Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أعوام عجاف تنتظر القارة العجوز وتهدد اقتصاداتها

الكلفة التراكمية للحر والحرائق في الاتحاد الأوروبي تقدر بـ180 مليار يورو خلال 2026

سجلت أوروبا الغربية أحر شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) منذ بدء القياسات (اندبندنت عربية)

ملخص

تعيش أوروبا صيفاً هو الأشد حرارة في سجلاتها الحديثة، مع حرائق التهمت مساحات قياسية، وأنهار انحسرت إلى مستويات لم ترصد منذ نحو قرن ونصف القرن، ومفاعلات نووية اضطرت إلى خفض إنتاجها أو التوقف. الدراسات المتخصصة الصادرة هذا العام ترسم صورة لما قد يحدث إذا تحول عام كهذا إلى قاعدة لا استثناء، والأخطر في ما ترصده هذه الأبحاث أن حرارة 2026 ليست ذروة عابرة، بل عتبة جديدة تنطلق منها الموجات المقبلة.

سجلت أوروبا أحر شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) منذ بدء القياسات، إذ بلغ متوسط الحرارة في الشهرين 21.62 درجة، أي نحو 2.8 درجة فوق المعدل، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل عام 2022، بحسب خدمة "كوبرنيكوس" لتغير المناخ. وفي يونيو وحده، جاء المتوسط الأوروبي أعلى بأكثر من ثلاث درجات عن المعدل الطويل الأمد، ولم تتوقف موجات الحر منذ ذلك الحين.

بدأت السلسلة مبكراً على غير العادة، فقد انطلقت الموجة الأولى في الـ22 من مايو (أيار)، وسجلت بلدة "مورا" البرتغالية 40.3 درجة بعد خمسة أيام، كان أعلى رقم في الموجة، وامتد تحطيم الأرقام القياسية للحرارة الربيعية على إسبانيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيرلندا. وفي أواخر يونيو تجاوزت الحرارة وسط القارة كل السجلات، إذ بلغت 41.9 درجة في قرية دوكسـاني شمال براغ، وهو أعلى رقم في تاريخ التشيك، فيما ارتفعت الحرارة في بعض المناطق إلى 18 درجة فوق معدلها الموسمي بفعل نمط جوي يعرف بـ"إعصار أوميغا" يحبس الهواء الحار المقبل من شمال أفريقيا فوق القارة.

الحرارة لم تأت وحدها، بل رافقها جفاف واسع، فهبط منسوب نهر الراين عند نقطة كاوب، أضيق مقاطعه، إلى أدنى مستوى منذ بدء التسجيل عام 1880، مع توقعات بأن تستمر الأزمة حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لأن عودة المنسوب تحتاج إلى أسابيع من الأمطار المتواصلة. والراين يستوعب في الأحوال الطبيعية نحو 80 في المئة من حركة الشحن النهري الألماني، وتمر عبره سنوياً قرابة 285 مليون طن من البضائع، فيما وصف رئيس اتحاد الملاحة الداخلية الألمانية ما يجري بأنه قد يكون حدثاً يتكرر مرة كل قرن.

الأثر الاقتصادي كان فورياً، فقد قيدت حمولات ناقلات المنتجات النفطية أحياناً عند 300 إلى 400 طن فحسب، مما رفع أسعار الشحن إلى 200 يورو للطن بين "كارلسروه" وموانئ أمستردام وروتردام وأنتويرب. ويقدر كبير الاقتصاديين في مصرف "كوميرتس بنك"، رالف زولفين، أن بقاء المنسوب عند مستوياته الحرجة حتى منتصف سبتمبر (أيلول) سيقتطع نحو 0.35 نقطة مئوية من الناتج المحلي الألماني في هذا الربع.

الدانوب ثاني أطول أنهار أوروبا، ويمر بـ10 دول من ألمانيا حتى البحر الأسود، وقد لجأت رومانيا إلى تفجيرات محكومة في قاعه قرب قرية إيزفواريلي مطلع أغسطس (آب) الجاري لتعميق المجرى وتوجيه كمية أكبر من المياه نحو أنظمة تبريد محطة "تشرنافودا" النووية. واضطرت كل من المجر ورومانيا إلى إيقاف مفاعلات نووية تعتمد على مياهه موقتاً، بعدما بلغ انحسار النهر حداً صار معه مرئياً من الفضاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حرائق وضحايا

أحصى النظام الأوروبي للمعلومات عن حرائق الغابات نحو 600 ألف هكتار محترق داخل الاتحاد عبر 1647 حريقاً حتى الـ13 من أغسطس الجاري. ووفق موقع "كاربون بريف" سجلت فرنسا رقماً قياسياً حديثاً في المساحة المحترقة، فيما جاء موسم إسبانيا بين الأسوأ في سجلاتها، وأدت الحرائق إلى تهجير أكثر من ثلث مليون شخص في جنوب غربي القارة. وفي إقليم "ألمرية" جنوب إسبانيا، خلف حريق واحد ما لا يقل عن 14 قتيلاً، معظمهم من الأجانب، في أعنف حصيلة لحريق إسباني منذ نحو 20 عاماً.

هذه الأرقام تأتي بعد عام كان الأسوأ أصلاً، فقد أحرقت النيران في دول الاتحاد عام 2025 أكثر من مليون هكتار، أي ما يعادل مساحة قبرص تقريباً، في أعلى حصيلة يسجلها النظام منذ 2006 وضعف المعدل السنوي للفترة بين 2006 و2024، مع أرقام قياسية مطلقة في ألمانيا وإسبانيا وقبرص وسلوفاكيا.

الحصيلة البشرية هي الوجه الأثقل، فقد أبلغت دول أوروبية عن أكثر من 10 آلاف وفاة خلال موجات الحر الشديدة أواخر يونيو الماضي وحده. وقدر باحثون من "إمبريال كوليدج لندن" ومدرسة لندن للصحة وطب المناطق الحارة ومكتب الأرصاد البريطاني أن موجتي مايو ويونيو تسببتا بوفاة 2700 شخص في المملكة المتحدة، وأن التغير المناخي مسؤول عن 59 في المئة من وفيات الموجة الأولى و38 في المئة من وفيات الثانية.

النمط ذاته تكرر في الأعوام السابقة، ففي أول دراسة سريعة من نوعها، وجد الفريق نفسه أن نحو 1500 من 2300 وفاة حرارية مقدرة في موجة يونيو 2025 تعزى إلى التغير المناخي، أي أن حصيلة الوفيات تضاعفت ثلاث مرات، وأن من تجاوزوا 65 سنة شكلوا 88 في المئة من الضحايا. وبحلول سبتمبر من العام نفسه، قدر العلماء أن نحو 16500 شخص ربما قضوا بسبب التغير المناخي خلال ذلك الصيف، أي ما يقارب 68 في المئة من إجمال وفيات موجات الحر.

 

الزراعة والطاقة

الزراعة كانت في الخط الأول، فقد رصدت مبادرة "الإسناد العالمي للطقس" خسائر تاريخية شملت أدنى محصول ذرة تسجله فرنسا منذ 50 عاماً، وفقدان أكثر من مليون هكتار من الذرة في رومانيا، محذرة من أن ذلك قد يرفع أسعار الغذاء ويصيب الأسر المنخفضة الدخل بصورة غير متناسبة.

وخفضت وزارة الزراعة الإسبانية توقعات محصول الحبوب لموسم 2026 و2027 من 24 مليون طن إلى ما يزيد قليلاً على 18.5 مليون طن، فيما قلص الاتحاد الأوروبي تقديراته لعدد من المحاصيل، بينها عباد الشمس بنسبة سبعة في المئة والذرة الحبية ستة في المئة والبطاطا ثلاثة في المئة. وتشير تقديرات القطاع إلى أن محصول الذرة في الاتحاد قد يهبط دون 50 مليون طن مقارنة بنحو 57 مليوناً في الموسم السابق، وهو أدنى مستوى منذ موسم 2007 و2008. أما في فرنسا فتستعد مناطق الشمبانيا وبوردو وبورغوندي لأبكر موسم قطاف عنب مسجل، إذ بدأ في منتصف أغسطس بدل منتصف سبتمبر تقريباً.

في مجال الطاقة تقول مؤسسة "إمبر" المتخصصة إن موجات يونيو ويوليو رفعت الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد وعطلت في الوقت نفسه توليد الطاقة النووية والغازية والفحمية والكهرومائية، وإن إنتاج الاتحاد من الطاقة المائية سجل أدنى مستوى له منذ عقد في الأقل في الأشهر الثلاثة، مع تراجع سبع من أكبر ثماني دول منتجة دون متوسطاتها الخمسية. ووصلت أسعار الكهرباء لليوم التالي في إيطاليا وإسبانيا إلى أعلى ذراها منذ أزمة الغاز في شتاء 2022 و2023، فيما ساعد إنتاج شمسي قياسي على تفادي انهيار الشبكة نهاراً، وتركزت الأزمة في ساعات المساء.

وفي فرنسا، التي سجلت في الـ23 من يونيو أعلى حرارة منذ بدء السجلات عام 1947 متجاوزة 44 درجة، توقفت وحدة في محطة "غولفيش" النووية جنوب البلاد وخفضت وحدات أخرى إنتاجها بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد، فيما أعلنت خمس محطات غاز بريطانية خفض إنتاجها بما مجموعه نحو 2.5 غيغاواط.

 

 

الترجمة المالية

الترجمة المالية لكل ما سبق بدأت تظهر. تقدير حديث لمصرف "تريودوس" الهولندي يضع الكلفة التراكمية للحر الشديد والحرائق في اقتصادات الاتحاد عند 180 مليار يورو خلال 2026، أي نحو واحد في المئة من الناتج المحلي، وهو رقم يكاد يلغي النمو المتوقع للتكتل هذا العام والبالغ 1.1 في المئة. وتتوزع الخسائر على أربع قنوات: تراجع المحاصيل وإنتاج الألبان وارتفاع أسعار الغذاء بنحو 0.15 في المئة، وتقييد التوليد النووي والمائي والحراري وارتفاع أسعار الكهرباء بين 0.12 و0.15 في المئة، واضطراب النقل بسكك الحديد والطرق والممرات المائية 0.15 في المئة، فيما تبقى إنتاجية العمل أكبر القنوات وأصعبها قياساً.

وبحسب دراسة "أليانز تريد" تتراجع إنتاجية العمل نحو ثلاثة في المئة عن كل درجة إضافية فوق 30 درجة مئوية، بينما يرتفع الطلب على الطاقة نحو 1.2 في المئة لكل درجة. وفي سيناريو ضغط يعيد تشغيل الأعوام الخمسة الأشد حرارة في كل بلد بين 2014 و2024 تصاعدياً على مدى 2026 إلى 2030، تصل الخسائر التراكمية إلى ما بين خمسة وسبعة في المئة من الناتج في أكثر الاقتصادات انكشافاً، أي نحو 240 مليار دولار لفرنسا و147 ملياراً لإيطاليا و131 ملياراً لألمانيا و120 ملياراً لإسبانيا، مع تآكل في الإيرادات الضريبية يبلغ 1.8 في المئة سنوياً في فرنسا و1.3 في المئة في إيطاليا وإسبانيا.

وتلتقي هذه التقديرات مع ما قاله كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، في مؤتمر عقد بفرانكفورت في مايو، من أن الاحترار وتزايد الظواهر المتطرفة يسببان أضراراً اقتصادية جوهرية، وأن أبحاثاً حديثة ترجح أن نصيب الفرد من الناتج العالمي كان سيكون أعلى بأكثر من 20 في المئة لو لم يحدث احترار بين 1960 و2019.

بحسب الهيئة الأوروبية للتأمين ومعاشات العمل، لم يكن مؤمناً سوى نحو ربع الخسائر الناجمة عن الظواهر المتطرفة في أوروبا بين 1980 و2024، مما يعني أن المواطنين سيواجهون أقساطاً أعلى أو سيتحملون حصة أكبر من كلفة الكوارث بأنفسهم. وحذر اتحاد شركات التأمين الألماني من أن أقساط التأمين على الممتلكات قد تتضاعف خلال عقد بفعل المطالبات المرتبطة بالمناخ، فيما قد يصبح التأمين، ومعه القروض العقارية، غير متاح أصلاً في المناطق العالية الخطورة إذا انسحب المؤمنون أو أدرجوا استثناءات جديدة.

القطاع السياحي يعيد ترتيب موسمه، فقد ارتفعت حجوزات أحد كبار منظمي الرحلات إلى أيسلندا 22 في المئة وإلى النرويج 30 في المئة لصيف 2026، فيما سجلت وجهات شمالية ووسط شرق أوروبية زيادات في الوافدين، منها فنلندا 14.1 في المئة والنرويج 12.9 في المئة وبولندا 12 في المئة، لكن المسح الذي أجرته اللجنة الأوروبية للسياحة لعام 2026 يظهر أن جنوب أوروبا والمتوسط ما زالا الوجهة الأولى بنسبة 60 في المئة من المسافرين، مما يعني أن التحول تدريجي لا انقلابي.

 

أعوام عجاف

السؤال الأهم يبقى: ماذا لو تكرر هذا الصيف؟ تجيب مبادرة "الإسناد العالمي للطقس" بأن جفاف التربة الذي شهدته أوروبا الغربية بين أبريل (نيسان) ويونيو صار أكثر احتمالاً بخمس مرات مقارنة بمناخ أبرد بـ1.4 درجة، فيما صار جفاف الشرق الأوروبي بين يناير (كانون الثاني) ويونيو أكثر احتمالاً بنحو 11 مرة، وأن ظروف "التبخر النتحي" الشديد التي رصدت في الغرب باتت أكثر احتمالاً بنحو 80 مرة، وفي الشرق بنحو 40 مرة. والأخطر أن ارتفاع قدرة الجو على سحب الرطوبة أزاح عتبة الجفاف نفسها، بحيث صار عجز مطري ما كان ليسبب جفافاً في السابق كافياً لإنتاجه اليوم، وأن موجة بالندرة ذاتها كانت ستنتج ظروفاً "معتدلة" أو "شديدة" فقط في مناخ أبرد بـ1.4 درجة، بدل الظروف المتطرفة والاستثنائية المسجلة حالياً.

على المدى الأبعد، تتراكم الأرقام، فقد كلفت الظواهر المتطرفة دول الاتحاد نحو 822 مليار يورو بين 1980 و2024، وجاءت الأعوام الأربعة الأخيرة كلها ضمن الأعوام الخمسة الأكثر كلفة. وتقدر الوكالة الأوروبية للبيئة أنه من دون إجراءات تحويلية حاسمة، سيواجه الاتحاد والمملكة المتحدة خسارة رفاه سنوية لا تقل عن 175 مليار يورو، أي 1.38 في المئة من الناتج، عند احترار عالمي بمقدار ثلاث درجات، مقابل 83 مليار يورو عند درجتين، على أن تتجاوز الخسائر في جنوب أوروبا 2.5 في المئة من الناتج سنوياً. وتضيف الوكالة أن أسعار الغذاء قد ترتفع 20 في المئة بحلول 2050، وأن أضرار الفيضانات الساحلية وحدها قد تتجاوز تريليون يورو سنوياً بحلول 2100 وتطاول 3.9 مليون شخص كل عام.

ووفق التقييم ذاته، فإن 34 من تلك الأخطار الـ36 قد تبلغ مستويات حرجة أو كارثية خلال هذا القرن في سيناريو احترار مرتفع من دون إجراءات تكيف إضافية. والسبب أن أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً في العالم، إذ بلغ معدل ارتفاع حرارتها منذ ثمانينيات القرن الماضي نحو ضعف المعدل العالمي.

تشير مبادرة "الإسناد العالمي للطقس" إلى أن الاستجابة الأوروبية للجفاف ما زالت متفاوتة، فخطط إدارة الجفاف غير إلزامية بموجب توجيه إطار المياه، مما ينتج تبايناً في الجاهزية بين الدول الأعضاء، وتدعو إلى سياسة حوكمة موحدة للجفاف إلى جانب استراتيجية المرونة المائية. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن إجراءات التكيف قد تخفض خسائر الإنتاجية بنحو 40 في المئة، لكنها لن تلغيها.

الخلاصة التي تجمع هذه المصادر أن عاماً كعام 2026 لم يعد حدثاً استثنائياً يمكن تجاوزه بمعونات طارئة وموسم أمطار جيد، بل نموذجاً أولياً لعقد كامل. وإن تحققت سلسلة من هذه الأعوام، فإن الأثر لن يقتصر على فواتير الكهرباء وأسعار زيت الزيتون، بل سيمتد إلى قدرة دول على تمويل موازناتها، وإلى إمكان تأمين المنازل في مناطق بأكملها، وإلى الخريطة الاقتصادية للقارة نفسها، حيث يخسر الجنوب أكثر مما يخسر الشمال.

اقرأ المزيد

المزيد من بيئة