Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحزب الحاكم يكتسح... ماذا تقول الانتخابات الإثيوبية أيضا؟

مراقبون: قدمت مؤشراً إيجابياً على تقدم المسار الديمقراطي لكن غياب بعض الأقاليم عنها يطرح أسئلة جذرية

خارج مركز اقتراع في العاصمة أديس أبابا، مطلع يونيو 2026، خلال الانتخابات البرلمانية الإثيوبية (أ ف ب)

ملخص

يشار إلى أن نتائج الانتخابات الأخيرة جاءت قريبة من نتيجة عام 2021، التي فاز فيها حزب الازدهار بغالبية المقاعد. ويمثل إعلان النتائج ختاماً لعملية انتخابية شارك فيها أكثر من 50 من الأحزاب السياسية، وما يزيد على 54 مليون مواطن سجلوا أسماءهم للتصويت وفق الجهات الرسمية، وسط متابعة محلية وإقليمية. وبلغت نسبة المشاركة المعلنة نحو 94 في المئة، ولم تجر الانتخابات في شمال البلاد بإقليم تيغراي، كما تعذر التصويت في بعض الدوائر بإقليم أمهرة وأروميا بسبب الأوضاع الأمنية، وأغلقت أو لم تفتح 143 محطة اقتراع في بعض المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة.

تمثل الانتخابات الإثيوبية لعام 2026 أهمية استثنائية لما يرتبط بها من تأكيد وتفويض شعبي في ظل ضغوط سياسية محلية متداخلة مع وضع إقليمي معقد، وقد حقق حزب الازدهار الحاكم فوزاً مطلقاً في الانتخابات الأخيرة التي عقدت في الأول من يونيو (حزيران) الجاري يؤهله لتشكيل الحكومة المقبلة وجمع الصف الوطني، فإلى أي مدى مثلت الانتخابات الإثيوبية السابعة براءة ذمة لطموح المسار الديمقراطي؟

وكان المجلس الوطني للانتخابات أعلن في الـ21 من يونيو النتائج النهائية للانتخابات العامة السابعة، التي شملت انتخابات مجلس نواب الشعب والمجالس الإقليمية، مؤكداً فوز حزب الازدهار الحاكم بغالبية المقاعد. وأظهرت النتائج الرسمية حصول الحزب على أكبر عدد من المقاعد على المستوى الوطني (438 من أصل  501 مقعد)، ما يقارب 90 في المئة، محققاً غالبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة الاتحادية المقبلة، إلى جانب تحقيق فوز في انتخابات المجالس الإقليمية.

وجاء إعلان النتائج ضمن مراسم رسمية قدم خلالها نائب رئيس المجلس الوطني للانتخابات تسفاي نيواي التفاصيل النهائية، وكان من بين الحضور رئيس جمهورية إثيوبيا الفيدرالية تاي أتسكي سيلاسي، ورئيس مجلس نواب الشعب تاغيسي تشافو، ونائب رئيس الوزراء ورئيس مركز تنسيق الديمقراطية آدم فرح، إضافة إلى قادة الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات، كذا حضر ممثلون عن المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني.

واقع السلام

يشار إلى أن نتائج الانتخابات الأخيرة جاءت قريبة من نتيجة عام 2021 التي فاز فيها حزب الازدهار بغالبية المقاعد، ويمثل إعلان النتائج ختاماً لعملية انتخابية شارك فيها أكثر من 50 من الأحزاب السياسية، وما يزيد على 54 مليون مواطن سجلوا أسماءهم للتصويت وفق الجهات الرسمية، وسط متابعة محلية وإقليمية. وبلغت نسبة المشاركة المعلنة نحو 94 في المئة، ولم تجر الانتخابات في شمال البلاد بإقليم تيغراي، كما تعذر التصويت في بعض الدوائر بإقليم أمهرة وأروميا بسبب الأوضاع الأمنية، وأغلقت أو لم تفتح 143 محطة اقتراع في بعض المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة.

ويمثل "واقع السلام" التحدي القادم، وهو ما تبحث عنه إثيوبيا عبر الحوار الوطني لتحقيق إجماع قومي، وقد خطت البلاد عتبة سابعة في الخيار الديمقراطي. وفي حيثيات الخلافات السياسية ذات الأبعاد التنافسية والقومية ينظر إلى نتيجة الانتخابات السابعة في تقويمها ونتائجها ودلالاتها كونها تبرئة للمسار الديمقراطي، وأهمية ذلك تتأتي في ظل الاهتمام الحكومي بالانطلاق إلى المرحلة الثانية من الحوار الوطني، بوصفه الأداة الجامعة والمحققة لأهداف السلام والإجماع القومي المنشود.

