Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفيلسوف اليوناني ستليوس رامفوس... من الماركسية فإلى نقدها ثم إلى الدين

مشروع ظل يتغير ويتسع لكنه لم يفقد سؤاله الأساس: كيف يصبح الإنسان إنساناً؟

الفيلسوف اليوناني ستيوس رامفوس (صفحة الفيلسوف - فيسبوك)

ملخص

 رحل الفيلسوف والمفكر اليوناني ستليوس رامفوس قبل أيام عن 87 سنة، وكان واحداً من أكثر المثقفين اليونانيين حضوراً وإثارة للجدل خلال العقود الأخيرة، فوضع عشرات الكتب، وألف في حقول الفلسفة والتاريخ واللغة والدين والهوية اليونانية، وكان حاضراً بكثافة في الندوات والمؤتمرات والصحافة.

لم يكن مشروع ستليوس رامفوس اشتغالاً أكاديمياً بالفلسفة وحسب، بل محاولة واسعة لفهم الإنسان اليوناني الحديث، وعلاقته بالتراث البيزنطي والأرثوذكسي، وبالغرب والحداثة، وبالزمن والذاكرة والتربية واللغة. وتكشف عناوين كتبه، الممتدة من سبعينيات القرن الماضي إلى العقد الأخير، عن مشروع ظل يتغير ويتسع لكنه لم يفقد سؤاله الأساس: كيف يصبح الإنسان إنساناً؟

وهذا بالضبط ما يجعل رامفوس جديراً بالقراءة عربياً، ليس لأنه فيلسوف يوناني رحل حديثاً، ولا لأن اليونان هي الأرض التي أنجبت أفلاطون وأرسطو، بل لأن مساره الفكري نفسه يضعنا أمام تجربة نادرة: ماركسي في شبابه، ثم ناقد للماركسية، ثم أحد الأسماء البارزة المرتبطة بالنيو-أرثوذكسية اليونانية، قبل أن يدخل لاحقاً في مراجعات لمواقفه السابقة، ولا سيما في علاقته بالغرب والحداثة والمجتمع اليوناني.

من هنا يقترح رحيله سؤالاً يتجاوز سيرته الشخصية: ماذا وجد رامفوس في الدين ولم يجده في الماركسية؟ ربما كان الجواب الأعمق، إذا قرأنا مساره كله لا موقفاً واحداً منه، أنه وجد في الدين شيئاً يتصل بذلك الجانب من الإنسان الذي لا تستنفده السياسة ولا الاقتصاد ولا التاريخ: سؤال المعنى، والداخل، والموت، والأبدية، والروح، وربما ما يمكن أن نسميه، بحذر، التوق إلى المطلق.

من الماركسية إلى سؤال الإنسان اليوناني

 

بدأ رامفوس من اليسار الماركسي. انتقل إلى باريس لدراسة الفلسفة، ودرس في جامعة باريس الثامنة - فانسين بين عامي 1969 و1974، وهناك التقى كورنيليوس كاستورياديس وتأثر به، وكانت باريس لحظة حاسمة في إعادة ترتيب علاقته بالماركسية والفلسفة والتراث اليوناني. لكن اللافت أن سؤال اليونان والإنسان اليوناني لم يظهر عنده بعد خروجه من الماركسية فقط، ففي كتابه الباكر "دولة اللاهوتي الجديد: ما قبل تاريخ اليونانية الحديثة وقلقها" يظهر اهتمام واضح بتكوين الإنسان اليوناني الحديث، وبالعلاقة بين التاريخ وبيزنطة والتقليد الأرثوذكسي.

العنوان نفسه يكشف شيئاً من طبيعة المشروع، فـ"الدولة" و"اللاهوتي الجديد" و"ما قبل تاريخ اليونانية الحديثة" ليست عند رامفوس مواضيع منفصلة، إنها عناصر في سؤال واحد عن كيفية تكون الإنسان اليوناني. كيف تكونت داخليته؟ ما أثر بيزنطة في تكوينه؟ كيف استمرت الأرثوذكسية في حياته؟  وماذا فعلت اللغة والتربية والتقاليد بهذا الإنسان؟

هنا بدأ سؤال رامفوس يبتعد من سؤال البنية الاجتماعية وحدها، ويتجه شيئاً فشيئاً إلى سؤال الداخل الإنساني.

"شهادة ورسالة": حين بدأ رامفوس يغادر ماركس

ولعل أفضل مكان لرؤية هذه الحركة من الداخل هو كتابه "شهادة ورسالة: مرافعة عن ماركس وحديث عن كاستورياديس" الصادر عام 1984، فالعنوان نفسه بالغ الدلالة، فهو لا يقول ببساطة: ماركس انتهى. إن رامفوس لا يكتب ضد ماركس من الخارج، بل يحاوره وهو يغادره، ويضع كاستورياديس في قلب هذا الحوار، ولذلك لا ينبغي فهم انتقاله باعتباره انقلاباً أيديولوجياً سريعاً من اليسار إلى اليمين، أو من الماركسية إلى الدين، فقد كانت المسألة أعمق.

 

قد بدأ يشعر بأن الماركسية، مهما كانت قدرتها على تفسير الاستغلال والطبقة والعمل والتاريخ، لا تستنفد الإنسان، ولقد أعطته أدوات لفهم المجتمع، ومشروعاً للتحرر والعدالة، لكنها تركت أسئلة أخرى مفتوحة: ماذا نفعل بالموت؟ ماذا نفعل بالداخل الإنساني؟ ماذا نفعل بالرغبة في المعنى؟ ماذا نفعل بما يتجاوز التاريخ؟

من هنا يصبح الخروج من الماركسية عند رامفوس خروجاً من اختزال الإنسان في التاريخ.

من التاريخ إلى التوق

هنا تبدأ الأرثوذكسية في الدخول إلى مشروعه، لا بوصفها مجرد هوية دينية أو قومية، بل بوصفها إمكاناً آخر لفهم الإنسان، ويكشف كتاب "الفيلسوف والحب الإلهي" الصادر عام 1989، ثم في طبعة موسّعة عام 1999، عن هذا الانتقال بوضوح، فالكتاب يتحرك من أفلاطون، ولا سيما من "المأدبة"، إلى تراث القديس سمعان اللاهوتي الجديد، أي من الحب الفلسفي إلى الحب الإلهي، وهنا يصبح التوق مفتاحاً مهماً لقراءة رامفوس، فالإنسان ليس فقط كائناً يعيش داخل العالم، وإنما كائن يتوجه دائماً إلى ما يتجاوز ما هو قائم.

من هنا يمكن فهم الفرق بين الماركسية والدين في مسار رامفوس، فالماركسية تحمل وعداً بالخلاص، لكنها تجعل الخلاص تاريخياً: مجتمعاً آخر، وعلاقات أخرى، ومستقبلاً آخر، أما الدين فيضع سؤال الخلاص في أفق لا يستنفده التاريخ، ومن هنا يمكن أن نقرأ انتقال رامفوس، فلسفياً، باعتباره انتقالاً من مطلق تاريخي إلى مطلق متعالٍ. ولا يعني ذلك أن الماركسية بلا مطلق، على العكس، كان فيها توق هائل إلى العدالة والمساواة والتحرر، بل إلى نوع من الخلاص التاريخي، لكن رامفوس بدا وكأنه يبحث عن شيء لا يستطيع التاريخ وحده أن يمنحه.

 

ثم تأتي محطة شديدة الدلالة في كتابه "بجع صحراويون: جولة في أقوال آباء الصحراء" الصادر عام 1994، وهنا لا يعود الدين موضوعاً ثقافياً أو تاريخياً فقط، فيدخل رامفوس عالم النسكية والصمت والطاعة والتوبة والزهد والمحبة والموت والداخل، وتكشف عناوين الكتاب نفسها هذا التحول: الخلية، والصبر، والعمل النسكي، والطاعة، والتوبة، والمحبة المقدسة، وعلم النفس والنعمة. وهذا مهم جداً لفهم انتقاله، فإذا كانت الماركسية قد بدأت من المجتمع فإن رامفوس أخذ يتحرك باتجاه الإنسان من الداخل.

لم يعد السؤال فقط: كيف نغير العالم؟ بل أصبح: كيف يتغير الإنسان نفسه؟ هنا تقترب الماركسية والدين من سؤال مشترك، لكنهما تجيبان عنه بطريقتين مختلفتين. الماركسية تريد تغيير شروط الحياة الاجتماعية، أما التقليد الروحي فيسأل عن تحول الذات نفسها، وربما كان رامفوس يرى أن الإنسان لا يصبح إنساناً جديداً بتغيير البنية الخارجية وحدها.

"لوعة الواحد": قلب المشروع

لكن إذا أردنا اختيار كتاب واحد يضيء مشروع رامفوس كله، فربما كان "لوعة الواحد: فصول من التاريخ النفسي لليونانيين" الصادر عام 2000. هنا يصبح العنوان نفسه مفتاحاً. فالواحد ليس مجرد أفهوم ميتافيزيقي، واللوعة ليست مجرد حنين عاطفي. نحن أمام بحث في الحياة الداخلية لليونانيين، وفي العلاقة بين الفرد والشخص، وبين التعدد والوحدة، وبين الزمن والأبدية.

هنا تلتقي خيوط ظهرت في أعماله السابقة: اليونان. بيزنطة. الأرثوذكسية. الفرد. الداخل. الزمن. الموت. الأبدية. كلها تلتقي في سؤال الإنسان عن الواحد. من هنا نستطيع، من دون أن ننسب إلى رامفوس عبارة لم يقلها حرفياً، أن نقترح لقراءة مساره أفهوم التوق إلى المطلق، فربما لم يكن السؤال الذي قاده من الماركسية إلى الأرثوذكسية: "أي عقيدة أصح؟"، بل السؤال الأعمق: أين يجد الإنسان ما يتجاوز العالم الذي يعيش فيه؟

من "لوعة الواحد" إلى "سجل زمن جديد"

لكن سيكون من الخطأ اختزال رامفوس في لحظة عودته إلى الأرثوذكسية، فمشروعه لم يتوقف عند التراث. لقد عاد منه للحاضر.

 

في "سجل زمن جديد" (1996)، انتقل بصورة أوضح إلى تشخيص اليونان المعاصرة، وإلى مشكلة الفردنة والزمن والحداثة، ثم جاء "اليونانيون وطالبان" (2001)، ليصبح نقد المجتمع اليوناني الحديث أكثر مباشرة، ولا سيما في علاقته بالزمن والجمود الثقافي.

وفي "العدم الذي لا يُتصور" (2000)، و"الحرية واللغة" (2010)، و"الوقت المستقطع: الحس اليوناني بالزمن" (2012)، تتسع دائرة السؤال أكثر: لم يعد الأمر مجرد استعادة للتراث الأرثوذكسي، بل محاولة لفهم أزمة الإنسان اليوناني في الحداثة، وهذا التحول مهم جداً، فلو كان رامفوس مجرد مفكر "عاد للأرثوذكسية" لانتهى مشروعه عند استعادة التراث، لكنه لم يفعل. لقد عاد للتراث لكي يفهم الحاضر.

الدين عند رامفوس: جواب أم طريق؟

حتى كتاب مثل "سر يسوع" (2006) ينتمي إلى هذا الاشتغال المستمر على الدين والإنسان، لكنه لا يسمح لنا باختزال رامفوس في رجل عقيدة مستقرة، وعليه فليس السؤال الأهم: هل أصبح رامفوس أرثوذكسياً؟ بل: ماذا كان يبحث عنه حين اتجه إلى الأرثوذكسية؟ هذه هي المسألة الفلسفية، فلو كان الدين عنده مجرد عودة للهوية لانتهى الأمر عند استعادة التراث، لكن مساره يقول شيئاً آخر. إنه يعود للتراث لكي يفهم الإنسان، ويعود للآباء كي يفهم الداخل، ويعود للواحد كي يفهم التوق، ويعود للأرثوذكسية كي يسأل عن الزمن والموت والأبدية.

