ملخص
ترى دراسة حديثة أنه خطوة لجذب جزء من تحويلات المصريين في الخارج إلى أوعية استثمارية، باعتباره أول صندوق استثماري بالدولار مصمم خصيصاً للمصريين بالخارج.
في إطار زيادة السيولة الدولارية من المتوقع أن يتسبب أول صندوق استثمار بالدولار أطلقته الحكومة المصرية، في تعزيز استثمارات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة المقبلة. ويستهدف الصندوق الذي يحمل اسم "ممفيس"، جمع 100 مليون دولار خلال عام، وهو خطوة تستهدف جذب مدخرات المصريين العاملين خارج البلاد للاستثمار في أدوات الدين الحكومية.
في تعليقه، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة "سوليد كابيتال" - أفريقيا والخليج العربي محمد رضا، إن إطلاق صندوق "ممفيس"، هو خطوة جديدة نحو جذب جزء من تحويلات المصريين في الخارج إلى أوعية استثمارية، باعتباره أول صندوق استثماري بالدولار مصمم خصيصاً للمصريين المقيمين بالخارج، ويستهدف الاستثمار في أدوات الدين السيادية المصرية المقومة بالعملات الأجنبية.
ويأتي إطلاق هذا الصندوق في توقيت مهم، لأن السوق المصرية تعيش في الوقت نفسه مرحلة إعادة بناء للثقة في أدوات الدين بالتزامن مع تحسن مؤشرات الطلب على الدين السيادي المصري، فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى تراجع فروق العائد على الديون السيادية المصرية إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات.
فيما جذبت الإصدارات الدولية المصرية من اليوروبوند والصكوك، خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2025، طلباً قوياً من المستثمرين، بقيمة إجمالية بلغت نحو 4.5 مليار دولار.
أيضاً، ارتفعت حيازات غير المقيمين من أدوات الدين المحلية إلى نحو 32.8 مليار دولار بنهاية عام 2025.
وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة المالية أن مصر تستهدف خلال السنة المالية 2026/2027 الحصول على نحو 4 مليارات دولار من الأسواق الدولية، ضمن احتياجات تمويل خارجي تتراوح ما بين 8 و9 مليارات دولار.
ماذا تعرف عن أول صندوق استثمار مصري بالدولار؟
الصندوق الذي أعلنته الحكومة المصرية خلال الفترة الماضية، سيكون تحت إدارة شركة "إن آي كابيتال لإدارة الأصول"، وهي الذراع الاستثمارية لبنك الاستثمار القومي، وتم تأسيسه في لوكسمبورغ، وسيكون الاكتتاب والاسترداد مخصص للأموال المحولة من خارج مصر.
ويبلغ الحد الأدنى للاكتتاب في الصندوق 20 ألف دولار، وسعر الوثيقة نحو 10 دولارات. وسيستثمر الصندوق الجديد بصورة أساسية في السندات الحكومية المصرية المقومة بالعملات الأجنبية "اليوروبوند" والمدرجة في بورصة لندن، وسيتيح للمشتركين، الاكتتاب والاسترداد بالدولار من خلال البنوك المتعاملة معهم خارج مصر، مع استهداف تحقيق عائد دوري بالدولار وتوفير سيولة تسمح بالدخول والخروج من الاستثمار بسهولة.
يأتي إطلاق الصندوق في وقت شهدت فيه تحويلات المصريين العاملين بالخارج ارتفاعاً ملاحظاً، إذ بلغت 43.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025، وحتى نهاية مايو (أيار) 2026، مقارنة بنحو 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، بزيادة بلغت نسبتها 31.4 في المئة.
توجيه المدخرات إلى أدوات التمويل المصرية
في دراسة تحليلية، قالت مجموعة "سوليد كابيتال" إن إطلاق صندوق "ممفيس" يأتي في وقت تحتاج فيه مصر إلى توسيع قاعدة المستثمرين في أدوات الدين الدولارية، إلا أن حجم الصندوق وقدرته على تجاوز المستهدف المعلن لجمع نحو 100 مليون دولار خلال عامه الأول سيكونان عاملين حاسمين في تحديد مدى تأثيره الحقيقي، فجمع 100 مليون دولار في حد ذاته لن يكون كافياً لإحداث تأثير كبير في سوق الدين أو تدفقات النقد الأجنبي.
لكن نجاح التجربة في الوصول إلى 500 مليون دولار أو حتى مليار دولار، سواء من خلال نمو الصندوق نفسه أم تكرار النموذج عبر صناديق أخرى، يمكن أن يحول ممفيس من مجرد منتج استثماري جديد إلى ذراع مؤثرة في تعبئة مدخرات المصريين بالخارج وتوجيهها نحو الاستثمار في الأدوات التمويلية للاقتصاد المصري.
وقال رضا، إن قوة الصندوق، خصوصاً في عامه الأول، لا تكمن في الـ100 مليون دولار المستهدفة بقدر ما تكمن في فكرة المنتج نفسها.
إذ تستقبل مصر عشرات المليارات من الدولارات سنوياً في صورة تحويلات من المصريين بالخارج، وقد ارتفعت هذه التحويلات بالفعل إلى مستويات قياسية، لكن تحويل جزء من هذه الأموال من مجرد تحويلات تستخدم في الاستهلاك أو الادخار إلى استثمارات طويلة الأجل يتطلب منتجات مالية مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات المصري المقيم في الخارج، وهذا بالضبط ما يحاول الصندوق تقديمه.
أوضح أن نجاح الصندوق لا ينبغي أن يقاس فحسب بحجم الأموال التي يجمعها، وإنما بمجموعة من المؤشرات، من أهمها حجم الاكتتاب الفعلي مقارنة بالمستهدف، ونسبة الأموال التي يتم توجيهها إلى إصدارات مصرية جديدة في السوق الأولية، وكلفة الإدارة والتسوية مقارنة بالعائد الصافي للمستثمر، ومعدلات الاسترداد والاحتفاظ بالاستثمارات، فضلاً عن قدرة الصندوق على التوسع بعد عامه الأول.
وإذا نجح الصندوق الجديد في هذه الاختبارات، فقد يكون بداية لسوق جديدة بالكامل لأدوات مالية مصرية موجهة إلى المصريين في الخارج بالدولار، بدلاً من الاكتفاء بالمنتجات التقليدية للتحويلات والادخار. أما إذا اقتصر الأمر على جمع 100 مليون دولار ثم توقف النمو، فسيظل أثر الصندوق محدود نسبياً.
حجم تأثير الصندوق هو العامل الحاسم
وأشارت الدراسة إلى أن الصندوق يعزز الاستثمار في السندات المصرية، لكن يظل حجم تأثيره هو العامل الحاسم.
فالصندوق مصمم للاستثمار في اليوروبوند المصري، وبالتالي فإن كل دولار جديد يدخل الصندوق ويستخدم في شراء سندات مصرية يضيف طلباً إلى هذه السوق.
لكن في الوقت ذاته فإنه من المهم التمييز بين حالتين، الأولى: هي أن يشتري الصندوق سندات مصرية جديدة في السوق الأولية عند طرحها، وهنا يكون الأثر الاقتصادي أقوى بكثير، لأن أموال المستثمرين تتحول بصورة مباشرة إلى تمويل جديد للخزانة المصرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما الحالة الثانية، فهي شراء الصندوق سندات قائمة من مستثمر آخر في السوق الثانوية، وهنا يزداد الطلب والسيولة وقد ترتفع أسعار السندات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة دخول دولار جديد إلى الخزانة المصرية، لأن الأموال تنتقل ببساطة من مستثمر إلى آخر.
وهذه نقطة جوهرية عند تقييم الأثر الحقيقي للصندوق في تدفقات النقد الأجنبي، فليس كل دولار يدخل الصندوق يعادل بالضرورة دولاراً جديداً يدخل إلى احتياطات الدولة أو موارد الخزانة، ولذلك سيكون التأثير الاقتصادي الأكبر للصندوق إذا نجح في أن يصبح قناة مستقرة للمشاركة في الإصدارات الجديدة، وليس مجرد مستثمر في السندات القائمة في السوق الثانوية.
الأهمية ليست في جمع 100 مليون دولار
الدراسة أشارت إلى أن جمع 100 مليون دولار لن يكون رقماً قادراً بمفرده على تغيير معادلة النقد الأجنبي في مصر، إذ تكمن الأهمية الحقيقية في قابلية النمو، وإذا نجح الصندوق في الوصول إلى مستهدفه، ثم تكررت التجربة من خلال صناديق أخرى تستهدف شرائح مختلفة وبأحجام تتجاوز 500 مليون دولار، أو ارتفع حجم ممفيس نفسه إلى أكثر من مليار دولار، فقد يبدأ تدريجاً تشكل سوق استثمار متكاملة للمغتربين، بدلاً من وجود صندوق واحد محدود الحجم.
وفي هذه الحالية، يمكن أن يتحول الأثر من أثر مالي محدود إلى أثر مؤسسي مهم، لأن مصر لن تكون قد نجحت فحسب في جذب أموال جديدة، وإنما ستكون قد أنشأت قناة دائمة ومنظمة تربط مدخرات المصريين في الخارج باحتياجات الاقتصاد المحلي. ومن ثم، فإن صندوق ممفيس لن يحل مشكلة الدولار في مصر، لكنه قد يساعد في تغيير طريقة تعامل الاقتصاد المصري مع مدخرات المصريين بالخارج، من أموال تصل إلى الاقتصاد ثم تستخدم في الاستهلاك أو الادخار التقليدي، إلى جزء من هذه الأموال يتحول إلى رأسمال استثماري يطلب السند المصري ويمول الدولة ويوسع قاعدة المستثمرين.
وفي ظل وصول تحويلات المصريين بالخارج إلى نحو 43.1 مليار دولار خلال الأشهر الـ11 الأولى من السنة المالية 2025/2026، فإن تحويل حتى نسبة صغيرة من هذه القوة المالية إلى استثمار منظم يمكن أن يكون ذا قيمة كبيرة، خصوصاً إذا تكرر النموذج وتوسع بمرور الوقت.
وبالتالي، فإن "ممفيس" يستحق أن ينظر إليه باعتباره تجربة تأسيسية أكثر من كونه مصدراً سريعاً للعملة الصعبة، ونجاحه الحقيقي لن يكون في عدد الدولارات التي يجمعها خلال عامه الأول فحسب، وإنما في قدرته على تحويل ثقة المصري المقيم بالخارج في بلده إلى منتج استثماري دولاري قابل للنمو والتوسع.
4 نقاط حتى يكون الصندوق أكثر جاذبية للمصريين بالخارج
وأشارت الدراسة إلى أربع نقاط رئيسة تجعل الصندوق جذاباً للمصري المقيم في الخارج، أولاً الدولار هو وحدة الاستثمار، وهو ما يتناسب مع المستثمر الذي يحصل على دخله ومدخراته بالدولار أو بعملات أجنبية، ويجنبه الحاجة إلى تحويل أمواله إلى الجنيه ثم البحث عن وسيلة لإعادة الاستثمار أو التحوط من أخطار العملة.
ثانياً، يتيح الصندوق الاستثمار في مصر من دون الحاجة إلى الاستثمار المباشر داخل مصر، فالمصري بالخارج يستطيع التعرض لأدوات الدين السيادي المصري من خلال هيكل مالي قائم في لوكسمبورغ، وهو ما قد يكون أكثر ملاءمة للمستثمر الذي يفضل التعامل مع إطار مالي دولي.
ثالثاً، هناك مرونة الاكتتاب والاسترداد، فإتاحة الاكتتاب أسبوعياً والاسترداد شهرياً، مع عدم وجود فترة احتفاظ إلزامية، تجعل المنتج أكثر مرونة من بعض أدوات الادخار والاستثمار التقليدية التي تفرض آجالًا طويلة أو قيوداً على الخروج.
أخيراً، العائد المحتمل، فالاستثمار في الدين السيادي المصري المقوم بالدولار قد يوفر عائداً أعلى من بعض أدوات الدخل الثابت منخفضة الأخطار في الاقتصادات المتقدمة. لكن هذه الزيادة في العائد ليست مجانية، وإنما تأتي في مقابل تحمل أخطار ائتمانية وسوقية أعلى.