بعدم إظهار ذلك".
وتضيف المخرجة "في تلك اللحظة أدركت ألا مكان للأمر الوسط هنا".
علينا أن نوقف هذا
لا يخفي الأطباء الثلاثة أن الحاجة لإبراز "إلحاح" الوضع الإنساني في غزة بصورة متكررة، سواء خلال المقابلات الصحافية أو الاجتماعات مع أعضاء في الكونغرس، كان أمراً يبعث على الإحباط.
ويقول طبيب الطوارئ ثائر أحمد "إذا قلت لك إن هناك أطفالاً يتضورون جوعاً، أو أمهات يكافحن لإطعام أطفالهن، أو مراهقين يقتلون بهذه القنابل الضخمة، فيجب أن يكون ردك ’يجب أن نوقف هذا‘".
ويضيف "لا ينبغي أن تقول لي: لكن ماذا كانوا يفعلون، أو أين كانوا، أو ما خلفيتهم؟ ما دينهم أو أين ولدوا؟".
وتشير تينغ إلى أنها عانت لتأمين تمويل للمشروع، إذ أحجم كثر عن إسناد عمل يظهر الأضرار التي تحدثها الذخائر الإسرائيلية الممولة من واشنطن. لكنها تؤكد أنها بدأت تلمس تغييراً تأمل في أن يعززه عرض الفيلم.
ويشاركها بيرلموتر الأمل في تبدل السردية.
ويشبه الطبيب الحقيقة بـ"الانهيار الثلجي الذي يبدأ بندف الثلج. أنا متفائل بأننا ندف في كرة ثلج تكبر".