Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحوار الوطني الإثيوبي... توافق أم خلاف؟

مصادر تشير إلى ضبابية معايير اختيار المشاركين وغياب الفاعلين الأساسيين في الساحة السياسية

على جسر بالقرب من حديقة "أويتو" في مدينة جيما، 27 مايو 2026 (أ ف ب)

ملخص

نشرت بعض وسائل الإعلام الإثيوبية مسودات تتعلق بتعديل الدستور الفيدرالي الساري، وضبط النظام السياسي، مشيرة إلى أن تلك التدابير تسعى إلى إرساء دعائم نظام شديد المركزية على حساب النظام الفيدرالي القائم، الذي تحقق بفضل تضحيات الإثيوبيين ونضالهم خلال العقود الثمانية الماضية.

بعد نحو شهر من انطلاق مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، أثارت مسودات قيل إنها مسربة من جلسات الحوار جدلاً واسعاً في وسائل الإعلام الإثيوبية، بخاصة المعارضة منها، لتضمنها قضايا خلافية من بينها تعديل الدستور الفيدرالي والسعي لتبني نظام شديد المركزية.

أعلنت مفوضية الحوار الوطني في بيان بثته وكالة الأنباء الإثيوبية الجمعة الماضي، توصل المؤتمرين إلى توافق مبدئي في شأن خمسة محاور رئيسة هي بناء السلام، ومكافحة الفساد، والحكم الرشيد، وهيكل الحكومة والنظام السياسي، إلى جانب تنظيم الشؤون الدينية. 

وأكد البيان تحقيق مؤتمر الحوار الوطني أهدافه الرئيسة، واصفاً المناقشات التي دارت مدة شهر كامل بالمهمة الناجحة، على رغم غياب قوى المعارضة وممثلي كل من إقليمي تيغراي وأمهرة اللذين يشهدان نزاعات مسلحة.

وكان رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا، أصدر بياناً الأسبوع الماضي طالب فيه وسائل الإعلام بضرورة توخي الحذر عند تناول مداولات مؤتمر الحوار، مشيراً إلى أن الجهة الوحيدة المخولة إعلان النتائج والمناقشات هي اللجنة المتخصصة بالإعلام في المفوضية، ومؤكداً أن ثمة معلومات غير دقيقة تنشرها وسائل الإعلام، وشدد على أن المداولات مضت بصورة صحية، وتم التوافق حول مجمل القضايا المتعلقة بجذور الخلافات التاريخية في إثيوبيا. 

ونشرت بعض وسائل الإعلام الإثيوبية مسودات تتعلق بتعديل الدستور الفيدرالي الساري، وضبط النظام السياسي، مشيرة إلى أن تلك التدابير تسعى إلى إرساء دعائم نظام شديد المركزية على حساب النظام الفيدرالي القائم، الذي تحقق بفضل تضحيات الإثيوبيين ونضالهم خلال العقود الثمانية الماضية.

أزمة شرعية

يرى الباحث الإثيوبي في جامعة "كيترينج" بميشيغان، حزقيال جيبيسا أن الحوار الوطني يمثل أولوية قصوى لإثيوبيا، بخاصة في وقت تشهد البلاد نزاعات مسلحة في إقليمي أوروميا وأمهرة، مع احتمال تجدد الحرب في تيغراي، وعلى رغم ذلك فإن المداولات التي جرت في أديس أبابا طوال الشهر الماضي تحت مسمى "الحوار الوطني" تفتقد للشرعية السياسية والقانونية، بسبب ضبابية المعايير في اختيار المشاركين من جهة، وغياب الفاعلين الأساسيين في الساحة السياسية الإثيوبية من جهة أخرى.

ويضيف أن مداولات أديس أبابا بعيدة تماماً من المعايير اللازمة لإجراء حوار وطني شفاف ومسؤول، مشيراً إلى غياب أصحاب المصلحة الأساسيين، إذ لم يتم تمثيل الأطراف المتنازعة من بين المشاركين الـ4 آلاف، وتم تغييب ممثلي إقليم تيغراي وأحزاب المعارضة وكذلك الأطراف المسلحة، مما يجرد العملية من شرعيتها ويحولها إلى استعراض سياسي أكثر منها مشاورات حول مستقبل البلاد والنظام السياسي فيها.

 

ويوضح جيبيسا أن النزاعات المسلحة الراهنة ليست سوى الأزمات الظاهرة، في حين تخفي في باطنها مشروعاً أكثر هدوءاً ولكنه أشد خطراً، يتعلق بتفكيك النظام السياسي الذي حافظ على وحدة البلاد لثلاثة عقود. مرجحاً أن حكومة حزب الازدهار الحاكم تسعى إلى إبطال اتفاق عام 1991 السياسية والتخلي عن دستور عام 1995، وهو ما لا يمثل إصلاحاً بالضرورة، بل شرخاً سياسياً يصعب التحكم في مخرجاته لاحقاً. 

ويرى أن دستور عام 1995 الساري انبثق عن اتفاق عام 1991 الذي توصلت إليه القوى السياسية الإثيوبية بعد عقود من النضال المسلح ضد المركزية الإمبراطورية ثم الحكم العسكري، مشيراً إلى أن الاتفاق ثم الدستور مثلاً أول اعتراف رسمي بإثيوبيا كجمهورية متعددة الأعراق، ووفر دستور عام 1995 إطاراً لإدارة التنوع وتكريس المساواة وحق تقرير المصير والاستقلال الذاتي للأقاليم الإثيوبية. 

وأكد أن السلام النسبي والنمو الاقتصادي الذي شهدته البلاد في العقود اللاحقة يعد ثمرة النظام السياسي الذي صممه دستور 1995 لتنظيم العلاقة بين الشعب والسلطة، موضحاً أن الإطار الفيدرالي المتعدد العرقيات الذي كرسه الدستور في بلد يضم نحو 80 قومية لم يكن مجرد مكسب رمزي، بل كان الآلية القانونية الوحيدة القادرة على إدارة التنوع وبسط التعايش السلمي بين القوميات. 

ويرى جيبيسا أن المؤشرات الأساسية لاتجاهات الحوار الوطني لا تتعلق بالتسريبات التي تداولتها بعض وسائل الإعلام، بل أيضاً في الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء آبي أحمد في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، إذ صادر أي إمكان لانتقال سياسي كنتيجة محتملة من الحوار الوطني. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع أن أي حوار وطني يستبعد الانتقال السياسي محكوم عليه بالفشل، إذ لا يمكن لأي حوار أن ينجح في ظل إعلان الحزب الحاكم رفضه المسبق مناقشة الانتقال السياسي أو تقاسم السلطة والثروة، إلى جانب رفض الاعتراف بدوره في أزمات البلاد. 

ويلفت إلى أن بإمكان الحوارات الوطنية إعادة هيكلة الأنظمة السياسية، وإعادة بناء الثقة، وإرساء سلام مستدام عندما تكون شاملة وممثلة لجموع الشعب، وتتمتع بالصلاحيات اللازمة والشفافية المطلوبة، لكن ما جرى في أديس أبابا، بحسب تصوره، مناف لهذه المعايير. 

ويطرح الباحث الإثيوبي أسئلة حول جدوى حوار محدد المحاور والنتائج من قبل السلطة الحاكمة، مضيفاً "من الواضح أن الهدف ليس حل الاختلالات القائمة بل إعادة تدويرها، لأن القضايا المعلنة كأجندة للحوار الوطني لا يمثل أي منها موضع انقسام أو جدل في الأوساط الإثيوبية، فحياد القضاء، وعودة النازحين، وحقوق الإنسان، والعلمانية، كلها حقوق يجب احترامها وليست مواضيع للمساومة السياسية. ويبدو أن ثمة رغبة لتضخيم بعض الأمور التافهة وتحويلها إلى قضايا مثيرة للجدل بهدف طمس الإشكالات الحقيقية المتعلقة بالفيدرالية، وحق تقرير المصير، والحكم الذاتي الإقليمي، وتوزيع السلطة".

تعديل دستوري مربك 

من جهته يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي محاري سلمون أن خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في الجلستين الافتتاحية والختامية للمؤتمر تضمن إشارات واضحة إلى أن المنتدى ليس مصمماً لحل النزاعات، بل لإضفاء الشرعية على تعديل دستوري تم الاتفاق عليه مسبقاً في جلسات مغلقة، موضحاً أن ثمة تقارير تشير إلى أن النتائج المقترحة تهدف إلى إلغاء الدستور الحالي واستبدال دستور به يتماشى مع هدف حزب الازدهار.

ويوضح سلمون أن خطاب آبي أحمد تضمن ثلاث إشارات إلى إمكان تعديل الدستور كنتيجة للحوار الوطني. وعلى رغم أن التعديل الدستوري منصوص عليه في الدستور نفسه، فإن إجراءه لأسباب سلطوية وليس استجابة لمطالب شعبية ينذر بعواقب وخيمة على البلاد التي تشهد موجة غير مسبوقة من الانقسام السياسي والنزاعات المسلحة، إلى جانب إنهاك النسيج الاجتماعي كنتيجة للحروب المتكررة، مؤكداً أن أية مغامرة دستورية في ظل هذه الظروف تنذر بنتائج غير متوقعة. 

ويشير إلى أن مشروع التعديل الدستوري يبدو كجهد معزول ينزل من أعلى إلى أسفل لإعادة مركزية السلطة بطرق تعيد إلى الأذهان أحلك فترات تاريخ إثيوبيا. مقدراً أن الخطر الأكبر في مخرجات الحوار الوطني غير المعلن هو "شرعنة التوجهات الإمبراطورية" التي تصمم السلوك السياسي الإثيوبي منذ اعتلاء آبي أحمد للسلطة، سواء في الخطابات والتدابير الداخلية، أو السياسات الخارجية التوسعية، إذ كشفت الأعوام الثمانية الماضية كثيراً من مؤشرات العودة إلى أنماط الإقصاء وعدم الاستقرار التي سادت قبل عام 1991.

 

ففي حرب تيغراي (2020- 2022) تحالفت السلطة مع نخبة سياسية تتوق إلى الحكم المركزي، وميليشيات قومية لا تخفي سعيها إلى استعادة أمجاد الإمبراطورية الإثيوبية، إلى جانب قوى إقليمية، لشن حرب شاملة ضد الشعب التيغراوي، باعتبار أن نضاله التحرري هو الذي قاد البلاد إلى الحكم الفيدرالي المتعدد، وأن بقاءه قوياً وموحداً يمثل تحدياً لحنين السلطة القائمة نحو نظام أكثر مركزية، وتكشف السياسات الخارجية التي تبنتها الحكومة الحالية عن أطماع توسعية أدت إلى توتر العلاقات مع كل من إريتريا والسودان والصومال، وفق سلمون. 

ويوضح أن دستور إثيوبيا هو ثمرة عقود من التضحيات في مواجهة النظام الملكي الإمبراطوري (1916-1974) والنظام العسكري (1974-1991)، والتخلي عن المبادئ التي كرسها الدستور يعد بمثابة تجاهل لدروس تاريخ إثيوبيا المضطرب، بخاصة أن البلاد شهدت كيف أدى فرض السلطة المركزية على مناطق غير راغبة إلى مقاومة وتمرد وحروب متكررة. 

في سياق آخر، يرى سلمون أن تداعيات استمرار النزاعات الداخلية المسلحة لن تقتصر على إثيوبيا فحسب، بل قد تمتد إلى منطقة القرن الأفريقي ككل، بخاصة أن المناوشات الأخيرة في تيغراي صعدت من وتيرة التوتر مع كل من إريتريا والسودان، كذلك فإن التقارب الإثيوبي مع إقليم صوماليلاند رفع درجة اضطراب العلاقات مع مقديشو إلى مستوى غير مسبوق خلال العقود الثلاثة الماضية، ومن ثم فإن تبني تعديلات دستورية لا تحظى بالتأييد الشعبي الكافي قد يزيد من النزاعات الداخلية واحتمال تطورها تجاه دول الجوار. 

فهم ملتبس 

من جهته يرى تشومي تولا، من حزب الازدهار الحاكم في أديس أبابا، أن الحوار الوطني يمثل محطة مهمة في التاريخ الإثيوبي الحديث، بخاصة أنه ضم أكثر من 4 آلاف مشارك من مختلف التوجهات تداولوا كل القضايا من دون وصاية من السلطة. 

وأوضح أن الحكومة الإثيوبية لم تتدخل في توجيه النقاشات، بل أشرفت فقط على توفير الظروف المناسبة للحوار، سواء على المستوى الإداري أو اللوجيستي والمالي، لإيمانها بأن الحوار هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمات البنيوية التي تعيشها البلاد منذ قرن من الزمان. 

ويضيف أن ثمة فهماً ملتبساً لدى بعض القوى المعارضة يتعلق بمهمة مفوضية الحوار الوطني، إذ إنها ليست بديلاً عن الاستحقاقات السياسية، بل آلية لتقديم فهم مشترك حول جذور الأزمات الإثيوبية على كل الصعد، مشيراً إلى أن البعض ظن أن عقد مؤتمر الحوار سيفضي إلى انقضاء شرعية الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، في حين أن الوصول إلى السلطة لا ينبغي أن يتم إلا عبر صناديق الانتخابات. 

وثمة التباس آخر، بحسب تولا، يتعلق بوظيفة الحوار وتعريفه، إذ إنه ليس مفاوضات بين الدولة والمسلحين، بل مناقشات بين الإثيوبيين حول مستقبل بلادهم، ومن ثم فإذا كانت الجماعات المسلحة راغبة في المشاركة بصياغة مستقبل البلاد، فما عليها إلا إعلان التزامها النضال السلمي الديمقراطي ونبذها العنف، كي تتمكن من المشاركة في الجولات المقبلة من الحوار الوطني.

المزيد من تقارير