ملخص
كان السائد أن يتخذ الفنانون قرار الاعتزال حينما يرون أن ليس هناك توافق بين ما يقدمونه وقناعاتهم الدينية، ولكن أخيراً باتت هناك موضة بين نجوم الغناء بإطلاق وصايا بحذف أغانيهم بعد رحيلهم، وبعضهم يشير إلى أنه سوف يعتزل ويوقف التكسب والتربح من إنتاجاته الفنية بحجة حرمانيتها ولكنه ينتظر الوقت المناسب، فما الذي تغير في أفكار محترفي الفن، وكيف يمكن قراءة من يربطون توبتهم فقط بالضعف الجسدي وكبر السن أو المرض والوفاة؟
فئة من مشاهير الفن في العالم العربي تركوا الساحة عن قناعة تامة، واختاروا الاعتزال حتى في عز نجوميتهم بعدما رأوا أن هناك تعارضاً بين ما يقدمونه والتزامهم الديني. لكن فئة أخرى عاشت حالاً من التشويش، إذ يعتزلون تارة، ثم يتراجعون مرة أخرى وسط تبريرات مربكة، وفئة ثالثة تعيش بمنطق يبدو مستحدثاً، هو أنهم يظلون يمارسون أعمالهم ويتربحون منها بصورة طبيعية ويروجون لها، لكنهم يقررون التوبة بأثر رجعي، أي يوصون بحذف إنتاجاتهم الفنية من المنصات بعد رحيلهم.
والمنتمون للفئة الأخيرة يعللون مطلبهم بأنهم يرفضون أن تكون هناك "سيئة جارية" بعد فراقهم للحياة، وفق منطقهم بالطبع، مما بات أشبه بالظاهرة، ففي حين أن الشائع كان فور أن يقتنع الفنان بأنه لم يعُد مرتاحاً لعمله من الوجهة الدينية يغادر الساحة، لكن الموقف يبدو مختلفاً الآن بعد تعدد التصريحات التي تربط التوبة بقرب الأجل أو المرض، وكأنها صفقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والملاحظ أن هذه الظاهرة ارتبطت بصورة وثيقة بنجوم الغناء الشعبي والمهرجانات، بخاصة ممن توفوا وهم في مرحلة الشباب، إذ بدأت أولاً بتسريب وصايا بعض مشاهير هذا الوسط الراحلين عن طريق أصدقائهم وزملائهم، وامتدت إلى أن بادر بعضهم بالإعلان عن رغبته في أن يحذف ذووهم أغنياتهم من منصات الاستماع بعد رحيلهم، وآخرون ساروا على الطريق نفسه مع تبريرات من هنا وهناك. لكن الحقيقة أن بعض النجوم الكبار أيضاً في مجال الغناء كانت لهم أفكار شبيهة تتعلق برغبتهم في التخلص من "الفن الحرام"، لكنهم حتى الآن لم يقدموا على هذا القرار.
فما سر كل هذه التوبات الموقوتة التي تجتاح الوسط الفني؟ وما تفسير تنامي هذا السلوك؟ وكيف يمكن أن يصبح أهل الفن أنفسهم من يروجون لحرمانيته، بينما يشجعون جمهورهم على الاستماع إلى أغنياتهم وحضور حفلاتهم لحين اتخاذهم قرار التوبة؟
تحقير الفن والتمتع بأمواله
قبل أسبوعين تقريباً أعلن أصدقاء المطرب الشعبي الراحل أحمد دقدق الذي عرف مع مجموعة أخرى بمهرجان "إخواتي" الذي انتشر على مدى الأعوام الماضية بصورة لافتة، عن وصيته التي بدأوا بتنفيذها بالفعل بمساعدة عائلته، وهي حذف أغنياته من أية منصة.
وعلى رغم تعقيدات هذا القرار من الناحية الإنتاجية، إذ إن العمل الفني في الأساس مشروع تجاري يتضمن عناصر متعددة، فإن بعض المنتجين على ما يبدو يتعاطفون مع هذا الموقف ويبدون تفهمهم وبالفعل يستجيبون، فالمطرب الذي كان مريضاً بسرطان المخ لم يشأ أن يعلن اعتزاله أو يقرر حذف أعماله وهو على قيد الحياة لأسباب مجهولة، بينما تبارى المقربون منه في الكشف عن نيته التي كانت مرتبطة بوفاته فقط، فهل قناعة حرمانية الفن تأتي فقط مع الوفاة؟ وما الخلفية الفكرية التي تبرر تلك الازدواجية، أم أن الأمر أكثر تركيباً وتعقيداً من هذا، ولكل حالة ظروفها الخاصة التي لا يمكن الحكم عليها بسهولة؟
يجيب الاستشاري النفسي الدكتور وليد الهندي أن هناك تشوهاً معرفياً وخلطاً واضحاً في المفاهيم وعدم نضج، ويوضح أن "بعضهم يتعامل مع الفنون كوسيلة فقط للترقي الطبقي، ثم يعلن تبرؤه بعد تحقيق أهدافه، لكن هذا التنصل لا يكون كاملاً مع ذلك إذ لا يرغبون في ترك المكتسبات، والحقيقة أن تدني المعرفة والمستوى الثقافي وعدم الاطلاع الجيد سبب رئيس من أسباب تفشي تلك الظاهرة، فهم يحققون ثروات، لكن لا يسعون إلى القراءة ولا إلى تطوير الأفكار والبحث عن مصادر تهذب التفكير وتجعله متسقاً مع الفعل".
ضغوط نفسية
ويشير الهندي أيضاً إلى أن هناك دوافع نفسية متعددة وراء تعدد المواقف الشبيهة أخيراً، بينها الشخصية النفعية التي تبحث عن الفائدة من وراء أي عمل تقوم به، ولهذا يتلخص الفن بالنسبة إليهم في مصدر لجمع الأموال، بينما ينظرون إليه على أنه عمل مشبوه لا يقدرونه، كذلك قد يحرك الخوف من الموت بعضهم لتبني تلك المواقف، فيبدون وكأنهم يساومون القدر، ويربطون توبتهم بقرب الأجل أو بعد إصابتهم بمرض عضال، مضيفاً أن "بعضهم الآخر قد يحاول التخفف من الضغوط النفسية التي يواجهها باعتناق تلك القناعات، بخاصة إذا فقد قريباً أو صديقاً له بصورة مفاجئة".
وبالفعل ارتباطاً بموقف المطرب الراحل أحمد دقدق، أعلن مؤدي المهرجانات شحتة كاريكا الذي كان مقرباً من الراحل، أنه ينوي أيضاً اتخاذ الموقف نفسه، وأن يوصي بحذف إنتاجاته الفنية بعد الرحيل، ليفهم من تصريحاته الضمنية اقتناعه بحرمانية الأعمال التي يقدمها، وشعوره بالذنب إذا ما استمر عرضها بعد أن يفارق الحياة.
الواضح أن بعض المشاهير كلامهم جاء متخبطاً في هذه المسألة، ويحمل شيئاً من التناقض، وبينهم الفنان سعد الصغير الذي دأب مراراً على اعترافه بحرمانية الغناء ودعوته لأن يتوب الله عليه، وبالفعل يغيب لبعض الوقت ثم يعود مجدداً، فيما فاجأ المطرب تامر حسني جمهوره قبل أعوام بظهوره في أحد البرامج كاشفاً عن أمنية حياته، وهي ألا يتوفاه الله وهو مطرب، من دون أن يضيف مزيداً من التوضيح، لكنه لم يقلل نشاطه منذ ذلك الحين أو يبدي نيته بالابتعاد.
كذلك قال الفنان طارق الشيخ في وقت سابق إن الأغنيات التي يقدمها تشيع الفرح والبهجة بين الناس، ولا يجد أن الكلمات التي يغنيها تحمل أفكاراً خادشة بعكس مطربين آخرين، لكنه أيضاً قال بصورة مباشرة إنه سيوصي أبناءه بحذف أغنياته بعد الوفاة، كذلك أبدى آخرون اقتناعهم بأن الفن حرام وأنهم عازمون على هذا التصرف، لكنهم مع ذلك يستمرون في الحفلات وفي استعراض الشهرة والمكاسب التي يحققونها من الأغنيات، وبينهم حمو بيكا الذي أعلن أنه سوف يتوقف عن الغناء في يوم من الأيام "علشان ربنا" وفق تعبيره، لكن لديه تصريحات أخرى يؤكد فيها أنه لا يجرؤ أن يقول إن أموال الغناء ليست شرعية.
مراجعات متوالية
نقابة الموسيقيين من جهتها تكتفي بتقديم التعازي إلى أهالي الراحلين من دون التطرق بصورة مباشرة إلى فكرة الوصايا، في حين قال أحد المصادر في المؤسسة المعنية بشؤون أهل الغناء في مصر إن النقابة ليست طرفاً في هذه المسألة، ولا سيما أنه لا توجد وصاية مكتوبة من أي نوع يجري الاختصام فيها، أو النزاع حولها، أو أية أزمة مع شركات الإنتاج تتعلق بفكرة حذف الأغاني، ولهذا يقتصر الدور على الشق الاجتماعي فقط من دون التدخل في الأمور الأسرية.
لكن الموقف الأكثر إثارة للجدل في ما يتعلق بنقابة الموسيقيين كان عبر تصريحات تلفزيونية سابقة لرئيس النقابة المطرب والشاعر والملحن مصطفى كامل الذي أعلن تأثره بما يحدث وأنه بناء على ذلك أصبح في مرحلة مراجعة النفس وتأمل قراراته الفنية ليعرف ما هو الصواب والخطأ في الوسط الفني، إذ إنه بات يعيد تقييم اختياراته المهنية بصورة أكثر صدقاً واتساقاً مع القيم والسلوكيات الأخلاقية.
تصريحات مصطفى كامل أثارت موجة غضب، ولا سيما أنها صدرت عمن يترأس الجهة الأكبر المنوطة بتسيير مهنة الغناء في مصر، وعلى رغم مرور أشهر على تلك التصريحات فإنها تستدعى مع كل حدث مماثل، إذ عدها الناقد طارق الشناوي في تدوينة له مأساة تعبر عن حال التناقض الفكري الصارخ التي تسيطر على كثير من فناني هذه الأيام، ومما جاء في منشوره "حتى نقيب الموسيقيين دخل على الخط وبدلاً من أن يدافع عن الفن قال إنه بدأ يراجع نفسه، وتلك هي مع الأسف حقيقة المأساة، فجزء من المطربين يمارسون الغناء بينما قناعاتهم أنه حرام شرعاً، يتكسبون منه في الدنيا ويحرمونه في الآخرة".
وتزايد هذه النبرة أصبح على أشده منذ صيف العام الماضي بالتزامن مع الكشف عن وصية المطرب الشعبي أحمد عامر الذي فارق الحياة بعد أزمة صحية طارئة، وهو في أوائل الأربعينيات، إذ أعلن أصدقاؤه من النجوم عن سعيهم إلى تنفيذ مطلبه بحذف جميع أغنياته، وبينها الأغنيات التي اشترك في أدائها معهم، وكذلك استجاب منتج أعماله بلال صبري لهذا الطلب.
لكن صبري أتبع إعلانه هذا الموقف بإطلاق نداء لمعرفة الرأي الفاصل في ما يتعلق بحرمانية الغناء من عدمه، وكتب عبر حسابه الرسمي في موقع "فيسبوك" "أود من الأزهر ومن نقيب المهن الموسيقية وكل من يعمل في مجال الأغاني أن يفيدني هل الأغاني حرام فعلاً وتزويدي بآية من القرآن تورد ذلك. أود التأكد فإن كانت هناك حرمانية، أريد التوقف تماماً عن الغناء لأنني محتار جداً، فهناك شيوخ يقولون إنه فن وآخرون يقولون إنه حرام".
بين الأمس واليوم
الدعوة نفسها شغلت المغني الشعبي عمر كمال أيضاً في وقت سابق، إذ كتب تدوينة أثارت ضجة حينها "الناس يقولون إن أموالي حرام، أطلب من شيخ من الأزهر أن يرد علي كي أطمئن، أقوم بفعل الخير من دون أن أظهره للناس، ومع ذلك تعبت من الانتقادات التي تلاحقني"، ليرد عليه عدد من الشيوخ بأن الغناء ليس كله حراماً، إنما الأمر يتوقف على كل حالة.
وكان مطلع العام الماضي شهد حالات عدة لمطربي مهرجانات قرروا الاعتزال وهم في مقتبل مشوارهم، معلنين أنهم يرفضون أن يكتسبوا من الحرام، وبعضهم اتجه إلى الإنشاد الديني بينهم فارس حميدة وعلي قدورة، وقد تكون تلك الحالات أكثر اتساقاً، إذ اتخذ هؤلاء قرار الابتعاد فور رفضهم للمجال من الناحية النفسية والعقلية، مقارنة بحالات أخرى أكثر تناقضاً يصفها الاستشاري النفسي الدكتور وليد هندي بأنهم "ربما يعانون صراع الهوية في ما يتعلق بالأفكار التي يعتنقونها، فيتبنون النسخة المتشددة المرتبكة من الدين التي تقلل من تأثيرات القوة الناعمة، وأبرزها الفن القريب من وجدان الجماهير".
ويشبّه الهندي تكرار الحالات بما حدث خلال الثمانينيات والتسعينيات، إذ كانت هناك موجة اعتزال قوية صاحبتها مطالبات بعض الفنانين بحرق أعمالهم، لافتاً إلى أن الحذف هنا يوازي دعوات الحرق القديمة تماماً، مذكراً بنموذج مثالي في الاعتزال، وهو الفنانة شادية التي قررت الابتعاد بصمت من دون أن تتبرأ أو تحتقر تاريخها الفني، مبدية اعتزازها بما قدمته، بل إنها ظلت تتابع إنتاجات الساحة الفنية لأعوام طويلة بعد اعتزالها الذي هز الوسط الفني حينها، وقال إن بعضهم قد يعتزل من الأساس بحجة حرمانية الفن، بينما هو يتخذ القرار بعد أن أفل نجمه ولم يعُد مطلوباً على الساحة.