 

وفي كلمة ألقتها خلال حفلة إعلان النتائج الرسمية للانتخابات العامة السابعة أكدت رئيسة المجلس الوطني للانتخابات الإثيوبية ميلاتورك هايلو التزام المجلس بحياده المؤسسي طوال فترة الانتخابات العامة السابعة، مؤدياً مهماته بدقة وفقاً للقانون واللوائح الانتخابية المعتمدة، من دون أي تدخل خارجي، موضحة أن المجلس اضطلع بمهماته باستقلالية تامة، وظل ملتزماً بضمان عملية انتخابية تتسم بالصدقية والشمولية والمساءلة.

من جهتها وصفت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى إثيوبيا صوفي فروم - إيمنسبرغر الانتخابات الإثيوبية السابعة بأنها محطة بارزة في المسار الديمقراطي لإثيوبيا، مشيدة بالمشاركة السلمية لملايين الناخبين، وبسير العملية الانتخابية على مستوى وطني منظم وهادئ. وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الإثيوبية (إينا)، قالت السفيرة "إن هذه المشاركة تعكس التزام الشعب الإثيوبي باختيار قياداته عبر عمليات ديمقراطية سلمية، وتصويت نحو 40 مليون إثيوبي بصورة سلمية يمثل دليلاً قوياً على إرادة الشعب"، مشيرة إلى أن تنظيم انتخابات على مستوى دولة واسعة ومتنوعة مثل إثيوبيا يتطلب استعدادات إدارية ولوجستية ومؤسسية كبيرة، ومشيدة بالجهود التي بذلت لضمان سير العملية الانتخابية بصورة منظمة.

وصرح مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن بانكول أدوي بأن إجراء الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا بصورة سلمية ومنظمة يمثل خطوة مهمة إلى الأمام في مسيرة البلاد الديمقراطية، كما أكد المفوض مجدداً التزام الاتحاد الأفريقي بمواصلة شراكته مع إثيوبيا، لتعزيز المؤسسات الديمقراطية ودعم ترسيخ الديمقراطية في البلاد.

أحزاب سياسية تبارك

عقب إعلان النتائج النهائية من المجلس الوطني للانتخابات، أصدرت أحزاب سياسية مختلفة بيانات أقرت فيها بأهمية العملية الانتخابية، وحثت الحكومة الجديدة على معالجة التحديات السياسية والأمنية والتنموية الملحة التي تواجه البلاد.

وأعرب حزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية (أزيما)، الذي حصل على 13 مقعداً في البرلمان الجديد، عن ارتياحه للاختتام السلمي للانتخابات، على رغم التحديات التي واجهتها خلال الحملات الانتخابية وفترة التصويت.

وأشاد الحزب بنزاهة والتزام المجلس الوطني للانتخابات، مجدداً استعداده للتعاون مع جميع الفاعلين السياسيين في الشؤون الوطنية، إيماناً منه بأن هذا التعاون من شأنه أن يعزز الديمقراطية والتنمية في إثيوبيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهتها، وصفت الحركة الوطنية لشعب أمهرا الانتخابات بأنها نقطة تحول تاريخية، تحققت بفضل تضحيات المواطنين من أجل السلام والتحول الديمقراطي. وأشادت الحركة بنجاح سير الانتخابات على رغم التحديات الأمنية ومحاولات القوى المعادية للسلام عرقلة العملية الانتخابية. وحثت الحكومة على إعطاء الأولوية لسيادة القانون، وضمان حرية التنقل والعمل، والتصدي للاعتداءات على الجماعات العرقية والدينية.

ودعت الحركة إلى تكثيف الجهود الرامية إلى تعزيز مبادرات السلام في المناطق المتضررة من النزاعات، لا سيما في مناطق أمهرة وأوروميا وتيغراي، مشددة على أهمية الآليات المؤسسية التي تدعم بناء السلام والحوار الوطني والمشاركة السياسية.

وهنأت الحركة في ختام بيانها حزب الازدهار على فوزه بالغالبية، ودعت الحزب الحاكم إلى تعزيز الجهود في إحلال السلام والوحدة الوطنية والأمن والتنمية الشاملة، كذا أصدر المجلس المشترك للأحزاب السياسية في أديس أبابا بياناً عقب إعلان نتائج الانتخابات، مشيراً إلى أن الانتخابات العامة السابعة جرت سلمياً وديمقراطياً، وأن حزب الازدهار فاز بغالبية الأصوات.

 على مستوى آخر، عابت جهات معارضة استمرار القيود القانونية التي وصفتها بأنها كانت معيقة لنشاطها السياسي خلال فترة الانتخابات، واعتبرت شخصيات من المعارضة أن المنافسة لم تكن متكافئة بسبب هيمنة الحزب الحاكم، ووصفت غياب التصويت في إقليم تيغراي وأجزاء من إقليم أمهرا بسبب الأوضاع الأمنية بأنه أثر في شمولية الانتخابات.

مؤشر إيجابي

رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد، يقول "اكتسبت الانتخابات الإثيوبية السابعة التي جرت في الأول من يونيو 2026 أهمية استثنائية، ليس فقط كونها تحدد شكل السلطة خلال السنوات الخمس المقبلة، بل لأنها تمثل أيضاً اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الإثيوبية على المضي في مسار ديمقراطي وسط تحديات أمنية وسياسية وإقليمية معقدة. وقد أسفرت النتائج عن فوز كاسح لحزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، إذ حصل الحزب على غالبية مريحة تجاوزت الـ438 مقعداً من أصل المقاعد المعلنة، بما يضمن له تشكيل الحكومة المقبلة والاستمرار في قيادة الدولة".

غير أن السؤال الأهم، وفق أحمد، لا يتعلق بحجم الفوز، بل بمدى قدرة هذه الانتخابات على منح "براءة ذمة" للمسار الديمقراطي الإثيوبي. من الناحية الإجرائية يمكن تسجيل عدد من المؤشرات الإيجابية، فقد جرت الانتخابات تحت إشراف مجلس الانتخابات الوطني، وشارك فيها عشرات الأحزاب وآلاف المرشحين، كما تم التعامل مع الشكاوى الانتخابية عبر آليات قانونية ومراجعيات مستقلة، وهو ما يعكس تطوراً مؤسسياً مقارنة بمراحل سابقة من التاريخ السياسي الإثيوبي.

وأضاف "تمثل الانتخابات الإثيوبية السابعة محطة مهمة في مسيرة التحول السياسي التي تشهدها إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب نتائجها السياسية، وإنما للرسائل التي حملتها على مستوى المشاركة الشعبية وترسيخ الممارسة الديمقراطية. فقد توجه أكثر من 54 مليون ناخب إثيوبي إلى صناديق الاقتراع، وهو رقم يعكس اتساع قاعدة المشاركة الشعبية وإيمان المواطنين بأهمية العملية الانتخابية كوسيلة للتعبير عن الإرادة السياسية وصناعة المستقبل".

ويوضح "جاء الفوز الكبير لحزب الازدهار الحاكم ليؤكد حجم التأييد الشعبي الذي يتمتع به الحزب وبرنامجه السياسي في هذه المرحلة، كما منح الحكومة المقبلة تفويضاً واضحاً للاستمرار في تنفيذ سياساتها ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والتنموية التي تواجه البلاد. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الانتخابات باعتبارها نجاحاً للدولة الإثيوبية ومؤسساتها أكثر من كونها مجرد انتصار لحزب سياسي بعينه. ومن المهم الإشارة إلى أن التحول الديمقراطي في إثيوبيا لا يمكن قياسه من خلال دورة انتخابية واحدة أو نتائج انتخابية منفردة، وإنما من خلال مسار تراكمي طويل تتشكل خلاله ثقافة ديمقراطية جديدة داخل المجتمع، فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي ممارسة مجتمعية وثقافة سياسية تتعلمها الشعوب عبر التجربة والمشاركة والتنافس السلمي والاحتكام إلى إرادة الناخبين".

 

ويتابع أحمد "في الحال الإثيوبية، تكمن أهمية الانتخابات السابعة في أنها تؤكد استمرار هذا المسار على رغم التحديات الداخلية والإقليمية الكبيرة التي تواجه البلاد، فالتمسك بالعملية الانتخابية وإشراك عشرات الملايين من المواطنين في اختيار ممثليهم يعكس إرادة سياسية وشعبية للحفاظ على الاستقرار وتطوير مؤسسات الحكم عبر الوسائل السلمية والدستورية. وعليه، يمكن القول إن الانتخابات الإثيوبية السابعة قدمت مؤشراً إيجابياً على تقدم مسار التحول الديمقراطي، ورسخت مبدأ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، وأكدت أن بناء الديمقراطية في إثيوبيا لن يكون نتاج قرارات سياسية آنية، بل ثمرة مسيرة طويلة يخوضها الشعب الإثيوبي نفسه، تتراكم فيها الخبرات وتتجذر خلالها قيم المشاركة والتعددية والتداول السلمي للسلطة، ومن هذا المنظور، فإن نجاح الانتخابات ومشاركة أكثر من 54 مليون ناخب يمثلان مكسباً وطنياً مهماً وخطوة إضافية على طريق بناء نموذج ديمقراطي إثيوبي يستند إلى خصوصية المجتمع الإثيوبي وتنوعه الثقافي والقومي".

ويستطرد رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية "في اعتقادي أن تجديد الثقة في حزب الازدهار يعكس مؤشرات سياسية عدة، إذ تمنح الغالبية البرلمانية الحزب القدرة على تشكيل الحكومة الجديدة وتمرير أجندته السياسية والتشريعية بأريحية داخل البرلمان، كما أنها تعزيز لموقع رئيس الوزراء آبي أحمد بدعم سياسي قوي في مواجهة الملفات الداخلية المعقدة، وعلى رأسها قضايا الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية إلى جانب الهموم الأخرى".

ويضيف "من جانب آخر، فإن استمرار هيمنة حزب الازدهار الحاكم تدلل على محدودية وقدرة قوى المعارضة على إحداث اختراق كبير في موازين القوى السياسية على المستوى الفيدرالي. وفي رأيي تواجه الحكومة في تشكيلتها الجديدة المقبلة ملفات حساسة تتعلق بإعادة الإعمار في المناطق المتأثرة بالنزاعات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وإدارة التوازنات بين الأقاليم والقوميات المختلفة، إلى جانب ما تتصدى له من مهمات وأولويات على المستويين المحلي والإقليمي".

صميم الطموح

من جانبه، يقول الباحث في شؤون القرن الأفريقي عبدالصمد أحمد "في اعتقادي أن حزب الازدهار والفوز  الكبير الذي حققه يدل علي إجماع وتأييد شعبي لإنجازات الحزب خلال دورة الحكم السابقة، وما تبع ذلك من توجهات قومية تصب في صميم الطموح الإثيوبي بمراميه كافة قومية وإقليمية، إذ أنجزت في ما أنجزت سد النهضة، ومشاريع الطاقة المتعددة، إضافة إلى الإنجازات العديدة الأخرى، وقيادة حزب الازدهار أخذت هذه الانتخابات كتحول حقيقي تجاه النهج الديمقراطي الذي أصبح واقعاً".

ويضيف "إجراء هذه الانتخابات وإقبال الجماهير عليها وما عكسته من نتيجة يمثل في حد ذاته أهمية بالغة، وقد جرى توجيه القاعدة التنفيذية والإدارية والتنظيمية لحزب الازدهار لإجراء مراجعات شاملة لأجل الاقتراب من هموم الشعب الذي حقق هذا الإجماع، بدراسات تشمل المحافظات وكل الأقاليم، وبإعادة النظر ومراجعة مطالب الشعب وتطلعات الجماهير الإثيوبية، وما هي الملاحظات، وما هي المؤاخذات، وما هي التطلعات. وأعتقد أن هذه النتائج التي إعلانها أعطت هذا الاهتمام، وهو اهتمام سيكون ضمن هموم المرحلة المقبلة، وتشمل هذه الأولويات قضايا غلاء المعيشة، والتحديات الأمنية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكل التحديات الأخرى، وأعتقد أن إدارة حزب الازدهار ستسير في الإجراءات اللازمة بما يلبي ويستجيب لتطلعات ورغبات الشعب الإثيوبي".

الأمر للشعب

الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد حسب الرسول يرى أن "الانتخابات في جوهرها، آلية لإعادة الشرعية للسلطة، وأداة للمجتمع لمحاسبة الحكام، وتطوير المسار السياسي، وضبط توجهات الدولة، وهي اللحظة التي يفترض أن يعود فيها الأمر للشعب ليقرر مسار بلاده، ويعزز قدرته على توجيه مؤسسات الدولة نحو تلبية طموحاته الوطنية، لكن السؤال الجوهري يبقى هل نجحت انتخابات 2026 في الوفاء بهذا الدور المحوري. إن إجراء الانتخابات بصورة جزئية، واستبعاد بعض المناطق من العملية التصويتية، يلقي بظلاله على المسار الديمقراطي. فقد شهدت الانتخابات السابعة، التي جرت في الأول من يونيو 2026، عدم مشاركة إقليم تيغراي بالكامل في التصويت، إلى جانب عدم إجراء الاقتراع في بعض دوائر بأمهرة وأوروميا بسبب النزاعات المسلحة".

ويتابع "أما النتائج النهائية، التي أعلنتها اللجنة الوطنية للانتخابات، فقد منحت حزب الازدهار بزعامة رئيس الوزراء آبي أحمد فوزاً ساحقاً بحصوله على 438 مقعداً من أصل 486 جرى إعلان نتائجها، أي ما يقارب 90 في المئة من المقاعد المتنافس عليها. هذا الفوز المطلق، الذي يأتي في غياب بعض الأقاليم، يطرح أسئلة حول طبيعة الانتخابات ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف الوطنية التي تجرى لأجلها، بخاصة في ظل توجهات الدولة الإثيوبية الرامية إلى جمع الصف الوطني وتحقيق أكبر قدر من الانسجام والوحدة الوطنية تجاه مستقبل يستشرفه حزب الازدهار الحاكم خلال المرحلة المقبلة".

ويضيف "مهما يكن من أمر فإن المرحلة المقبلة تحت قيادة الدورة الجديدة لحزب الازدهار الحاكم، الذي نال تفويضاً شعبياً جديداً، ينظر إليها بمنظار التفاؤل في جمع الصف الوطني والسير في الاستجابة نحو المطالب القومية والوطنية المقبلة، إلى جانب ما أنجزه الحزب خلال دورة الحكم الماضية".

لحظة كاشفة للتحولات

الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو، يقول "لا تبدو الانتخابات الإثيوبية السابعة التي منحت حزب الازدهار الحاكم غالبية كاسحة في البرلمان مجرد استحقاق دستوري اعتيادي، بل تمثل لحظة سياسية كاشفة لطبيعة التحولات التي تشهدها الدولة الإثيوبية منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018. فبينما تنظر الحكومة إلى النتائج باعتبارها تفويضاً شعبياً متجدداً لمشروعها السياسي، تطرح الأرقام نفسها أسئلة أكثر عمقاً حول طبيعة الشرعية التي أنتجتها هذه الانتخابات، وحدود قدرتها على معالجة الأزمة البنيوية التي تواجهها الدولة".

ويضيف "في الظاهر، تبدو النتيجة انتصاراً مريحاً لحزب الازدهار. فالحزب نجح في الاحتفاظ بهيمنته على المشهد السياسي وحصد ما يقارب 90 في المئة من المقاعد المعلنة، وهو ما يضمن له تشكيل الحكومة المقبلة من دون الحاجة إلى تحالفات أو تفاهمات سياسية مع قوى أخرى. غير أن قراءة النتائج بمعزل عن السياق الذي جرت فيه الانتخابات تفضي إلى استنتاجات مضللة، لأن القيمة السياسية لأي انتخابات لا تقاس بحجم الفوز فقط، بل بطبيعة البيئة التي أنتج فيها هذا الفوز، ومدى تعبيره عن توازنات المجتمع الحقيقية".

 

ويضيف "يكمن الإشكال هنا في أن الانتخابات جاءت في وقت لا تزال إثيوبيا تواجه تحديات وجودية تمس بنية الدولة نفسها، فالصراع في إقليم أمهرة لم ينته بصورة كاملة، والتوترات في أوروميا ما زالت مستمرة، بينما لم تستعد تيغراي بعد عافيتها السياسية والمؤسسية عقب الحرب التي هزت البلاد لسنوات. وفي ظل هذا المشهد، يصبح من الصعب التعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها تعبيراً نهائياً عن حال إجماع وطني أو مؤشراً على استقرار سياسي مكتمل الأركان. والواقع أن الأرقام الضخمة التي حققها الحزب الحاكم قد تثير تساؤلات حول الشرعية أكثر مما تعززها. ففي التجارب الديمقراطية الراسخة، لا تعد الغالبية الساحقة دليلاً تلقائياً على قوة النظام السياسي، بل قد تتحول إلى مؤشر على اختلال التوازن بين السلطة والمعارضة عندما تأتي في بيئات سياسية تعاني تضييق المجال العام أو ضعف التنافسية أو غياب قوى سياسية مؤثرة عن المشهد الانتخابي. ومن هذه الزاوية، فإن نسبة الفوز المرتفعة لا تغلق باب التساؤل حول مستوى التمثيل السياسي، بل تفتحه على مصراعيه".

ويتابع "هنا تحديداً تبرز المفارقة التي تحكم تجربة آبي أحمد، فمنذ وصوله إلى السلطة، قدم نفسه باعتباره قائداً لمشروع إصلاحي يهدف إلى تجاوز الإرث السياسي الذي حكم إثيوبيا لعقود، سواء في عهد الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية أو خلال المراحل السابقة، غير أن السنوات الماضية أظهرت أن الانتقال من شرعية الإصلاح إلى شرعية الحكم المستدام أكثر تعقيداً مما بدا في البداية. فالإصلاحات التي عززت مكانته داخلياً وخارجياً في سنواته الأولى اصطدمت لاحقاً بواقع إثيوبي شديد التعقيد، إذ تتداخل الاعتبارات الإثنية مع الحسابات السياسية والأمنية بصورة تجعل من الصعب إنتاج توافق وطني شامل، لذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الحكومة الجديدة لا يتعلق بإدارة البرلمان أو تشكيل السلطة التنفيذية، بل بقدرتها على تحويل الغالبية الانتخابية إلى شرعية سياسية جامعة. فالدولة الإثيوبية ليست دولة أحادية الهوية أو المصالح، وإنما كيان متعدد القوميات والانتماءات والتصورات المتباينة حول شكل الدولة ومستقبلها. ومن ثم فإن الاستقرار لا يتحقق عبر التفوق الانتخابي وحده، بل عبر بناء توافقات قادرة على استيعاب هذا التنوع داخل إطار سياسي مشترك".

ويتجاوز هذا البعد، بحسب قارو، حدود الداخل الإثيوبي ليكتسب أهمية جيوسياسية متزايدة. فإثيوبيا اليوم ليست مجرد دولة أفريقية كبيرة، بل فاعل إقليمي يسعى إلى إعادة تعريف موقعه في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومن هنا تنظر القيادة الإثيوبية إلى الاستقرار الداخلي باعتباره شرطاً ضرورياً لمواصلة مشاريعها الإقليمية، سواء ما يتعلق بمسألة الوصول إلى البحر أم بدورها الاقتصادي والأمني في المنطقة. غير أن هذا الطموح الخارجي يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على معالجة تناقضاتها الداخلية أولاً، لأن النفوذ الإقليمي المستدام لا يبنى على التفوق الانتخابي وحده، وإنما على تماسك الجبهة الداخلية وشرعية المؤسسات السياسية.

ويوضح "في هذا السياق، قد يكون من الأدق النظر إلى انتخابات 2026 باعتبارها تجديداً للشرعية الدستورية أكثر من كونها حلاً لأزمة الشرعية السياسية، فقد نجحت في تأكيد استمرار النظام السياسي ومنحت الحكومة تفويضاً قانونياً جديداً، لكنها لم تحسم الأسئلة المتعلقة بطبيعة العقد الوطني الذي يحكم العلاقة بين المركز والأقاليم، ولا مستقبل الفيدرالية الإثنية، ولا آليات إدارة التعددية داخل الدولة. لهذا لا تكمن أهمية الانتخابات في عدد المقاعد التي حصل عليها حزب الازدهار، بل في ما كشفت عنه من فجوة بين الاستقرار المؤسسي والاستقرار السياسي. فالحكومة خرجت من الانتخابات أكثر قوة من الناحية الدستورية، لكنها ما زالت تواجه تحدي بناء شرعية أوسع من حدود صندوق الاقتراع. وفي هذا الفارق تحديداً يكمن جوهر المعضلة الإثيوبية الراهنة: فالدولة استطاعت أن تنتج غالبية سياسية مريحة، لكنها لم تنجح بعد في إنتاج توافق وطني بالقدر نفسه من الاتساع. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه انتخابات 2026 ليس ما إذا كان آبي أحمد قد انتصر انتخابياً، فذلك أمر حسمته النتائج، بل ما إذا كان هذا الانتصار قادراً على التحول إلى أساس لاستقرار طويل الأمد. وحتى الآن، لا تبدو الإجابة محسومة، لأن أزمة إثيوبيا لم تعد أزمة سلطة تبحث عن شرعية انتخابية، بل أزمة دولة تبحث عن صيغة مستدامة للتعايش بين مكوناتها المتعددة في بيئة إقليمية تتزايد فيها الضغوط والتحديات".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات