Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تعرف مصر عن الجيل الثاني من مهاجريها؟

فوز عبدول فتح ملف المصريين بالخارج مجدداً وخبراء يرون السياسيين من أصل مصري "كنزاً مهدراً" ومطالب بربط أبناء المهاجرين بوطنهم الأم

عبدالرحمن السيد الفائز ببطاقة الترشح عن الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان الأميركية (أ ف ب)

ملخص

صعود عبدول السيد إلى سباق مجلس الشيوخ الأميركي يفتح ملف علاقة مصر بمهاجريها، وسط دعوات لتحويل الجاليات من مصدر للتحويلات إلى قوة ناعمة وشريك مؤثر في الخارج.

ساعات قليلة قضاها المصريون بين فرحة وتساؤل عقب فوز عبدالرحمن السيد أو "عبدول السيد" ببطاقة الترشح عن الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان الأميركية، فرحة بأنه للمرة الأولى يقترب ابن مهاجرين مصريين لهذه الدرجة من مقعد داخل الكونغرس، وفي الوقت نفسه تساؤلات مثل من هو "عبدول"؟ وما موقفه من مصر؟ وكيف كانت مسيرته السياسية؟

لكن اللافت أن ابن الجيل الثاني من المصريين في الخارج لم يعرفه الإعلام ولا الرأي العام المصري إلا بعدما حقق إنجازه بالفعل، على رغم أنه ظلّ أعواماً يصعد درجات على سلم السياسة الأميركية، مما أثار التساؤل في شأن مدى إمكانية استفادة مصر من مهاجريها المنخرطين في العمل السياسي، على غرار دول أخرى.

ما أكد الفجوة بين عبدول ووطن أبويه، محمد السيد وفاتن الكومي، هي تصريحاته عقب الفوز بالبطاقة الديمقراطية في الانتخابات، حيث وصف المساعدات العسكرية الأميركية لمصر بأنها تدعم ما سمّاه "الديكتاتورية العسكرية"، ولم يفرق بين إسرائيل ومصر في دعوته إلى وقف المساعدات العسكرية، قائلاً "لا أعتقد أنه ينبغي أن نرسل المال إلى أي منهما. مصر ثاني أكبر متلقٍ للمعونة العسكرية الخارجية. وإذا أردتم أن نبدأ بها، فيمكننا ذلك".

وبعيداً من المواقف السياسية، كان لعبدول تصريح آخر فُهم لدى البعض على أنه إساءة لصورة مصر، إذ قال إنه لولا هجرة والده في الثمانينيات من القرن الماضي، لكان مصيره هو العمل سائق أجرة مثل أبناء عمومته، مشيراً إلى أن ما يميزه عنهم أنه ولد في الولايات المتحدة، وهي التصريحات التي وصفها أمين سر اللجنة الدينية بمجلس الشيوخ، أحمد تركي، بأنها تعبر عن "خسة ونفاق وكذب"، لأنها محاولة لتوظيف الإساءة إلى بلده الأصلي لكسب تعاطف الناخبين، بينما رأى عضو مجلس النواب فريدي البياضي أن من مصلحة مصر التواصل مع "عبدول" لعرض وجهة النظر المصرية ومناقشته، بدلاً من تركه لوجهات النظر المعادية، وبخاصة أنه قد يصبح في غضون أسابيع عضواً في مجلس الشيوخ يصوت على قرارات تهم مصر.

المؤكد أن عبدول ليس الوحيد من أصول مصرية الذي يخوض غمار السياسة في الدول الغربية، إذ ينتشر 14 مليون مصري حول العالم، وفق تصريحات لوزيرة الهجرة السابقة سها جندي، 19 في المئة منهم في الأميركتين و15 في المئة في أوروبا، بينما يتركّز في دول الخليج 60 في المئة من المصريين بالخارج.

لوبي الشتات

تحفل الساحة السياسية الأميركية بمحاولات دول الاستفادة من السياسيين الأميركيين الذين ينحدرون من أصول تلك الدول، أو ما يعرف بـ"لوبيات الشتات" أو اللوبيات العرقية، إذ تستثمر الدول في بناء شبكة علاقات مع السياسيين والأكاديميين والنشطاء المرتبطين بالأصول نفسها معها.

ووفق كتاب "الكونغرس وسياسات الشتات. تأثير اللوبي الأجنبي والعرقي" الصادر عام 2018، فإن الحكومات الأجنبية اتجهت بصورة متزايدة إلى الاستعانة بجماعات الضغط المتخصصة بدلاً من الاعتماد على سلكها الدبلوماسي لبناء علاقات مع الكونغرس.

تعتمد الهند على اللجنة المشتركة للهند والأميركيين الهنود في مجلس النواب، ولجنة الهند في مجلس الشيوخ، وهما يضمان أعضاء الكونغرس من أصل هندي أو المرتبطين بالهند من الحزبين. ووثق موقع "ذا إنترسبت" عام 2020 لجوء سفارة الهند إلى الاجتماع مع أعضاء بالكونغرس لتعطيل قرار في شأن قضية كشمير، ونجحت تلك الجهود في تخفيف صيغة القرار.

فيما يتحرك الأميركيون من أصل أرمني في صيغة تعاون مستقل مع حكومة يريفان، وقد حققت "اللجنة الوطنية الأرمنية الأميركية" نجاحاً في تأمين إجماع في مجلس الشيوخ للاعتراف بمذابح الأرمن عام 2019، بينما ظهرت خلافات أخيراً بين حكومة أرمينيا وجاليتها في أميركا بسبب الاتفاق مع أذربيجان في شأن إقليم ناغورنو كارباغ، مما دفع يريفان إلى التعاقد مع شركة متخصصة في الضغط السياسي (لوبي) العام الماضي، وذلك للمرة الأولى بعدما كانت تعتمد على الأميركيين الأرمن، بحسب المركز الأرميني للدراسات الأميركية.

غياب "التخطيط الاستراتيجي"

بالعودة إلى التجربة المصرية في الأوساط السياسية الأميركية، تبدو الصورة مغايرة، إذ قال عضو الحزب الديمقراطي الأميركي، ناجي مطش، إنه على مدار 40 عاماً من وجوده بالولايات المتحدة لم يشهد أي محاولة جادة من جانب السفارة المصرية للاستفادة من المصريين العاملين في المجال السياسي أو تشكيل "لوبي" منظم منهم، وعزا ذلك إلى غياب "التخطيط الاستراتيجي" لتحقيق مصالح مصر على عكس دول أخرى تُحسن استغلال جالياتها في أميركا.

وأضاف مطش لـ"اندبندنت عربية" أن الاهتمام الرسمي يقتصر على تشكيل روابط مع بعض المصريين كي يظهروا في صورة استقبال الرئيس المصري عند زيارة الولايات المتحدة. وأكد أن الجالية المصرية في الولايات المتحدة بها من الكفاءات العلمية والسياسية الكثير، وهم مستعدون لتقديم كل ما يطلب منهم لدعم وطنهم الأم.

وأوضح أن المصريين في الولايات المتحدة حريصون على الارتباط بمصر، وكذلك ربط أبنائهم بها، لكن هناك كثيراً من الإجراءات الحكومية التي تجعلهم يشعرون بأن النظرة الرسمية لهم تنحصر في كونهم "مصدراً للدخل"، وليسوا مواطنين يحظون بالرعاية، مشيراً إلى قرار تحصيل رسوم على التليفون المحمول عند السفر إلى مصر لمدة معينة، وطالب بتغيير تلك النظرة والالتفات للمصري بالخارج على أنه "كنز استراتيجي".

ليسوا مصدر تحويلات فقط

وتأتي تحويلات المصريين في الخارج كثاني أكبر مصدر للنقد الأجنبي في مصر. وسجّلت خلال الأشهر الـ11 الأولى من السنة المالية السابقة (بين يوليو / تموز 2025 ومايو / أيار 2026) نحو 43.1 مليار جنيه، بزيادة 31.2 في المئة عن الفترة نفسها من السنة المالية السابقة، وفق آخر بيانات البنك المركزي المصري. ويصنف البنك الدولي مصر في المرتبة السادسة بين الدول التي تتلقى تحويلات مالية من قبل مهاجريها.

كذلك، أكد الأكاديمي المصري المقيم في ألمانيا عاصم حفني أن تعامل الدولة مع المصريين في الخارج يحتاج إلى نقلة جذرية تتجاوز النظر إليهم كمصدر للتحويلات المالية، للوصول إلى مفهوم الشراكة الوطنية وترسيخ الهوية عبر الحدود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح حفني لـ"اندبندنت عربية" أن أبناء الجاليات يمثلون قوة ناعمة وثروة قومية حقيقية نظراً إلى تركز غالبهم في أعمال علمية ومهنية متقدمة، وهو ما يمنح مصر رصيداً ضخماً من المعرفة والروابط الدولية، مشيراً إلى أن الدمج الأخير لشؤون المصريين بالخارج داخل وزارة الخارجية يمثل خطوة إيجابية، لكن العبرة تظل في تنفيذ توصيات المؤتمرات والمتابعة المستمرة.

الاهتمام بالجيلين الثاني والثالث

وشدد حفني على أن المشكلة الأبرز تكمن في الجيلين الثاني والثالث اللذين نشأا في بيئات ثقافية وسياسية مختلفة تجعلهم أقرب للاندماج الكامل في مجتمعاتهم البديلة، مما يتطلب تدخلاً من الدولة والأسر لمعالجة الفجوة. ودعا السفارات والقنصليات إلى تقديم برامج ثقافية ولغوية حقيقية، إضافة إلى تنظيم زيارات صيفية مجانية أو مدعومة لربط الشباب بالمعالم الثقافية والمشاريع القومية لتعزيز الانتماء السياسي والثقافي.

وأشار الأكاديمي المصري إلى وجود ضعف في التواصل الدائم مع الكوادر العلمية، إذ يغيب التعارف بين السفارات وغالب الكفاءات، مستشهداً بوجود عشرات من الأساتذة المصريين في جامعته دون وجود تواصل تنظيمي واضح معهم. وطالب السفارات بإنشاء قواعد بيانات دقيقة ومصنفة حسب التخصصات، إلى جانب تسريع التعاملات الإدارية القنصلية كإصدار الجوازات والبطاقات التي تستغرق وقتاً وكلفة مرتفعة.

واختتم حفني بطرح أهمية التبادل الأكاديمي والتعليمي بين الجامعات المصرية والمؤسسات الغربية، مؤكداً أن تمكين الطلاب والباحثين من المحاكاة والدراسة في مصر يسهم في بناء جيل من صناع القرار المستقبليين في الخارج لديهم فهم عميق للواقع المصري، مما يحول الجاليات إلى شريك فعلي في التنمية وصياغة صورة مصر عالمياً.

وخلال الأعوام الـ10 الأخيرة أصبح ملف المصريين في الخارج حاضراً على أجندة الاهتمام الحكومي، حيث استحدثت وزارة مستقلة لشؤون الهجرة والمصريين بالخارج عام 2015، بعدما كان ذلك الملف يتبع وزارة القوى العاملة، لكن الوزارة ألغيت في حكومة مصطفى مدبولي الثانية التي تشكّلت في يوليو (تموز) 2024، وأضيفت لاختصاصات وزارة الخارجية، وجرى تعيين نائب لوزير الخارجية لشؤون المصريين في الخارج. وعقدت الحكومة مؤتمرات سنوية للالتقاء بممثلي الجاليات المصرية، كان آخرها النسخة السابعة في مطلع أغسطس (آب) الجاري.

التواصل مع أهل الثقة

من جانبه، قال الدبلوماسي المصري المتقاعد السفير معتز أحمدين خليل إن تواصل السفارات المصرية مع الجاليات بالخارج كان دائماً يتم وفق معيار الانتماء السياسي، إذ يجري تقريب من يبدي التأييد للحكومة، في حين يجري توجيه الانتقادات لمن يقدمون نقداً للأوضاع الاقتصادية والسياسية في الداخل، ومتابعة أنشطتهم في الخارج.

وأضاف خليل، الذي شغل سابقاً منصب مندوب مصر لدى الأمم المتحدة، أن التباين في المواقف بين بعض الشخصيات السياسية أو أفراد الجاليات وسياسات الحكومة لا يعني ضعف انتمائهم للوطن، مشيراً إلى أن المواقف المتوازنة تعكس بالأساس الانحياز للمصلحة العامة ومصالح الشعوب.

وأوضح خليل لـ"اندبندنت عربية" أن قطاعاً كبيراً من أبناء الجاليات في الخارج ولد ونشأ في دول مثل الولايات المتحدة أو كندا، مما يجعل انتماءه وثقافته مرتبطة بتلك الدول، وهو ما يتطلب تفهماً لطبيعة آرائهم ومواقفهم السياسية دون محاكمتها أو إلقاء اللوم عليهم، حتى وإن اختلفت مع التوجهات السائدة.

كان من توصيات المؤتمر السابع للمصريين بالخارج تكثيف برامج التواصل مع أبناء الجيلين الثاني والثالث للمصريين بالخارج، والتوسع فى تنفيذ الأنشطة الرئاسية "اتكلم عربي" لدعم تعليم اللغة العربية لأبناء المهاجرين المصريين.

من أبناء الجيل الثاني للمصريين في الخارج شمس الغنيمي، وهو مستشار في البرلمان الأوروبي، أوضح لـ"اندبندنت عربية" أن مدى اقتراب أبناء المهاجرين من مصر يرتبط بالخبرة الشخصية، مشيراً إلى أنه حرص على تعلم اللغة العربية ومعرفة كثير عن مصر وثقافتها على رغم أنه ولد وتربى في فرنسا، ويرى نفسه فرنسياً 100 في المئة مثلما يعد نفسه أيضاً مصرياً بالقدر نفسه، مشيراً إلى أن أقلية من أبناء المهاجرين يتأثرون بتجارب شخصية تجعلهم يبتعدون عن مصر لأسباب عدة، مما يجعلهم يتناسون ثقافتهم المصرية، مضيفاً أنه من منظور ابن مهاجر مصري إلى فرنسا، يؤكد أن المصريين في الخارج كافة لديهم ارتباط كبير بمصر، كل على طريقته، ويجب الحفاظ على هذا الارتباط بين مصر وأبنائها في الخارج.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير