Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تفسر الفلسفة تقدم العالم وتراجعه في وقت واحد؟

الفيلسوفة راحيل ييغي تعيد بناء المفهومين على أسس تتجاوز الإرث التقليدي وتناسب تعقيدات العصر وأزماته

لوحة للرسام روبرت دولوناي (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

تُعدّ فكرةُ التقدّم اليوم من أكثر القضايا الفلسفية إثارةً للنقاش والاختلاف، إذ أدّت الحروب والمشكلات البيئية، وصعود النزعات الشعبوية، وتآكل الأنظمة الديمقراطية، واتساع اللامساواة الاجتماعية، إلى زعزعة الثقة بالسردية الحداثية التي ربطت التاريخ الإنساني بمسار تصاعدي يقود البشرية بصورة حتمية نحو مزيد من الحرية والعقلانية والعدالة.

على رغم هذا الصراع، يصعب تجاهل ما أحرزته الإنسانية من مكتسبات تاريخية أصبحت جزءاً من إنجازاتها الحضارية، كإلغاء العبودية وتوسيع نطاق الحريات المدنية وحقوق المرأة وإرساء أنظمة الحماية الاجتماعية.

ومن هذا التوتر بين التشكيك في فكرة التقدّم والاعتراف بإنجازاتها تنطلق الفيلسوفة السويسرية راحيل ييغي في كتابها "التقدّم والتراجع"، الصادر بالألمانية عام 2023، والذي صدر حديثاً في باريس في ترجمة فرنسية أنجزتها ساشا زيلبرفابر عن منشورات "سوي" 2026.

في هذا الكتاب تحاول ييغي التي تحتل مكانة بارزة بين ممثلي الجيل الجديد من مدرسة فرانكفورت، إعادة بناء مفهومي التقدم والتقهقر على أسس فلسفية تتجاوز الإرث التقليدي لفلسفات التاريخ، مانحةً إياهما قدرة تفسيرية تناسب تعقيدات العالم المعاصر وأزماته.

وراحيل ييغي من مواليد برن عام 1966. درست الفلسفة في جامعة برلين الحرّة، وعملت إلى جانب الفيلسوف أكسل هونيث في معهد البحوث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، وهو المعهد الذي ارتبط تاريخياً بأسماء ماكس هوركهايمر، وتيودور أدورنو، وهربرت ماركوزه، ويورغن هابرماس. تشغل حالياً كرسي الفلسفة الاجتماعية والعملية في جامعة فون هامبولت في برلين.

ينتمي مشروع راحيل ييغي إلى تيار يسعى إلى تجديد النظرية النقدية من دون الاكتفاء بتكرار مقولاتها. فهي تستعيد تراث هيغل وماركس وأدورنو، وتستفيد في الوقت عينه من الفلسفة البراغماتية والنقاشات المعاصرة في الفلسفة الاجتماعية والأخلاقية، صابّةً اهتمامها على تحليل الأزمات التي تعيشها المجتمعات الحديثة، بغية الكشف عن الشروط التي تجعل أشكال الحياة الاجتماعية فيها قابلة للنقد والتحوّل.

مفهوم الإغتراب

وقد بدأ مشروعها البحثيّ بالتبلور منذ دراستها لمفهوم "الاغتراب"، الذي أعادت قراءته خارج التفسيرات الاقتصادية الضيقة، معتبرةً أنه يعبّر عن علاقة مختلّة بين الإنسان وممارساته والعالم الذي يشارك في بنائه. كذلك واصلت تطوير رؤيتها في كتاب بعنوان "نقد أشكال الحياة"، قدمت فيه مفهوم "أشكال الحياة" كإطارٍ لتحليل المؤسسات والعادات والممارسات والقيم التي تنتظم داخلها الحياة الاجتماعية. ولعل كتاب "التقدم والتراجع" الصادر حديثاً يندرج في نفس المسار الفكري. فيه، لا تسعى ييغي إلى الدفاع عن تصور التقدم الذي هيمن على فلسفات التاريخ منذ عصر الأنوار، مصوّرةً إياه كحركة خطية تتجه بصورة حتمية نحو الأفضل.

بل تؤكد أن هذا التصور فقد الكثير من قدرته على الإقناع، سواء بسبب التجارب الكارثية التي عرفها القرن 20، أو نتيجة الأزمة البيئية العالمية التي كشفت أن التطور التقني قد يتحول إلى مصدر تهديد للحياة نفسها. لذا نراها، على العكس من ذلك، تنطلق من مفارقة لافتة، قوامها أن الخطاب الفكري والسياسي المعاصر لا يكفّ عن إعلان موت فكرة التقدّم والتعامل معها بوصفها من بقايا فلسفات التاريخ الكبرى، مكثراً الحديث عن "التقهقر" و"الانحدار"، سواء تعلق الأمر بتراجع الديمقراطية، أو عودة السلطوية، أو تصاعد العنصرية، أو تفكك دولة الرفاه، أو انتهاك حقوق الإنسان. لكن هذا الخطاب يغفل برأيها مفارقة أساسية، مفادها أن وصف أي ظاهرة بأنها تمثل تراجعاً يفترض، ولو على نحو ضمني، وجود معيار يُحتكم إليه للتمييز بين ما يُعدّ تقدماً وما يُعدّ تقهقراً.

ومن دون هذا المعيار يغدو الحديث عن التراجع فاقداً لدلالته الفلسفية، لأنه يفقد المرجعية التي تتيح الحكم على مسار التاريخ أو المجتمع. وانطلاقاً من هذه الملاحظة، ترى ييغي أن جانباً كبيراً من النقد المعاصر لفكرة التقدّم لا يتخلص منها فعلياً، بل يواصل الاعتماد عليها بصورة غير معلنة. ولذلك فإن التخلي عن مفهوم التقدّم لا يؤدي إلى تحرير النظرية النقدية، بل يحرمها من إحدى أهم أدواتها في تشخيص الأزمات الاجتماعية وتقويمها. هنا يأتي هذا الكتاب كمحاولة لإعادة بناء مفهومي التقدّم والتقهقر على أسس فلسفية جديدة، بعيداً من التصورات الخطية والحتمية التي طبعت فلسفات التاريخ.

يبدأ الكتاب بالتأكيد على أن مفهوم التقدم، لا يشير، بعرف ييغي، إلى غاية مرسومة سلفاً، ولا إلى حركة تاريخية مضمونة النتائج، ولا إلى تراكم آلي للمنجزات الحضارية. إنه عملية اجتماعية مفتوحة، تتشكل عبر مواجهة الأزمات، واكتساب الخبرات، وتطوير القدرات الجماعية على معالجة المشكلات المستجدة، بحيث يصبح المجتمع أكثر تقدماً عندما ينجح في ابتكار حلول توسّع إمكاناته المستقبلية في التعامل مع أزمات جديدة. ذلك أن التقدم يعني في ما يعنيه "عملية تعلم ذاتي"، تتنامى فيها قدرة المجتمع على الإفادة من تجاربه، وعلى إعادة تنظيم مؤسساته وممارساته بصورة أكثر مرونة وانفتاحاً.

الحتمية التاريخية

هذا التعريف الجديد يكتسب أهميته من تحرير مفهوم التقدم من الحتمية التاريخية التي لازمت فلسفات القرن 19، ما يمنحه مضموناً معيارياً يسمح بالحكم على التحولات الاجتماعية من دون اللجوء إلى نموذج مثالي ثابت للمجتمع. ولعل القيمة الحقيقية لأي تحول تقاس بحسب ييغي بقدرة المجتمع على توسيع آفاق الفعل الإنساني، وإغناء الخبرة الجماعية، وتعزيز إمكانات النقد والتجديد، لا بمجرد زيادة الإنتاج أو تسارع التطور التقني.

بناءً على ما سبق، يمثل مفهوم "أشكال الحياة" الحلقة التي تربط بين التحولات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. تقصد ييغي بهذا المفهوم البنى المركبة التي تنتظم داخلها الممارسات اليومية والمؤسسات والقيم والتصورات التي تمنح المجتمع هويته التاريخية. فالحياة الاجتماعية لا تتكون برأيها من وقائع منفصلة، وإنما من شبكة مترابطة من الأنشطة الاقتصادية والعلاقات الأسرية والقواعد القانونية والتمثّلات الثقافية وأنماط السلوك، بحيث تؤثر كل ممارسة في غيرها وتكتسب معناها من موقعها داخل الكل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يغدو كل تغيّر جزءاً من تحوّل أوسع يصيب شكل الحياة بأكمله، لأن تعديل قيمة واحدة أو مؤسسة بعينها يستدعي إعادة تشكيل منظومة كاملة من العلاقات والممارسات. وتوضح ييغي هذه الفكرة من خلال أمثلة اجتماعية وثقافية واقتصادية وأخلاقية.  

ويمنح التعريف الجديد الذي تقدمه ييغي لمفهوم التقدم أيضاً أفقاً أوسع للنظرية النقدية، إذ تصبح مهمة الفلسفة تحليل البنى العميقة التي تُنتج أنماط الحياة، ما يكشف عن مواطن الاختلال التي تعوق تطورها. فالأزمات، في تصور الفيلسوفة، لا تنشأ بسبب خلل عرضي في مؤسسة بعينها، وإنما تعبّر عن عجز شكل من أشكال الحياة عن الاستجابة للمشكلات التي يفرزها تطوره الداخلي. وعندما تفقد الممارسات الاجتماعية قدرتها على معالجة التناقضات التي تولدها، تدخل الجماعة في أزمة تدفعها إلى البحث عن صيغ جديدة للفعل والتنظيم.

تستند راحيل ييغي في تحليلاتها لمفهومي التقدم والتقهقر إلى إرث هيغل وماركس، مع إعادة تأويله على ضوء الفلسفة البراغماتية. فالتاريخ عندها لا يتحرك وفق قانون ميتافيزيقي سابق على أفعال البشر، ولا يخضع لتطور آلي مستقل عن الإرادة الإنسانية. إنه سيرورة مفتوحة تتشكل عبر التفاعل بين الأزمات والصراعات ومحاولات تجاوزها، فيولد الجديد من رحم القديم، وتنبثق إمكانات التحوّل من التناقضات الكامنة في الواقع نفسه. ولهذا يصبح التقدم مرادفاً لتوسيع القدرة الجماعية على التعلمّ وإعادة بناء المؤسسات استجابةً للمشكلات المتجددة، فيما تغدو الأزمة فرصة لإنتاج معرفة جديدة وتنظيم اجتماعي أكثر قدرة على الاستمرار.

التعلم المستمر

وتؤكد الفيلسوفة أن المجتمع المتقدم لا يتميز بامتلاك حلول نهائية، وإنما بقدرته على تطوير آليات تسمح له بالتعلم المستمر. ذلك أن كل أزمة تكشف حدود الممارسات القائمة، وكل محاولة ناجحة لتجاوزها توّسع مجال الخبرة وتفتح إمكانات جديدة للفعل. فتتحول المؤسسات إلى فضاءات للتجريب والتصحيح، لا إلى هياكل جامدة تعيد إنتاج نفسها بصورة آلية. ويصبح النجاح التاريخي مرهوناً بقدرة المجتمع على الاحتفاظ بهذه الدينامية، لأن توقف التعلم يعني بداية الانغلاق.

من هذه الزاوية، تعيد ييغي تعريف مفهوم "التقهقر"، الذي يشكل الإضافة الأكثر أصالة في الكتاب. فهو لا يعني العودة إلى مرحلة تاريخية سابقة، ولا يقتصر على فقدان بعض المكاسب السياسية أو الاجتماعية. إنه بالتالي حالة من "تعطيل القدرة على التعلم"، وانغلاق الخبرة الجماعية، وتراجع إمكانات معالجة الأزمات، وعجز عن استيعاب الوقائع الجديدة، بحيث يكرّر المجتمع حلولاً فقدت فعاليتها، أو يلوذ بصور مثالية للماضي هرباً من مواجهة مشكلات الحاضر. وبهذا المعنى يصبح التراجع نوعاً من فقدان المرونة التاريخية، وانقطاعاً في مسار التعلم الذي يسمح للمجتمعات بتجديد نفسها. 