من هنا يمكن أن نفهم عنوان "لوعة الواحد" بوصفه أكثر من عنوان كتاب: إنه ربما مفتاح لقراءة المسار كله.

أي فلسفة يونانية اليوم؟

لماذا تغيب الفلسفة اليوم عن أرض الفلسفة؟ هنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز رامفوس نفسه، فإذا كان رامفوس قد أمضى جزءاً كبيراً من حياته في محاولة فهم الإنسان اليوناني، وعلاقته بالعائلة والماضي والأرثوذكسية وبيزنطة والغرب والحداثة، فإن السؤال الذي يمكن أن نطرحه اليوم هو: لماذا لا نشهد في اليونان المعاصرة حدثاً فلسفياً يوازي، في قوة إبداعه وتأثيره، ذلك الحدث الفلسفي الذي عرفته اليونان القديمة؟ لا يعني ذلك أن الفلسفة غائبة عن الجامعات اليونانية، فهناك فلاسفة وباحثون وأقسام ودراسات فلسفية جادة، لكن السؤال أعمق: ما شروط إمكان الفلسفة؟

لا تولد الفلسفة من عقل منفرد في فراغ. إنها تحتاج إلى وسط ملائم. تحتاج إلى الصداقة، بما فيها من منافسة، وإلى المحايثة، وإلى تبادل الآراء بين أحرار متساوين مستقلين. تحتاج إلى مجال يستطيع فيه شخص أن يقول لآخر: أنت مخطئ، وأنا أستطيع أن أجادلك من دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة أو عنف.

هذا ما نجده في التجربة اليونانية القديمة: سقراط والسفسطائيون وأفلاطون وأرسطو، والمدارس والمنافسات والاعتراضات، والأغورا بوصفها مجالاً لتداول الكلام والحجة. لكن الفلسفة لا تتوقف عند شروط إمكانها الواقعية، فهناك أيضاً شروط إمكانها المبدئية: الصداقة الفكرية بما فيها من تنافس بين عشاق الحكمة، ومسطح المحايثة الذي يستطيع الفكر أن يتحرك عليه، والشخصية الأفهومية، ثم إبداع الأفهوم نفسه.

الفلسفة لا تبدأ من الهوية

كان سؤال "الإنسان اليوناني" حاضراً عند رامفوس منذ وقت باكر، كما يدل كتابه "دولة اللاهوتي الجديد"، ثم عاد السؤال بأشكال مختلفة في "لوعة الواحد" وفي أعماله اللاحقة. لكن الفلسفة اليونانية القديمة لم تبدأ، في المقام الأول من سؤال الهوية، فطاليس لم يسأل: من هو اليوناني؟ وهيراقليطس لم يبحث عن "النفس اليونانية". وبارمنيدس لم يسأل كيف نستعيد أصالتنا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان السؤال: ما الوجود؟ ما الواحد؟ ما الحقيقة؟ ربما بدأت الفلسفة، في لحظتها الأولى، عندما خرج اليوناني من سؤال: من أنا؟ إلى سؤال: ما الذي يكون؟

من هنا تنشأ مفارقة رامفوس نفسه. لقد أراد أن يفهم اليونان من خلال تاريخها وتراثها وذاكرتها الدينية والثقافية. وهذا جهد فكري وفلسفي مهم، لكنه يضعنا أمام سؤال آخر: متى يتحول البحث في الهوية إلى عائق أمام الفلسفة؟ فالهوية تريد أن تعرف من أين جئنا. أما الفلسفة فتسأل أيضاً: إلى أين يمكن أن نذهب؟

عمّ كان يبحث ستليوس رامفوس؟ إذا أردنا أن نلخص مساره من خلال كتبه، لا من خلال التصنيفات الجاهزة، سنجد سلسلة متصلة. في "دولة اللاهوتي الجديد" يظهر سؤال الإنسان اليوناني. وفي "شهادة ورسالة" تظهر أزمة علاقته بالماركسية ومراجعته لها. وفي "الفيلسوف والحب الإلهي" يظهر الانتقال إلى التوق والحب الإلهي. وفي "بجع صحراويون" يدخل إلى عالم آباء الصحراء والحياة النسكية. وفي "لوعة الواحد" تبلغ مسألة الحياة الداخلية والتوق إلى الواحد إحدى أكثر صيغها كثافة. وفي "سجل زمن جديد" و"اليونانيون وطالبان"، يعود لليونان المعاصرة، للزمن والحداثة والهوية وأزمة الإنسان اليوناني. وفي "الحرية واللغة" و"الوقت المستقطع"، تتسع المسألة إلى العلاقة بين الإنسان واللغة والزمن.

هذه ليست كتباً متفرقة. إنها، على رغم اختلاف مواضيعها، محطات في سؤال واحد: كيف يصبح الإنسان إنساناً؟ وربما كان هذا هو السؤال الذي لم تستطع الماركسية، في نظر رامفوس، أن تجيب عنه كله.

في الماركسية وجد حلم العدالة. لكنه لم يجد الإنسان كله. وفي الأرثوذكسية وجد تراثاً روحياً عميقاً، ووجد في بيزنطة والآباء مدخلاً إلى فهم الإنسان اليوناني. لكنه لم يتوقف عند صورة أولى للتراث، فقد واصل مراجعة نفسه، وانشغل بالغرب والحداثة والزمن اليوناني المعاصر.

لهذا فإن سيرة رامفوس أهم من تصنيفه. فهو لم يكن رجل عقيدة مستقرة بقدر ما كان رجل انتقالات: الماركسية، باريس، كاستورياديس، أفلاطون، الآباء، الأرثوذكسية، الإنسان اليوناني، الزمن، الغرب، الحداثة. لكن ربما بقي سؤال واحد تحت كل هذه الانتقالات: كيف يصبح الإنسان إنساناً؟

وهنا يمكن للفلسفة أن تضيف سؤالاً آخر، لا يلغي سؤال رامفوس بل يجاوره: كيف يصبح الإنسان قادراً على أن يصير غير ما أصبح عليه؟

من رامفوس إلى الفلسفة

ربما وجد رامفوس في الدين ما لم يجده في الماركسية: المطلق. وهذا، في رأيي، هو مفتاح القراءة الأكثر إثارة لسيرته. فالإنسان يستطيع أن يغير عقيدته. ويستطيع أن يترك أيديولوجيته. ويستطيع أن يراجع تراثه. لكنه لا يتخلى بسهولة عن التوق إلى ما يتجاوز ما هو قائم.

هنا نفترق عن رامفوس قليلاً لنعود للفلسفة، فالفلسفة لا تحتاج إلى أن ترث الدين كي تحتفظ بالتوق إلى ما يتجاوز الواقع، ولا تحتاج إلى أن تتحول إلى أيديولوجيا كي تمنح الإنسان أفقاً.

وربما كان دولوز قد اختار الطريق الأشد مغامرة: لا البحث عن المطلق خارج الفكر، بل فتح الفكر نفسه على إمكانات لا تنتهي. لهذا لا تكون الفلسفة أرضاً، ولا قومية، ولا تراثاً موروثاً. قد تولد في أثينا ثم تغادر أثينا. وقد تغيب عن اليونان، كما قد تغيب عن بيروت أو القاهرة أو بغداد. فالفلسفة لا ترث الأرض التي ولدت فيها.

الفلسفة تحدث حيث يستطيع الفكر أن يبدأ من جديد. وربما لهذا لا نقرأ رامفوس اليوم كي نعرف فقط لماذا انتقل من الماركسية إلى الأرثوذكسية، بل كي نعود للسؤال الأقدم والأصعب: ماذا يبقى للإنسان حين لا يعود ما يؤمن به كافياً؟  يبقى السؤال. وربما كان ذلك، في النهاية، هو المكان الذي تبدأ فيه الفلسفة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة