ملخص
ضجة كبيرة أحدثها صدور ألبوم "كايروكي" لفريق كايروكي، إذ يثبت الفريق أنه لا يزال مخلصاً لمشروعه المختلف الذي أحدث ضجة تزامناً مع ثورة يناير 2011، فلا يزال أفراده يديرون ظهورهم لمغريات الترند الغنائية التي لا تدوم، ولا يزالون يقدمون مرثيتهم لأجيال مرتبكة وبخاصة جيل الثمانينيات والتسعينيات، إذ يقدمون أغنيات عن الوحدة والحيرة والأحلام الضائعة، إضافة إلى اهتمام حقيقي بغناء قصائد العامية وهو سلوك نادر بين مطربي هذه الأيام، فيما على الجانب الآخر يمكننا رصد كيف تحول أمير عيد من المطرب الذي يسخر الجميع من صوته الأجش البعيد من التطريب إلى المغني المفضل والأكثر تعبيراً عن مواضيع إنسانية وسياسية شائكة.
كان يمكن أن تنطلق مقدمة هذا الموضوع بالربط بين شرح معنى "سوبر نوفا ـ Supernova" الذي يعني في علم الفلك التوهج الهائل للنجم قبيل أفوله، وأغنيات ألبوم كايروكي الـ10 الذي حمل الاسم غير المألوف، لولا أن مطرب الفرقة أمير عيد قد أغلق باب تلك التأويلات قائلاً بصورة صريحة في الفيلم الترويجي للألبوم أنهم اختاروا "سوبر نوفا" فحسب، لأنها كلمة "شكلها حلو" في الكتابة.
هكذا، اعتادت تلك الفرقة كسر القواعد منذ بداية شهرتها، وبخاصة في ما يتعلق بصوت المغني الرئيس للفريق الذي تحمل كثيراً من السخرية ووصف صوته بالمتحشرج، إذ كان بعيداً كل البعد من معايير المطرب المعتاد في ذلك الوقت، قبل أن يتسلل مع مرور الوقت إلى الذائقة المصرية، ويصبح أحد أكثر فناني الموجة الجديدة شعبية، ويتأكد الجمهور أنه لم يكن ليتقبل أبداً صوتاً غير أمير عيد يردد معه "مطلوب زعيم - صوت الحرية - جيمس دين ـ ساموراي ـ السكة شمال"، حتى لو ظل الجميع يرددون أنه مجرد مؤدٍ، بينما هو يثبت كل يوم أن الأداء كلمة ليست سيئة السمعة، بل على العكس تماماً.
استمرار التمرد تمثل أيضاً في موضوعات الأغنيات التي كانت السياسة حاضرة فيها بقوة طوال الوقت، بكلمات مباشرة دون لف ودوران تقترب من عالم المقالات الصحافية الحماسية أو الهتافات، وصولاً إلى رؤيتهم السينمائية التي يفرضونها دوماً على الصورة الفنية التي يقدمونها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ألبوم "سوبر نوفا" الثامن في مسيرة الفرقة والـ11 في مسيرة أمير عيد الذي أصدر ثلاثة ألبومات بعيداً من كايروكي هي "لما بنتولد - ريفو - روكسي"، إضافة إلى عشرات الأغنيات المنفردة سواء لحملات دعائية أو خيرية، بدا مختلفاً حتى في ما يتعلق بغلافه الغامض، إذ يمتطي فيه بطل خارق معصوب العينين حصاناً جامحاً، فلا مستقبل واضح المعالم والحال برمتها تتأرجح بين الأمل والترقب وعدم الثقة.
مغامرة كايروكي
الألبوم يعد مفاجأة صيف 2026، ليس لأنه أصبح حديث الجمهور منذ ساعات طرحه الأولى في الرابع من أغسطس (آب) الجاري، لكن لأنه مغامرة بكل المقاييس، مغامرة تليق بهذا الفريق الذي يغرد بعيداً غير معني بمعايير السوق، فتلك الأغنيات التي "تقلب المواجع" وتبدو وكأنها مرثية طويلة الأمد لا تغادر أُذن المستمع حتى بعد انتهاء مدة الأغنيات، بالأوصاف التقليدية هي أغنيات شتوية بامتياز تليق بالطقس البارد والأبواب المغلقة والحزن الصامت واستعادة الذكريات والاحتفاء بالندم، بينما دأبت شركات الإنتاج أن تجعل أشهر الصيف حكراً على أغنيات المرح وإلإيقاع الراقص.
منذ مطلع الألفية الثالثة بدأت موجة جديدة من الفرق المستقلة المصرية، ووصلت إلى عشرات الفرق مع ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وعلى رغم أن كايروكي بفنانيه الخمسة أمير عيد وتامر هاشم وشريف مصطفى وآدم الألفي، وشريف هواري، كانوا قد بدأوا مشوارهم بالفعل قبل هذا التاريخ بنحو ثمانية أعوام، فإن نجوميتهم وشهرتهم في الشارع كانت مرتبطة بالثورة، بأغنيات مثل "صوت الحرية"، و"اثبت مكانك"، و"مطلوب زعيم"، والأخيرة حملت عنوان ألبومهم الأول وصورت في وسط القاهرة، إذ كان أمير عيد وهو ملحن وشاعر أيضاً، يسير محرضاً الجميع على التظاهر والبحث عن حاكم غير فاسد يحترم القانون لا يظلم الشعب، بكلمات قوية وموسيقى تتماشى مع صوت الرجل الذي كانت حنجرته تثير النفور بالنسبة إلى قطاع غير قليل من جمهور الأغنية التقليدية، في ذلك الوقت.
بعد ذلك، تعددت التجارب الغنائية ذات الطابع النقدي الحاد للأوضاع المجتمعية والسياسية، وتميزت مثل فرق كثيرة وقتها بالجرأة غير المعتادة، وبالأفكار التي تتحدث عن معاناة المواطنين وعن ارتباك الإنسان أمام خيارات الحياة، وبالطبع يعد فريق كايروكي من فرق الروك التي نجت من مرحلة الفلترة، بقدرتهم على التمسك بهويتهم التي صنعت بصمتهم منذ بداية المشوار، وباهتمامهم بالشعر الغنائي كمصدر أول يستلهمون منه، إذ الكلمة والموضوع والفكر تأخذ دور البطولة.
بالعودة إلى "سوبر نوفا" فقد دخل في أكثر من تحدٍ منذ اللحظة الأولى، أبرزها أنه جاء بتوليفة لا تلتزم بحسابات الدعاية، مبتعداً من الأعمال التي استهلكت وأهلكت الأغنية العربية حول معاني الحب الرومانسي شديدة السطحية، واختار أن يحكي عن قصص البشر المنهكين الذين يعانون التوهان والوحدة والتشكك في الخيارات والانهزامية.
من التحديات الأخرى التي انقلبت إلى نقطة إيجابية لصالحهم، هو التشبث بالتغني بمرحلة التسعينيات بكل رموزها وعناصرها، إذ كانت الرؤية البصرية للفيلم الترويجي للألبوم تتضمن استوديو تسعينياتياً، وأجهزة صوت وإضاءة وملابس تمثل للحقبة ذاتها، إضافة إلى تحول الإعلامي محمود سعد إلى مذيع ينتمي إلى الفترة نفسها بنفس طريقة أداء مقدمي برامجها ومظهرهم.
وكانت المفاجأة في الأداء التمثيلي الاستثنائي للفنان محمود عزب وبخاصة في أغنية "فاضل" كلمات مصطفى إبراهيم الذي يضع بصمته القوية على مسيرة كايروكي بصورة عامة، إذ يشكلان معاً ثنائية متكاملة جعلت شعر مصطفى إبراهيم وعمق معانيه يصل إلى شريحة أكبر بكثير، وبما تستحق موهبته الفريدة كواحد من أهم شعراء العامية المصرية في هذا الجيل، ومحمود عزب اشتهر باسكتشاته الكوميدية في حفلات ليالي التلفزيون التي حملت عنوان "عزب شو"، إذ يعد من أشهر رموز العالم التسعينياتي، وظهر أمير عيد بملابس وتصفيفة شعر مستوحاة من أسلوب مايكل جاكسون في تلك الفترة.
نوستالجيا التسعينيات كانت قد استنزفت تماماً، وبدت وكأنها الطريقة السهلة لاستجداء الجمهور، لكن خرج بها فريق كايروكي من هذا الركن الضيق، وصنعوا محتوى شديد الجودة، والحقيقة أن التسعينيات تعد حقبة مفضلة لهذا الفريق الذي تضمنت كليبات قديمة له إشارات قوية ولفتات تتغنى بنفس الأجواء، إضافة إلى مشاركة نجم الفرقة أمير عيد في مسلسل انتصر لهذه الفترة، وهو "ريفو"، وقدم خلاله أغنيات عديدة طرحها في ألبوم منفصل.
صورة بصرية لحياة مرتبكة
صناع "سوبر نوفا" يصفونه بأنه بمثابة بورتريه غنائي لحياتهم منذ الألبوم الماضي "روما" 2022، وخلال الفيلم الذي يوثق تلك الرحلة، نستمع لمراحل الحكاية مع فواصل لحوارهم اللامبالي عن الحياة وإخفاقاتهم وكل حوار قصير يحيل إلى حكاية غنائية، وضع لها شريف مصطفى عازف الأورغ بالفرقة معظم الألحان فيما عدا اثنتين فقط شارك في وضع موسيقاهما ساري هاني، أما الكلمات غالبيتها من تأليف أمير عيد بينها "نسينا"، التي تتضمن تساؤلات تحمل قلقاً وجودياً مثل كثير من أغاني الفريق، وعلى رغم ذلك تتميز بفرادة وتعبر بصدق عن الحنين لأيام ولت وأحلام ضاعت "نسينا ولا اتنسينا... فاكرة الشوارع القديمة؟ أسامينا كانت ع الحيطان"، وتمتد الحكاية مع "أنا فاضل" كلمات مصطفى إبراهيم، إذ الاحتفاء بنزق الصغار القديم ومبالغاتهم في الاحتفاء بلحظات السعادة البسيطة، بينما مشاعرهم دخلت مرحلة الكهولة الآن وبدا وكأنهم دخلوا مرحلة التقاعد العاطفي مبكراً، وهو إحساس يرافق كثيراً من أبناء جيل الثمانينيات والتسعينيات الذين اعتبروا الألبوم نشيداً قومياً لقلوبهم.
وعلى رغم زخم التجربة فإن الموسيقى لم تمنحها ألقاً خاصاً، وبدا أمير عيد فيها وكأنه يلقي قصيدة نثر على المستمعين، ولا يبحث فيها عن أداء غنائي محدد، بينما تتميز القصيدة بتعبيرات قاسية تستهدف الجروح القديمة وربطها بالوضع الحالي، إذ تسهم المشاهد المصورة في رسم الكلمات التي لا تغيب عنها تعبيرات مثل كبريت وسيجارة، وهي ألفاظ متكررة أيضاً في قاموس فرقة كايروكي، التي تسمي الأمور بتسمياتها، وتتناول قضايا مثل التدخين والتعاطي في أعمالها أكثر من مرة.
تأتي كلمات الراحل ميدو زهير في "مت ليه"، إذ المطلع الذي يئن: "بتسأليني مت ليه؟ كنت بجري عايز أوصل وإنتِ كنتِ بلاد بعيد أيوه كنتِ بلاد بعيدة... أنا كنت سامعك وإنتِ قلتِ كفر، في بداية القصيدة"، وعلى رغم عذوبة الموسيقى هنا وتناغم الأداء، فإن هذا العمل كان من أكثر الأعمال غير المحظوظة، نظراً إلى أن المقارنات تنعقد بين تجربة كايروكي في "مت ليه" وتجربة المطربة مريم صالح التي أدتها قبل أعوام طويلة بحماسة وشعور غامرين جعلاها ترتبط بها وبلونها الغنائي المعروف، لكنها تظل واحدة من أجمل أغنيات العمل.
وبكلمات محمد شافعي تأتي "وحدي" التي تضع لمسة من التحدي والمواجهة في هذا الألبوم الذي يواسي ذوات القلوب المنكسرة، إذ يقول "وحدي من غير حد أحسن، وحدي بجد وضع أسلم"، لكنه يعود في بعض مقاطعها لمنطقة مرتبكة ما بين رثاء الذات وقوة الاستغناء عن دعم الآخرين "وحدي خايف وحدي عارف إن أنا هفضل بطولي، وحدي خايف وحدي عارف هو ده دوري البطولي".
أكثر من أمير عيد
مرة أخرى تبدو الموسيقى أقل كثيراً من مستوى الحالة التي صنعها الشاعر مصطفى إبراهيم في "أنا بكبر"، على رغم ذلك تعد من أكثر أغنيات الألبوم تماساً مع حالات مستمعي كايروكي الذين اعتبروها بمثابة رفيق مثالي للأيام التي تعلو فيها نزعات الاكتئاب، بينما تتواصل طريقة الفريق في كسر التقاليد الخانقة بعدم التخوف من استعمال مفردات مثل "شحط، جزمة"، إذ تمتلئ مسيرة الفرقة بصورة عامة بمفردات غير شائعة في الشعر الغنائي.
المغني والشاعر أمير عيد يطل بـ"ما تيجي" في المنطقة الآمنة، متحدثاً عن الأفلام وعن خيالاته مع الحبيبة البعيدة، وهي أغنية متكاملة بموسيقى تعبر عن الكلمات وبأداء نابع من شعور حقيقي بالفكرة، لكن تتفوق عليها "تاتا تاتا" من كلمات أمير عيد أيضاً، وتبدو وكأنها استكمال لألبوم "السكة شمال"، بإيقاع صاخب وأداء شعبي مألوف يجعلها تتردد بسهولة على الألسنة، وبكلمات تحمل تشبيهات كوميدية للمواقف المجتمعية التي ينتقدها أمير عيد.
أما "حاسب حاسب" فتتخذ طابعاً وعظياً وتحمل روحاً من مطربي الأغنية الشعبية في التسعينيات في ما يتعلق بموضوعها مع لمسة موسيقية معاصرة تجعلها تجد مستمعاً لها أينما ذهبت.وبحازم ويفي شاعراً وشريف الهواري ملحناً ومغنياً تأتي "ألف مراية" التي تبدو قريبة للغاية من أعمال الراحل هاني شنودة موسيقياً، بينما على مستوى الموضوع فهي تجعل المستمع يستذكر رباعيات صلاح جاهين على الفور، وقوة صوت هواري منحتها روحاً مختلفة جعلتها لا تليق إلا به.
ينتهي السرد بـ"في الختام" من كلمات أمير عيد أيضاً، الأغنية التي يرافق فيها البيانو قصة أسى جديدة وأسئلة عن جدوى المحاولات، وعن تكرار مشاهد الحياة وسط أسئلة لا تلقى إجابة عن معناها ودلالتها، لتغلق الدائرة على هذه التجربة النموذجية، التي قد تفتقد للتنوع الحاد، لكنها أيضاً تهتم بفكرة المشروع ووحدة الموضوع وتكامل بناء الأغنيات التي تحمل ترتيباً درامياً، يسهم في تكامل وترابط فكرة الاستماع ككل.