Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل المخرج العراقي صلاح القصب رائد مسرح الصورة

اعتمد الجماليات البصرية وألغى سلطة الإخراج ورسخ روح الجماعة  

المسرحي العراقي صلاح القصب (صفحة الفنان - فيسبوك)

ملخص

رحل المخرج العراقي صلاح القصب عن 81  في بغداد. وهو يعد رائد مسرح الصورة في الحركة المسرحية العراقية والعربية. وكان أول عرض قدمه بعد عودته من الدراسة في رومانيا هو مسرحية "هاملت" لوليم شكسبير (1980)، وقد شكّل حينذاك علامة فارقة في الوسط المسرحي العراقي. بعدها قدم صلاح العديد من العروض من مثل "النورس" و"الشقيقات الثلاث" لتشيخوف" و"حلم ضوئي" عن نص للكاتب شفيق المهدي، و"الخليقة البابلية" عن نص لتامر عبد الكريم، و"أحزان مهرج السيرك" الذي أعدّه عن سيناريو سينمائي قصير للكاتب الروماني ميهاي زامفير.

ينتمي صلاح القصب (1945-2026) إلى ما يعرف بجيل الحساسية الجديدة في المسرح العراقي. هذه الحساسية التي أشاعت روح التجديد والانقلاب على ما رسخه جيل الرواد من مثل جاسم العبودي وإبراهيم جلال وقاسم محمد وسامي عبد الحميد وجواد الأسدي.

جاء  المخرج صلاح القصب إلى المعترك المسرحي العراقي في مطلع الثمانينيات من القرن الفائت. كان وقتذاك برفقة كوكبة من المخرجين الذين درسوا فن المسرح في دول أوروبا الشرقية، ولعل أبرزهم فاضل خليل وعقيل مهدي وعوني كرومي. أسس المخرج العراقي ما عُرف بـ "مسرح الصورة"، وأصدر بيانات مدوية عن هذا النوع من الفرجة. نالت تلك البيانات تأييداً من النقاد والمسرحيين، فيما واجهت معارضة من آخرين. واتسمت عروضه الأولى بالحداثة والمشاكسة من مثل "الخليقة البابلية" و"الملك لير" و"حفلة الماس"، وجميعها كانت بمثابة ترسيخ لمسرح سيميائي احتفى بالجماليات البصرية وغيّر موقع المتفرج من العرض.

اعتمد القصب في أسلوبه الإخراجي على طقسية العرض المسرحي، فوظف الجوانب السمعية المرئية في تجاربه، مضيفاً إليها سحر الميثولوجيا والرموز والأساطير. أبرز الفنان العراقي ميله المبكر إلى ما أطلق عليه "أثيرية الصورة" وبلاغتها في تحقيق الوحدة بين عناصر العرض، كذلك اعتبرها المسؤولة عن تحقيق عامل المشاركة مع الجمهور. فالصورة عند هذا الفنان كانت هي السبيل إلى حلم المؤلف فتنبشه وتعيد تشكيله، مثلما تتسلل إلى حلم الشخصيات وعذاباتها وأفراحها فتصوغها في بيئة بصرية مغايرة.

 

في هذا المعنى لم يقرأ مسرح الصورة النص قراءة أحادية سطحية، بل فجّر القصب طاقة النص من داخله، منتجاً تفسيرات جديدة. هذا النوع من المسرح المضاد اعتمد أيضاَ على الغموض في العلاقات البصرية، وعن هذا الأمر يقول القصب في إحد بياناته: "إن لم يكن هناك غموض، فليس هناك مسرح".

إلغاء سلطة المخرج

وألغى القصب سلطة المخرج في العمل المسرحي، وأحلَّ عوضاً عنها ما أسماه بـ "روح الجماعة" المتعددة بتعدد أحلامها، والتي تحدد فرضية العرض. حدث ذلك من خلال استحضار الذاكرة الجماعية لأعضاء الفرقة المسرحية، والدخول في ما أسماه بـ "مدن الذاكرة الملونة". قام "مسرح الصورة" على شبكة من التكوينات والمقاطع البصرية الغامضة، سواء منها المصممة بقصدية أو المرتجلة بعفوية من قبل فريق العرض.

لم يهدف صلاح القصب من هذا الطرح الفني إلى إيصال معنى محدد للعرض كما هي الحال في المسرح الدرامي، أو ما يطلق عليه بـ "المسرح المسرحي"، وإنما عمل على إرسال مجموعة كبيرة من الإشارات والعلاقات والدلالات إلى المتلقي، عبر سياق ودلالة بصرية كثيفة، وذلك بغية توليد جملة من التصورات الجديدة في ذهن المتفرج.

واستبعد المخرج الراحل في مسرحه زج أي عنصر من العناصر البنائية المنطقية التي تستخدم عادة في العروض التقليدية، كذلك ألغى -قدر المستطاع- أي شكل من أشكال الحوار بين الممثلين، واستعاض عن ذلك بلغة الحركة والتكوين والإيماء، وصولاً إلى ما أسماه بـ "ما وراء فوضوية الصورة" أو "فوضى المرئي"، وذلك للتأكيد على أشكال السلوك والأفعال التي يفرزها اللاوعي في حياة الشخصية.

 

وعلى مدار نصف قرن من مسيرته الحافلة عوّل القصب على عدم ترابط الأحداث في العمل المسرحي، واستعمل من أجل ذلك أسلوب الهدم والبناء المتكرر للحدث الدرامي أثناء التدريبات. فالأفعال والأحداث لديه لا تنمو نمواً طبيعياً كما هي الحال في المسرح الأرسطي، مما أسهم في تحفيز طاقة المؤدين على التخييل الجماعي، وإعادة بناء المشاهد المهدّمة وتركيبها في البروفا من جديد.

الصورة أساس مسرحي

سعى القصب الى  جعل الصورة في المسرح وسيطاً لاستفزاز المخزون اللاواعي والمكبوت في العقل الباطني للمتلقي، ومن ثم العمل على توحيد هذا المتلقي مع طقسية العرض وشعريته. تجلت نظرية هذا المخرج في تجاربه العديدة من مثل: "العاصفة" و"عزلة في الكريستال" و"حفلة الماس" و"الخال فانيا". وفيها جميعها اتكأ القصب على مفهوم "الفضاء الأثيري" عوضاً عن صالات العرض المغلقة، مطلقاً عليه في إحدى بياناته لقب "الرواق المفتوح على الفضاءات المجهولة". فالمكان المسرحي لديه لم يكن ينتمي لصرامة الأبنية الثقافية المعتادة، ولا إلى هندستها المعمارية المتمثلة في مسارح العلب الإيطالية. فلا جدران هنا ولا مساحات محددة لحركة الممثل وأدائه، كما لا يوجد فصل بين فضاء اللعب وفضاء الفرجة، بل كان ثمة اندماج تام.

لم يقدم القصب في عروضه شخصيات، وإنما كما وصفها في بياناته بـ "حطام مخلوقات تشهد انقراضها بعيون مفتوحة، وتمارس طقوس النهايات بين شتات الأشياء المتروكة". هكذا ألغى صاحب "حلم ضوئي" الحدود بين الواقعي والخيالي، وبين الذاكرة والحلم، فوصِفت عوالمه المسرحية بالمسحورة والمتجددة من دون انقطاع، والمتخيلة المتدفقة من قلق وجنون إبداعيين. وبدت الرؤية التجريبية لعروضه غير خاضعة لتعاقب الأزمنة (ماضٍ، حاضر، مستقبل)، كما هو الشأن في بنية العروض التقليدية، وإنما امتثلت هذه الرؤية لمنطقها الداخلي المنفلت من أي تأطير، بحثاً عن الحرية والانعتاق من سطوة العقل ومن سلطة الأنا الأعلى، السياسي والاجتماعي على حد السواء.

 

وأبرز ما جاء به القصب في هذا النوع من المسرح التجريبي كسر خطية الزمن في العرض، فأوجد زمناً لا خطياً. ولم يعتمد الترتيب الكرونوجي، ولم يخضع له، وبذلك حرر الصورة من سلطة الزمن ليصبح العرض شفافاً كالحلم. فالحلم لديه -كما كان يردد دائماً- "فوق الجميع". ربما هذا ما جعله يهدم العالم الواقعي بالخيال ثم يعيد بناءه بالخيال أيضاً. والحلم في "مسرح الصورة" اعتبره صلاح بمثابة المدخل نحو فضاءات جديدة ومغايرة للسائد، ذلك أن الأحلام كلها ليست أحلاماً نهائية بالنسبة إليه. يقول القصب في إحدى بياناته: "عندما نصل إلى أحلامنا نستيقظ فنجد أنفسنا في حلم آخر، وهكذا تتوالى الأحلام التي لا ينهيها الصحو، والتي يمكن أن تفضي إلى أحلام أُخرى غيرها، تماماً كما كانت تُفضي الحكاية الرئيسية في "ألف ليلة وليلة" إلى حكايات فرعية".

نادى القصب بضرورة وجود ما أسماه بـ "الممثل التشكيلي". ذلك المؤدي الذي يرسم بالجسد والمُتحرر من خوفه ورعبه وترسباته الاجتماعية والسياسية والدينية كلها. فمن دون هذا النوع من الممثلين لا يمكن الكشف عن المقموع والممنوع والمحرّم في النفس البشرية. ميز ابن مدينة بغداد في مسرحه بين ثلاثة أنوع من الكتابة: الكتابة بالجسد، والكتابة بالكلمات، والكتابة بالأشياء. هكذا اعتبر القصب الكتابة بالأشياء ليست سوى كتابة بصرية تكتبها المفردات التي تكوّن الفضاء وتشكيلاته. إنها في عرفه ذلك "النحت البارز في مساحات الفضاء وحركته"، وهو تيار من علاقات قادرة على تحريك قوة الصورة في مساحات لا نهائية من الجمال والأسئلة الفلسفية.

مسرح خارج سلطة البعث

ومن اللافت أن صلاح القصب لم ينصع في تجربته إلى مسرح الدعاية والتعبئة الأيدولوجية البعثية، الذي كان سائداً في بلاده فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. وعوضاً عن ذلك انحاز هذا الفنان الطليعي إلى ذائقة انقلابية، ولا سيما لجهة الأماكن البديلة للعرض المسرحي من مثل الساحات المفتوحة والشوارع والأبنية والمسابح. تبدى ذلك في تجارب مثل "عزلة في الكريستال" و"أحزان مهرِّج السيرك" و"مكبث" وسواها.

اعتنى صلاح القصب بكل عناصر العرض المادية، فحقق سينوغرافيا اعتمدت على تصميم خاص للأزياء والإكسسوارات التي توحي بأجواء غرائبية، لكنها كانت في الوقت نفسه ذات دلالات فكرية عميقة، مما جعله يوظف العديد من الأدوات في عروضه، مثل المظلات وأشرطة السينما والآلات الموسيقية والتوابيت والمعاطف البوليسية والأقمشة. وهذا ما برز في عروضه "الملك لير" و" الشقيقات الثلاث" و"العاصفة". جاء كل ذلك مع تلوين أجساد الممثلين، وحضر جنباً إلى جنب مع توظيف محكم لحركة المؤديين. حتى الإضاءة جاءت ضمن صياغات جمالية ذات أبعاد دلالية عميقة، مما أتاح له المزج ببراعة بين الرسم والضوء والمواد الفيلمية والموسيقى وفق تفسيرات جديدة للنص المسرحي الكلاسيكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فارق صلاح القصب الحياة في بيته في بغداد عن 81 سنة بعد نكسة صحية طارئة، ونعته نقابة الفنانين العراقيين في بيان لها قالت فيه: "ببالغ الحزن والأسى، تنعى نقابة الفنانين العراقيين، الفنان الكبير صلاح القصب. الجدير بالذكر، أن الراحل الدكتور صلاح القصب ولد في مدينة بغداد عام 1945، وتجاوزت شهرته عالم المسرح العربي، وكان تخرج في كلية الفنون الجميلة في بغداد، فرع المسرح عام 1968، وأكمل دراسته العليا في معهد السينما في رومانيا عام 1980.

أصدر القصب العديد من الكتب النظرية والتطبيقية الهامة، حول السينوغرافيا والإخراج، مثل: "مُذكرات رحلة الرجل صاحب المظلة السوداء"، و"مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق"،  و"كيمياء الصورة والاشتغالات الفيزياصوَرية". وكانت "مؤسسة المدى" احتفت بالفنان الراحل، وأقامت له يوم الجمعة الماضي فعالية في بيت المدى بعنوان "تحية إلى صلاح القصب" شارك فيها عدد من زملاء الراحل وتلامذته في كلية الفنون.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة