Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمن الغذائي البريطاني في دائرة الخطر... والمياه تنفد

يدفع مزارعو بريطانيا ثمن الجفاف والحر الشديد. وما لم نستثمر الآن في المياه والبنية التحتية وإنتاج الغذاء محلياً، فقد يكشف موسم الحصاد المقبل مدى هشاشة إمداداتنا الغذائية

إنتاج الغذاء في بريطانيا معرض للخطر بسبب مشكلات إمدادات المياه (أ ف ب/ غيتي)

ملخص

تواجه بريطانيا أزمة متفاقمة في أمنها الغذائي مع اشتداد الجفاف وتراجع المحاصيل ونقص المياه، فيما يكشف اعتماد البلاد المتزايد على الواردات عن هشاشة أكبر أمام الأخطار المناخية التي تضرب مناطق التوريد الرئيسة. ويطرح التصدي للأزمة ضرورة الاستثمار العاجل في تخزين المياه والري والإنتاج المحلي والبنية التحتية الزراعية، بدلاً من الاكتفاء بالمراجعات والخطط الحكومية التي لم تواكب سرعة تغير المناخ.

في يناير (كانون الثاني) 2025، كتبت في "اندبندنت" أن بريطانيا تسير غافلة نحو أزمة في إمدادات الغذاء، لكنني كنت مخطئاً. فنحن لم نعد نسير غافلين نحو الأزمة، بل تجاوزنا حافة الهاوية بالفعل، وبدأ للتو من يملكون القدرة على فعل شيء حيالها بالاعتراف بذلك.

فقد وجَّه الرؤساء التنفيذيون لشبكات المتاجر الكبرى "تيسكو" و"ويتروز" و"سينسبوري" و"ألدي" و"كو-أوب" رسالة مشتركة إلى رئيس الوزراء، طالبوا فيها بوضع أهداف ملزمة قانوناً للأغذية المنتجة في بريطانيا. ويأتي ذلك فيما يعاني نحو ثلاثة أرباع إنجلترا الآن الجفاف، بما يؤثر في 45 مليون شخص، في حين يخضع 27 مليوناً لحظر استخدام خراطيم المياه. وكان يوليو (تموز) الماضي الشهر الأكثر جفافاً على الإطلاق، إذ لم تتجاوز كمية الأمطار التي هطلت خلاله 10 في المئة من متوسطها على المدى الطويل. ووفق "مكتب الأرصاد الجوية"، يتجه عام 2026 إلى أن يكون واحداً من أشد أربعة أعوام حرارة منذ بدء التسجيل، ليصبح العام الرابع على التوالي الذي تتجاوز فيه درجات الحرارة مستويات ما قبل الثورة الصناعية بأكثر من 1.4 درجة مئوية.

وتزداد خطورة هذا الواقع في ضوء تقرير عسكري مسرب كشفت عنه "اندبندنت"، حذر من أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة وتقلب أنماط الطقس باتا يشكلان خطراً وجودياً على الأمن الغذائي والاقتصاد والاستقرار الجيوسياسي لبريطانيا. وكما كتب اللورد ديبن، الرئيس السابق لـ"لجنة تغير المناخ"، في هذه الصفحات، فإن بريطانيا ستصبح أقل أمناً إذا لم تكن الحكومة مستعدة للإصغاء إلى هذا التحذير.

وأنا أردد كل ذلك على منصات في مختلف أنحاء البلاد منذ أكثر من أربعة أعوام. ومن المريح، والمثير للإدانة في آن، أن دوائر صنع القرار احتاجت كل هذا الوقت حتى تدرك حجم المشكلة.

وباتت تداعيات الأزمة تقاس بالفعل بحجم المحاصيل المفقودة. فمحصول الحبوب لعام 2026 يتجه إلى أن يكون الأسوأ على الإطلاق، إذ يقل بمقدار مليونين و500 ألف طن عن التوقعات السابقة، مما سيكلف مزارعي المحاصيل في بريطانيا ما يصل إلى 390 مليون جنيه استرليني من الإيرادات المفقودة، وفق "وحدة استخبارات الطاقة والمناخ". وإذا ظلت الغلال عند مستوياتها الحالية، فستكون أربعة من أسوأ خمسة مواسم حصاد مسجلة على الإطلاق قد وقعت خلال هذا العقد.

ولا تبدو حال الخضراوات أفضل، إذ انخفض محصول البازلاء في إنجلترا بمقدار الثلث، وتراجع إنتاج البروكولي بأكثر من 50 في المئة، فيما لم تعد المحاصيل الجذرية، بما فيها الجزر والبصل، تصمد إلا بفضل الري، في وقت يحذر المزارعون من أن إمدادات المياه لن تكفي إذا استمر الجفاف. هذا ليس مجرد عام سيئ، بل نمط يتكرر.

ولكل هذه الإخفاقات سبب جذري واحد، وحل واحد أيضاً: المياه. ولهذا يدعو "الاتحاد الوطني للمزارعين" إلى إصلاح نظام التخطيط لتسهيل إنشاء خزانات المياه داخل المزارع. فالمزارعون مستعدون للاستثمار، لكن الحصول على تراخيص التخطيط يكاد يكون مستحيلاً، فيما لا تقدم الحكومة أي دعم. وفي المقابل، تمتلك شركات المياه بنية تحتية يمكن أن تحدث تحولاً في قدرة أنظمة الري على مواجهة نقص المياه، لكن الإطار التنظيمي لا يمنحها أي حافز للتعاون مع المزارعين لتحقيق ذلك.

والحل المقترح بسيط: دفع مقابل للمزارعين لقاء تخزين المياه في الأراضي المعرضة للفيضانات، وتمويل هذا النظام على المستوى الإقليمي، وتخصيص حصيلة غرامات التلوث للمناطق التي فرضت فيها. فكلفة ذلك أقل من خسائر المحاصيل التي نتكبدها الآن، كما أنه يساعد في منع الفيضانات في المناطق الواقعة أسفل مجاري المياه، ويتيح استمرار زراعة الغذاء في بريطانيا بدلاً من استيراده من منطقة البحر الأبيض المتوسط، التي تنفد منها المياه بوتيرة أسرع من بريطانيا.

والأرقام التي تقف وراء هذه الأزمة ليست معقدة، لكنها أسوأ مما تبدو عليه. فوفق أحدث تحليل أجرته شركة "إيثر"، وهي شركة استشارات بريطانية متخصصة في الاستدامة وأخطار المناخ، باتت الواردات تشكل 78 في المئة من حجم المنتجات الطازجة في بريطانيا. ومنذ عام 2019، انخفض حجم الواردات فعلياً بنحو ستة في المئة، لكن قيمتها ارتفعت بنسبة 29 في المئة. نحن نستورد كميات أقل وندفع مبالغ أكبر بكثير. وفي الوقت نفسه، ظل حجم الإنتاج المحلي مستقراً إلى حد بعيد. نحن لم نحل مشكلة أمننا الغذائي، بل غيرنا شكلها.

كما أن مصادر وارداتنا تتغير على نحو ينبغي أن يثير قلق كل من يتابع أخطار المناخ. فمنذ عام 2019، انخفض حجم المنتجات الطازجة المستوردة من أوروبا بنسبة 24 في المئة، بينما ارتفع حجم الواردات من أفريقيا بنسبة 55 في المئة. وبات نحو 77 في المئة من اعتمادنا على أكبر 10 مصادر للتوريد متركزاً في بلدان مصنفة ضمن مستويات مرتفعة أو مرتفعة جداً من أخطار نقص المياه. وبحلول عام 2050، قد يواجه ما يقارب ثلثي كبار موردينا أخطاراً مرتفعة أو مرتفعة جداً من الفيضانات.

وتشهد منطقة البحر الأبيض المتوسط، من إسبانيا والمغرب إلى شمال أفريقيا، تصحراً متزايداً، فيما تلتهم حرائق الغابات فرنسا وإسبانيا والبرتغال. ثم هناك فيضانات فالنسيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وانقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية. هذه ليست تحذيرات مما قد يأتي، بل لمحات مما أصبح واقعاً بالفعل.

ومع ذلك، ظل رد الحكومة، على نحو محبط ومتكرر، يتمثل في تشكيل لجان وإجراء مراجعات ووضع خرائط طريق وإصدار تقارير لا تفضي إلى شيء. وحتى "خريطة طريق الزراعة 2050"، التي نشرت هذا العام، تغفل تماماً ما أراه جوهر القضية.

فسلسلة القيمة في قطاع الزراعة والغذاء في المملكة المتحدة تولد ما بين 55 و60 مليار جنيه استرليني من القيمة المضافة الإجمالية سنوياً، أي نحو ضعف حجم قطاع السيارات، وضعف قطاع الصناعات الدوائية، وثلاثة أضعاف قطاع الطيران والفضاء. ومع ذلك، لا يعترف بهذا القطاع باعتباره إحدى "الصناعات الرائدة" في الاستراتيجية الصناعية الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهناك أمر آخر لا يريد أحد في وستمنستر قوله بصراحة. لقد غادرنا أوروبا كي نستعيد السيطرة. لكن سيادتنا لا تزال تنزلق من بين أيدينا، لا عبر القنال الإنجليزي، بل عبر الأنابيب. فقرابة 72 في المئة من البنية التحتية للمياه في إنجلترا باتت الآن مملوكة لجهات أجنبية. نحن نتجادل في شأن الحدود بينما نبيع الأرض من تحت أقدامنا.

وأعرف ذلك لا من مركز أبحاث أو غرفة اجتماعات، بل من واقع أكثر من 24 عاماً قضيتها في زراعة الغذاء في هذا البلد. فقد حولت "شارفام بارك"، وهي قرية في سومرست يعود تاريخها إلى ألف عام، إلى مزرعة عضوية مزدهرة. وزرعت 300 شجرة جوز في تربة كان رهبان غلاستونبري يزرعون فيها الجوز قبل 500 عام. واستغرق الأمر 20 عاماً حتى أنتجت تلك الأشجار أول محصول تجاري مجدٍ.

وفي يونيو (حزيران) هذا العام، قطفنا أول محصول بريطاني من الجوز العضوي المعد للتخليل. أما العام الماضي، الذي شهد أشد فصول الصيف جفافاً على الإطلاق، فقد حققنا فيه محصولاً جيداً، لكن حبات الجوز كانت صغيرة بسبب الحرارة والجفاف، وهو المشهد نفسه الذي يتكرر هذا العام. ومع ذلك، لا تقدم الحكومة أي دعم للري لحماية هذا المحصول، في حين توفر منحاً لزراعة الأشجار. أي إنها تمول غرس الشجرة، لكنها لا تمول إبقاءها حية ومنتجة في ظل مناخ متغير. وهذا التناقض المثير للجنون يلخص السياسة الغذائية البريطانية.

 

وأمضى صديقي إد مورهاوس أربعة أعوام في صراع مع نظام التخطيط للحصول على الموافقة على بناء واحد من أكبر مجمعات البيوت المحمية منخفضة الكربون في بريطانيا، في مقاطعة إيسيكس. أربعة أعوام لمجرد الحصول على تصريح لزراعة الطماطم. وفي المقابل، بدأ الهولنديون قبل 50 عاماً إنشاء مناطق للزراعة داخل منشآت يمكن التحكم في ظروفها، مستفيدين من الحرارة الصادرة عن المنشآت الصناعية، بينما لا نزال نحن نتجادل في شأن تعريفات التخطيط.

ورؤساء شركات المتاجر الكبرى محقون في مخاطبة رئيس الوزراء، لكن الرسالة وحدها لا تمثل التزاماً. أما "مشروع قانون الغذاء الجيد" الذي يطالبون به، بما يتضمنه من أهداف ملزمة قانوناً للإنتاج المحلي، فهو بالضبط ما نحتاج إليه. ونحتاج كذلك إلى تسريع إجراءات التخطيط الخاصة بالبنية التحتية لإنتاج الغذاء، وتوجيه دعم الطاقة إلى المنتجين الزراعيين البريطانيين، وإطلاق برنامج وطني للبنية التحتية للمياه يدفع للمزارعين مقابل تخزين المياه، ويشرك شركات المياه في الحل، ويوفر منظومة ري قادرة على مواجهة متطلبات المناخ المتغير.

وفي الـ26 من سبتمبر (أيلول) المقبل، سأستضيف في بريستول، ضمن "مهرجان أفكار الغذاء"، حلقة نقاش بعنوان "كيف يمكننا إطعام بريطانيا؟". وسيشارك فيها أشخاص يعملون بالفعل على مواجهة هذه المشكلة: رائد في مجال البيوت المحمية، ومزارع وناشط في قضايا المياه، ومؤسس "بلانيت أورغانيك"، واختصاصي تغذية، وخبير مالي يستطيع أن يشرح لماذا لا تتدفق الاستثمارات وما الذي ينبغي تغييره.

وسيفتتح غاي واتسون من "ريفرفورد" الجلسة بالنقاش الذي لا يريد أحد في قطاع الغذاء خوضه: مادة الغليفوسات، وما نضعه في تربتنا، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى الغذاء الذي يصل إلى أطباقنا.

لقد قال رؤساء شركات المتاجر الكبرى أخيراً ما يعرفه المزارعون البريطانيون منذ أعوام، وقالت المؤسسة العسكرية ما ظل علماء المناخ يقولونه منذ عقود.

لذلك لم يعد السؤال ما إذا كانت بريطانيا تواجه أزمة في أمنها الغذائي، بل ما إذا كان من يملكون القدرة على التحرك، في الحكومة وشركات المياه وقطاعي التجزئة والمال، سيفعلون ذلك قبل أن يفشل موسم الحصاد المقبل. أم أننا سنعود إلى هنا بعد 18 شهراً، لنكتب المقالة نفسها، ونراقب الحقول نفسها وهي تصفر، والغابات نفسها وهي تحترق؟

 

روجر سول هو مؤسس "مالبيري" و"شارفام بارك"، ومضيف حلقة النقاش "كيف يمكننا إطعام بريطانيا؟" ضمن "مهرجان أفكار الغذاء" في مركز "أرنولفيني" في بريستول، في الـ26 من سبتمبر 2026.

© The Independent

المزيد من تقارير