ملخص
في حين لم تعلن المفوضية عن فحوى التوصيات التي توصل إليها، نشر عدد من وسائل الإعلام الإثيوبي جملة من البنود التي تم إقرارها في المؤتمر، من بينها تعديل الدستور الفيدرالي الساري منذ 1995، مشيرة إلى أن التعديلات ستشمل شكل النظام السياسي القائم، ومن المرجح التحول من نظام فيدرالي إثني إلى "رئاسي".
أقر "مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي" جملة من الاقتراحات، بعد مشاورات موسعة استمرت لمدة شهر كامل بحضور مشاركين من مختلف الخلفيات السياسية والإثنية، تعد بمثابة "توصيات" مهمة للحكومة لاتخاذ التدابير اللازمة في شأنها، وإقرارها كمشاريع قوانين والمصادقة عليها عبر البرلمان، نظراً إلى حصولها على تأييد غالبية المشاركين.
وقال رئيس مفوضية الحوار الوطني مسفين أرايا إن التشاور حول القضايا المطروحة تم في أجواء اتسمت بالهدوء وروح المسؤولية الوطنية، مشيراً إلى أن إقرار البنود تم بشكل ديمقراطي سلس، وتداول المشاركون على رغم تعدد مشاربهم في شأن جميع القضايا المطروحة باعتبارها قضايا جماعية".
نحو نظام رئاسي
وفي حين لم تعلن المفوضية عن فحوى التوصيات التي توصل إليها، نشر عدد من وسائل الإعلام الإثيوبي جملة من البنود التي تم إقرارها في المؤتمر، من بينها تعديل الدستور الفيدرالي الساري منذ 1995، مشيرة إلى أن التعديلات ستشمل شكل النظام السياسي القائم، ومن المرجح التحول من نظام فيدرالي إثني إلى "رئاسي".
ونقل موقع إخباري إثيوبي عن أحد المشاركين في الحوار، قوله إن مسودة التوصيات المقدمة للحكومة تضمنت استبدال نظام رئاسي بالنظام البرلماني الحالي، موضحاً أن المشروع يقترح الإبقاء على البرلمان، مع جعل الرئيس المنتخب رئيساً للحكومة والدولة، جامعاً بذلك الصلاحيات المقسمة حالياً بين الرئيس ورئيس الوزراء. مع إلغاء منصب رئيس الوزراء.
وأشار الموقع الإخباري إلى أن ثمة توافقاً في الآراء على مستوى التوصيات في شأن الولاية الرئاسية التي تم تحديد مدتها بست سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، كذلك تضمنت المسودة توصية بتعديل المادة 39 من الدستور الفيدرالي المثيرة للجدل، والتي تمنح القوميات الإثيوبية الحق في تقرير المصير حتى الانفصال، وبموجب المقترح الجديد سيتم حذف الإشارة إلى "حق الانفصال" عن الدولة مع الحفاظ على الحقوق الأخرى.
متعددة القوميات
ونقل موقع "Fsx business" أن التوصيات تضمنت استبدال مصطلح "الشعوب الإثيوبية" المنصوص عليه في الدستور الحالي بمصطلح "القوميات الإثيوبية"، وثمة مقترح بتغيير ديباجة الدستور من "نحن، أمم وقوميات وشعوب إثيوبيا" إلى "إثيوبيا جمهورية متعددة القوميات".
ويرى مراقبون للشأن الإثيوبي أن التدابير التي تم إقرارها في مسودة الحوار الوطني تمثل جزءاً من مشروع إصلاح دستوري أوسع نطاقاً يتبناه حزب الازدهار الحاكم، مشيرين إلى تصريحات كان قد أدلى بها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد داخل اجتماعات حزبه في يوليو (تموز) 2023، دعا فيها إلى ضرورة تغيير التعريفات الدستورية السارية، موضحاً أن الدستور الإثيوبي يقدم تعريفاً شاذاً بوصفه للشعب الإثيوبي الواحد بـ"الشعوب والقوميات والأمم الإثيوبية"، مؤكداً أن التعريف النظري يرسخ حال الانقسام.
من جهة أخرى أفاد مصدر إثيوبي لإذاعة أورميا المستقلة، أن مشروع المسودة المعتمد من قبل مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي أوصى بإعادة تعريف اللغات الرسمية في البلاد، وضرورة التوسع نحو اعتماد التعدد اللغوي بدلاً من اللغة الأمهرية وحدها كلغة رسمية للعمل في المؤسسات الاتحادية، ويرتكز المقترح الجديد على اعتماد خمس لغات رسمية للعمل هي الأمهرية والأورومية والتغرنية والعفرية والصومالية.
ونقلت الإذاعة عن المصدر قوله إن تطبيق هذا التعديل قد يعتمد على خطط مرحلية حتى سريانه بشكل كامل، مشيراً إلى أن تحديات التطبيق لا تسقط الحق الدستوري للقوميات الإثيوبية في اعتماد لغاتها كلغات عمل رسمية.
استقطابات حادة
من جهته يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون أن الاقتراحات التي تضمنتها مسودة التوصيات كمخرجات للحوار الوطني الإثيوبي من المؤكد أنها ستثير جدلاً واسعاً واستقطابات حادة في الأوساط الإثيوبية حال صدورها بشكل رسمي.
ويضيف أنه على رغم أن مفوضية الحوار الوطني كانت أعلنت عن ثمانية محاور رئيسة للتشاور، من بينها نموذج النظام السياسي، وبناء الدولة والهويات واللغات الوطنية، وشؤون المدن الفيدرالية، وتعضيد السلام، وبناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان، فإن مخرجات التشاور الوطني تظل بمثابة مقترحات وتوصيات، ولا تحمل صفة قاعدة قانونية ملزمة للدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع أن بعض بنود المؤتمر، في حال إقرارها من الدولة أو المصادقة عليها من البرلمان الحالي، قد تزيد من حدة الاستقطابات السياسية الحادة، بخاصة المتعلقة بشكل النظام السياسي، وإمكان اعتماد نظام رئاسي، إضافة إلى التعديلات الخاصة بالمادة 39، وكذلك البند المتعلق باللغات الوطنية.
ويرى غيداون أن الأقاليم الفيدرالية الحالية تأسست وفقاً للمفهوم الفيدرالي القائم على التعريف الإثني، ومن ثم فإن إجراء أي تعديلات دستورية سيعني إعادة تشكيل الأقاليم الفيدرالية بشكل جديد، موضحاً أن البنود الخاصة بالنظام السياسي، بخاصة في شقه المتعلق بالانتقال إلى النظام الرئاسي، قد تثير كثيراً من اللغط، بخاصة أنها مرتبطة في أذهان الإثيوبيين بذاكرة الاستبداد.
ويستطرد "على رغم أن النظام الرئاسي مثله مثل النظام البرلماني مجرد نموذج يتعلق بشكل النظام وليس بنوع الحكم ومدى انفتاحه على الديمقراطية، فإن ذاكرة الإثيوبيين تفسره بشكل مغاير، نظراً إلى ارتباطه بأنظمة شديدة المركزية مارست كل صنوف الاستبداد في حق الإثيوبيين، في حين ينظر إلى النظام الفيدرالي باعتباره نموذجاً للتعدد، ومن ثم يعتبره عديد من الإثيوبيين مكسباً من مكاسب النضال الديمقراطي".
إجابات جادة
بدوره يرى الناشط الإثيوبي جمتشوا بقلي أن مخرجات الحوار الوطني تتضمن إجابات جادة للأسئلة الوطنية التي ظلت تشغل الرأي العام الإثيوبي طوال العقود الثلاثة الماضية، مشيراً إلى أنها "ستكرس المضمون الحقيقي لجمهورية متعددة الأعراق والقوميات، بعيداً من الفيدرالية الزائفة التي ظلت قائمة في غياب المضمون الجوهري لها".
ويوضح بقلي أن مسائل اللغة والهوية وشكل النظام السياسي تتجاوز واقعها النمطي في إثيوبيا لتصل إلى عمق الممارسة السياسية، بخاصة أن معظم النزاعات المسلحة القائمة في البلاد تنطلق من هذه الأبعاد السياسية ذات الطابع الهوياتي.
ويرى الناشط في حزب الازدهار الحاكم أن ثمة فجوة ظلت قائمة خلال العقود الثلاثة الماضية بين النصوص الدستورية والممارسة السياسية، لجهة عدم وضوح النصوص الدستورية، وغياب الشفافية في تفسيرها، موضحاً أن الدستور الذي تم إقراره عام 1995 في ظل سيطرة حركات انفصالية مسلحة على السلطة لم يعد صالحاً للمرحلة السياسية الراهنة، بعد ثلاثة عقود من استقرار النظام السياسي، المنبثق من الإرادة الانتخابية للإثيوبيين.
ويتابع أن الدستور الاتحادي ظل يمثل عقبة كؤوداً أمام التطور السياسي والديمقراطي في البلاد، لجهة تضمنه بنوداً تعزز فرص الانفصال أكثر من ترجيح الوحدة الوطنية، مشيراً إلى أن المادة 39 من الدستور الحالي، والتي تم استيرادها من تجربة الاتحاد السوفياتي (المادة 72 من دستور الاتحاد السوفياتي) تتناقض مع الإرادة السياسية للإثيوبيين، إضافة إلى أنها مثلت عامل تفكك حتى في تجربة الاتحاد السوفياتي الذي انقسم إلى جمهوريات مستقلة.
ويرى جمتشوا أن تعديل المادة المثيرة للجدال في الدستور الإثيوبي قد يحبط احتمالات التفكك التي تدفع الحركات المتمردة في اتجاهها.