على هذا المستوى من التحليل، تستعين ييغي بأدورنو الذي رأى أن التقدم لا يتمثل في الاقتراب من نهاية سعيدة للتاريخ، بل في مقاومة خطر التراجع الدائم. وبما أن التاريخ، في نظرها، لا يقدم أي ضمانة لانتصار الحرية أو العقل، وبما أن كل مكسب اجتماعي يبقى عرضة للانهيار متى تعطلت آليات النقد والتعلم، ترفض الفيلسوفة التفاؤل التاريخي الذي رافق بعض صيغ الفكر التقدمي، كذلك ترفض النزعة التشاؤمية التي ترى في كل تحوّل دليلاً على الانحدار، مقترحةً بديلاً يقوم على يقظة نقدية دائمة، تجعل المجتمع قادراً على اكتشاف أزماته قبل أن تتحول إلى أشكال بنيوية من الانغلاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتزداد هذه الرؤية أهمية عندما تناقش المؤلفة الأزمة البيئية. فهي ترى أن التقدم لا يتعارض مع استعادة بعض الممارسات القديمة إذا أثبتت قدرتها على معالجة مشكلات الحاضر. فالعودة إلى أساليب الزراعة التقليدية، أو إحياء أصناف محلية من النباتات، أو تشجيع الإنتاج الغذائي البطيء، قد تمثل خطوات تقدمية لأنها تستجيب لتحديات الاستدامة بصورة أفضل من بعض التقنيات الحديثة للإنتاج الصناعي، ما يكشف أن معيار التقدم لا يرتبط بالحداثة الزمنية، وإنما بقدرة الممارسة على توسيع إمكانات الحياة وحلّ المشكلات القائمة. ولذلك قد يحمل الرجوع إلى بعض خبرات الماضي دلالة تقدمية عندما يفتح أفقاً جديداً للمستقبل.

ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى مسافة ييغي النقدية من بعض التصورات الماركسية. فهي لا تنكر الدور التاريخي لتطور القوى المنتجة، لكنها ترفض تحويل التقدم التقني إلى معيار وحيد للتقدم الاجتماعي، لا سيّما بعد كشف الأزمات البيئية الحدود الخطيرة لهذا التصور، محاولةً المحافظة على البعد التحرّري في الفكر الماركسي مع التخلص من النزعة الإنتاجية التي ربطت التحرّر بالتوسّع اللامحدود في السيطرة على الطبيعة، فاتحةً المجال أمام تصور للتقدم يراعي الاعتبارات البيئية والاجتماعية.

تكمن قيمة هذا الكتاب إذاً في نجاحه في إنقاذ مفهوم التقدم من البديلين اللذين سيطرا على النقاش الفلسفي خلال العقود الأخيرة: الإيمان الساذج بحتمية التقدم من جهة، والتشاؤم الذي يرى التاريخ سلسلة متواصلة من الإخفاقات من جهة أخرى، واقتراحه بدلاً من ذلك مفهوماً إجرائياً ودينامياً يجعل التقدم اسماً لقدرة المجتمعات على التعلم الذاتي، وعلى تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة بناء مؤسساتها وأشكال حياتها.

إلى جانب التحليلات المثيرة للاهتمام، يطرح الكتاب أسئلة تستحق النقاش المعمق. فالتصور الإجرائي الذي تدافع عنه المؤلفة ينجح في التخلص من الحتمية التاريخية، لكنه يترك مفتوحاً سؤال المعايير التي تسمح بالحكم على نجاح عملية التعلمّ أو فشلها. كذلك فإن الأمثلة التطبيقية التي تسوقها تكشف أحياناً استمرار حضور السردية الغربية للحداثة، التي تسعى إلى تجاوزها. غير أن هذه الملاحظات لا تقلّل من أهمية الكتاب الذي يعدّ واحداً من أبرز الإسهامات الفلسفية في السنوات الأخيرة، لأنه يعيد فتح سؤال ظنّ كثيرون أنه استنفد إمكاناته، مؤكداً على القدرة على إثارة نقاش فلسفي واسع حول مستقبل النظرية النقدية.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب