ملخص
تتراجع رهانات رفع الفائدة الأميركية، بينما ترتفع عوائد السندات طويلة الأجل بفعل مخاوف التضخم والعجز والديون، مما يعمق التوتر بين الأسواق والسياسة النقدية.
تتراجع رهانات "وول ستريت" على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل، لكن سوق السندات تتحرك في الاتجاه المعاكس، في تناقض يسلط الضوء على اتساع الفجوة بين توقعات المستثمرين لتحركات البنك المركزي وبين ما تطلبه الأسواق فعلياً مقابل إقراض الحكومات والشركات على المدى الطويل.
وتراجعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع "الفيدرالي" المقرر في الـ16 من سبتمبر المقبل إلى نحو الثلث، بعدما كانت تقترب من 100 في المئة في أواخر يوليو (تموز) الماضي.
وفي الفترة نفسها، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً من نحو 5.09 في المئة إلى 5.31 في المئة، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007.
وللوهلة الأولى، تبدو هذه التحركات متناقضة. فإذا كان المستثمرون يتوقعون تشديداً نقدياً أقل من جانب الاحتياطي الفيدرالي، فمن المفترض أن تتراجع كلفة الاقتراض طويلة الأجل أيضاً، لا أن ترتفع.
لكن هذا ما يحدث بالفعل، وهو ما يعيد رئيس "الفيدرالي" كيفن وارش إلى موقف بات مألوفاً بصورة متزايدة، إذ يجد نفسه عالقاً بين ما يفعله البنك المركزي وما يبدو أن الأسواق المالية تريده.
وكانت الأسواق قد قلبت المعادلة بالنسبة إلى وارش، من خلال تخفيف الأوضاع المالية بصورة كبيرة منذ اجتماع الشهر الماضي، حتى مع بقاء أسعار الفائدة طويلة الأجل مرتفعة.
وأبقى وارش الباب مفتوحاً أمام احتمال رفع الفائدة في سبتمبر المقبل، وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" في وقت سابق من الشهر الجاري، نقلاً عن أشخاص مطلعين على تفكيره، أنه قد يدرس رفع الفائدة إذا جاءت بيانات التضخم مرتفعة وتحركت الأسواق نحو توقع ارتفاع كلفة الاقتراض، لكن احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر المقبل تراجعت، فيما لم تحذُ أسعار الفائدة طويلة الأجل حذوها.
لماذا لا تنخفض عوائد السندات طويلة الأجل مع تراجع توقعات رفع الفائدة؟
هذه هي المعضلة التي يركز عليها جيم بيانكو من "بيانكو ريسيرش"، إذ يرى أن المستثمرين في السندات قد يحتاجون إلى التفكير في المسألة من زاوية مختلفة.
وكتب بيانكو "بالنسبة إلى من يريدون اتخاذ موقف متفائل تجاه السندات، هل تريدون حقاً ألا يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر (المقبل)".
وتتجاوز حجته التحرك الأخير في الأسواق، إذ إن الاتجاه الحالي لا يتوافق ببساطة مع العلاقة التقليدية بين السياسة النقدية قصيرة الأجل وعوائد السندات طويلة الأجل.
فقد بدأ "الفيدرالي" خفض أسعار الفائدة في الـ18 من سبتمبر 2024، وخفض سعر الفائدة الأساس بمقدار 1.75 نقطة مئوية منذ ذلك الحين.
ومع ذلك، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 أعوام بنحو نقطة مئوية، في حين ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو 1.3 نقطة مئوية.
وهذه الديناميكية هي نفسها التي تقف وراء ما يعرف بـ"مضاربي السندات"، الذين يضغطون على الأسواق المالية من خلال المطالبة بعوائد أعلى عندما يرون أن أخطار التضخم أو العجز المالي أو غيرها من الأخطار طويلة الأجل آخذة في الارتفاع.
فـ"الفيدرالي" يتحكم في سعر فائدة قصير الأجل بالغ الأهمية، لكن المستثمرين هم من يقررون في نهاية المطاف العائد الذي يطلبونه مقابل إقراض الأموال لعقود.
وبحسب حسابات "بيانكو"، لم تشهد سوى دورة خفض أسعار الفائدة في عام 1980 ارتفاعاً في عائد السندات لأجل 10 أعوام بمقدار مماثل، واستمرت تلك الفترة 119 يوماً فحسب، قبل أن يعكس "الفيدرالي" مساره ويبدأ في رفع أسعار الفائدة مجدداً.
هل يعني ارتفاع عوائد السندات أن التضخم ما زال المشكلة الرئيسة؟
يرى مراقبون أن رسالة سوق السندات أكثر تعقيداً من مجرد القول إن "التضخم مرتفع للغاية"، فقد جاء الجزء الأكبر من ارتفاع عائد السندات لأجل 10 أعوام منذ بدء "الفيدرالي" خفض أسعار الفائدة نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية بعد احتساب التضخم، وليس بسبب قفزة مماثلة في توقعات المستثمرين للتضخم.
وأشار باحثون في "الفيدرالي" إلى أخطار أخرى طويلة الأجل، من بينها آفاق العجز الفيدرالي والصدمات الاقتصادية، باعتبارها عوامل يمكن أن تدفع أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى الارتفاع.
وبذلك، فإن المستثمرين لا يراهنون بالضرورة على عودة التضخم إلى مستويات أعلى فحسب، وإنما يطالبون أيضاً بتعويض أكبر عن حال عدم اليقين المحيطة بالاقتصاد والسياسة المالية والاقتراض الحكومي.
ولا يزال تفسير "بيانكو" مجرد فرضية، لكنه بات الآن قابلاً للاختبار، فإذا عادت توقعات رفع الفائدة في سبتمبر المقبل إلى الارتفاع، وانخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً أخيراً، فستكون سوق السندات قد قدمت بالضبط الاستجابة التي يبحث عنها، وكتب "بيانكو"، "يمكن لمتداولي السندات التوقف عن الذعر عندما يبدأ الاحتياطي الفيدرالي في الذعر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتقع السندات ذات آجال الاستحقاق الأطول في قلب قلق المستثمرين في شأن كل شيء، من التضخم إلى طفرة الذكاء الاصطناعي المثقلة بالديون، فيما تتحمل الحكومات كلفة ارتفاع العوائد.
وتشهد كلفة الاقتراض السيادية ارتفاعاً حاداً حول العالم. فقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007 هذا الأسبوع، بينما وصلت كلفة الاقتراض الفرنسية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2008، وتداولت نظيراتها الألمانية عند مستويات تعود إلى عام 2011.
واقتربت عوائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً من ستة في المئة، فيما تقترب عوائد السندات اليابانية ذات الآجال المماثلة من أعلى مستوياتها على الإطلاق.
وبينما تلعب العوامل المحلية دوراً في كل سوق، فإن القوى الهيكلية التي تدفع العوائد إلى الارتفاع ذات طبيعة عالمية.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في "سانت جيمس بليس" جاستن أونوكيوسي "ما تقوله السوق هو أننا نتوقع تضخماً أكبر، أو في الأقل قدراً أكبر من عدم اليقين في المستقبل، بالتالي نطالب بعائد أعلى على السندات الأطول أجلاً".
ويتمثل أحد المخاوف الرئيسة في أن استمرار الاضطرابات الجيوسياسية سيجعل الاقتصادات أكثر عرضة لصدمات المعروض والضغوط التضخمية.
ويشعر حائزو السندات بالقلق من أن تفشل الحكومات في كبح الإنفاق المالي، في وقت تؤدي فيه التغيرات في هيكل الأسواق والتركيبة السكانية إلى تراجع الطلب من جانب المشترين الذين كانوا في السابق أكثر استقراراً.
وبينما ترتفع كلفة الاقتراض الحكومي عبر منحنيات عوائد السندات العالمية، تقود الديون طويلة الأجل هذا الارتفاع بسبب حساسيتها الأكبر لأخطار مثل التضخم.
وقد أصبح هذا القلق كبيراً بما يكفي لدفع بعض الدول إلى تحويل إصداراتها بعيداً من السندات طويلة الأجل نحو الآجال الأقصر.
وارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 40 نقطة أساس منذ نهاية يونيو (حزيران) الماضي، لتلامس 5.33 في المئة أول من أمس الثلاثاء، وتراجعت لاحقاً خلال الجلسة إلى 5.28 في المئة، إلا أن العائد لا يزال قريباً من أعلى مستوى له منذ عام 2007.
ويمثل ذلك صداعاً للرئيس دونالد ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت قبيل انتخابات التجديد النصفي، إذ تنتقل كلفة التمويل الحكومي المرتفعة إلى قروض الشركات والمستهلكين.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار لدى "بي أن بي باريبا لإدارة الأصول" كريس إيغو، "من الصعب معرفة مستوى العائد الذي من شأنه أن يجعل آفاق إجمال العوائد من أدوات الدخل الثابت طويلة الأجل أكثر جاذبية".
وأضاف "الشيء الوحيد الذي قد يغير ذلك هو حدوث ضعف مفاجئ في البيانات الاقتصادية أو وقوع صدمة خارجية من نوع ما. ويبدو أن الاحتمال الثاني أكثر ترجيحاً من الأول".
وقال إيغو أيضاً "قد تؤدي انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل إلى مزيد من أخطار السياسات، وستركز بالتأكيد اهتمام الأسواق على القضايا المالية قبيل موسم الموازنة المعتاد. ومن الناحية المثالية، لا يرغب المرء في دخول فترة انتخابية مهمة مع ارتفاع معدلات الرهن العقاري، حتى لو ظلت أقل من مستوياتها في عام 2023".
هل يفاقم ارتفاع أسعار الطاقة والشرق الأوسط ضغوط أسواق السندات؟
تعرضت أسواق الديون العالمية لضغوط قوية هذا العام بفعل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، وهو ما عزز الرهانات على أن الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى قد تُشدد السياسة النقدية.
وستؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة الأعباء المالية على الاقتصادات الكبرى في العالم. وفي الولايات المتحدة، يواصل ارتفاع كلفة خدمة الدين العام لعب دور رئيس في اتساع عجز الموازنة.
وبلغ إجمال الفوائد على الدين العام خلال العام المالي حتى الآن 1.17 تريليون دولار، بزيادة قدرها 15 في المئة، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة.
ويضيف ارتفاع كلفة الاقتراض ضغوطاً جديدة على الحكومات التي تواجه أصلاً مستويات مرتفعة من الدين والإنفاق، مما يجعل العلاقة بين السياسة النقدية والسياسة المالية أكثر حساسية.
من العوامل التي تشكل رياحاً معاكسة للديون الحكومية طويلة الأجل عالمياً المنافسة من جانب المقترضين من الشركات.
فقد أضافت وتيرة إصدار السندات، التي بلغت مستويات قياسية، كميات كبيرة من المعروض من السندات ذات المدد الطويلة إلى أسواق الدخل الثابت الأميركية، خصوصاً مع سعي شركات التكنولوجيا الراغبة في تمويل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي إلى الاقتراض بآجال أطول.
وتتجه هذه الشركات الأميركية بصورة متزايدة إلى أسواق السندات الخارجية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قرار شركة "ألفابت" طرح أول إصدار لها من الديون المقومة بالدولار الأسترالي بقيمة 5 مليارات دولار أسترالي، بما يعادل 3.6 مليار دولار أميركي.
وتكشف تحركات السندات عن تحول مهم في نظرة المستثمرين إلى الأخطار، إذ لم تعد توقعات قرارات البنوك المركزية وحدها كافية لتفسير اتجاه العوائد طويلة الأجل. فالتضخم والعجز المالي وحجم الاقتراض الحكومي وحاجات شركات التكنولوجيا إلى التمويل، إلى جانب الأخطار الجيوسياسية، أصبحت جميعها عوامل تحدد السعر الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالديون لفترات طويلة.
لماذا يتراجع الطلب التقليدي على السندات طويلة الأجل؟
يأتي تحدي زيادة المعروض في وقت تتغير قاعدة المشترين، فقد كان عدد من أسواق السندات يعتمد تقليدياً على الطلب على الأصول طويلة الأجل من صناديق التقاعد، التي تسعى إلى مواءمة هذه الأوراق المالية مع التزاماتها.
أما في الوقت الحالي، فيتجه عدد من الجهات المقدمة إلى أنظمة التقاعد بعيداً من أنظمة المزايا المحددة، بينما تشجع اللوائح الصناديق على زيادة استثماراتها في الأسهم.
وبصورة أوسع، ومع تسارع إصدارات السندات الحكومية، أصبحت الدول تعتمد بصورة أكبر على المستثمرين من القطاع الخاص.
وأظهرت محاضر اجتماع "الفيدرالي" في يونيو الماضي أن المسؤولين تلقوا إحاطة في شأن تحول ملكية سندات الخزانة من "حائزين رسميين أقل حساسية نسبياً إلى الأسعار، إلى مستثمرين من القطاع الخاص أكثر حساسية للأسعار"، وهو ما قد يؤثر في علاوة الأجل، أي العائد الإضافي الذي يطالب به المستثمرون لحيازة الديون طويلة الأجل.