ملخص
تخفي رفوف المتاجر البريطانية أزمة غذائية آخذة في التفاقم، مدفوعة بتغير المناخ والحروب واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج المحلي. ويحذر خبراء ومزارعون من أن ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساس قد يحولا انعدام الأمن الغذائي خلال أعوام قليلة إلى تهديد وطني يستدعي تحركاً عاجلاً.
إن كنت تعلم أين تبحث، فستطالعك في كل مكان دلائل تنذر بتزايد انعدام الأمن الغذائي في بريطانيا. يمكنك البدء بالبحث في ممرات المتاجر الكبرى، إذ ترى الناس يحدقون في بطاقات الأسعار ويعبسون ويواصلون طريقهم. وهذا ينطبق على المواد الغذائية الأساس: من خبز وحليب وبيض. أما اللحوم تحديداً، فقد أصبحت رفاهية بعيدة المنال.
لقد أتقنت المتاجر الكبرى منذ زمن طويل فن الخداع البصري في ترتيب الرفوف وتغيير العروض. وبعدما دأبت لأعوام على دفع المستهلكين إلى مراجعة خياراتهم، ستكون هذه المتاجر من آخر الأماكن التي تعترف بوجود مشكلة. لم تعد تستوقف المستهلكين البريطانيين منصات العرض الكرتونية الدعائية، ولا عشرات المنتجات العشوائية المعروضة عند مدخل المتاجر. لكن إن أمعنت النظر، ستكتشف حيل المتاجر. فالرفوف باتت أكثر فراغاً، فيما أصبحت الإمدادات أقل استقراراً وأكثر عرضة للتقلب.
وبعدما حذر المزارعون من أن الحرارة الشديدة هذا الصيف تجفف المحاصيل، من المحتمل أن يصبح الوضع أسوأ بكثير. وقال متحدث باسم الاتحاد الوطني للمزارعين لـ"اندبندنت"، "لم تحصد بعض المناطق محصولها بعد، لذا فإن ما سيحدث خلال الأسبوع أو الـ10 أيام المقبلة قد يحدث تأثيراً. نحن نطلب من وكالة البيئة أن تبدي مرونة في ما يتعلق باستخراج المياه".
كان يكتب في الماضي عن انعدام الأمن الغذائي، أي فقدان إمكانية الحصول على طعام آمن ومغذٍ بصورة منتظمة، والأهم من ذلك بأسعار معقولة، باعتباره مشكلة تخص أماكن أخرى (بينما كانت قصص التقنين التي لا تزال عالقة في ذاكرة آبائنا تروى بطريقة تجملها كما لو كانت حكاية خيالية على شاكلة قصص ديزني). وكما هو حال عدد من القضايا التي سنعانيها هنا بقوة خلال الأعوام الخمسة المقبلة، اختار قادتنا أن يجعلوا من هذه المشكلة قضية تخص الجنوب العالمي بدلاً من التحدث بصراحة عن الأخطار التي تواجه إمدادات الغذاء في منازل المواطنين البريطانيين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أدرك المسؤولون عن التخطيط لحالات الطوارئ الحقيقة المغايرة لهذه الصورة، فطرحوا الموضوع بقوة أكبر في النقاشات الوطنية. إن آليات مناقشة الأخطار المزمنة، من قبيل ارتفاع درجات الحرارة المستمر، ومقاومة المضادات الحيوية، وانعدام الأمن الغذائي، ما زالت قاصرة. ولا يتناول سجل الأخطار الوطني الأخير الذي نشر هذا الأسبوع، سوى الوضع الراهن، فيما لا يتطرق إلى أخطار المستقبل.
ومع ذلك، فقد ذكرت خسارة الغذاء نتيجة لسيناريوهات أخرى "غير متوقعة" 86 مرة، بعدما ذكرت 32 مرة في العام الماضي.
ويوضح التقييم الاستخباري الصادر عن لجنة الاستخبارات المشتركة في المملكة المتحدة الأمر بصورة أكبر، إلى حد ما. ولم يسمح للنواب حتى الآن إلا بالاطلاع على ملخص محرر من 14 صفحة، لكنهم يعتقدون أنه يحذر من أن انهيار النظام البيئي العالمي من المرجح أن يؤدي إلى نقص حاد في الغذاء داخل المملكة المتحدة في غضون خمسة أعوام.
ليس من المستغرب أن مجلس الوزراء لم ينشر التقرير الكامل بعد، لأنه من المرجح أن يوضح بصورة صارخة مدى خطورة الوضع الحالي. ويدرك المخططون الحكوميون أن انعدام الأمن الغذائي هو أحد العوامل الرئيسة في انهيار اللحمة المجتمعية: وهو نقطة التحول التي تطلق ما يسمى أعمال الشغب الغذائية، وقد حدث ذلك عند تغيرت أسعار الأغذية أو مدى توافرها بصورة مفاجئة وجذرية، كما رأينا في دول مثل إندونيسيا وكينيا وسريلانكا وبيرو.
وتدرك الحكومة البريطانية مدى خطورة هذا الوضع. ومن المقرر أن تصدر وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية تقريرها المقبل حول الأمن الغذائي العام المقبل، وقد شكلت الوزارة فريق عمل مكلف التحديد بدراسة زيادة الإمدادات، وذلك بسبب قلقها الشديد.
في الشهر الماضي، صرح رئيس أركان الدفاع السابق اللورد بيتش لـ"اندبندنت" بأنه على الأسر تخزين كميات كبيرة من الطعام والماء، وكذلك النقود، في معرض تحذيره من أن "الوقت قد حان للتعامل بجدية" مع التهديدات التي تواجه بريطانيا من جهة بوتين. وهذا الأسبوع، علمنا بخطط لإطلاق حملة جديدة تحت شعار "المرونة" ستحث الناس على الاستعداد لحالات الطوارئ، في وقت ستختبر الحكومة قدرات الاستجابة العسكرية والمدنية في أكبر مناورة دفاعية على أراضي المملكة المتحدة منذ عقود، ومن المقرر أن تجري العام المقبل.
وقال كبير مساعدي رئيس الوزراء دارين جونز "ستساعد هذه الحملة الجمهور على اتخاذ خطوات صغيرة إنما مهمة استعداداً لحالات الطوارئ والاضطرابات - سواء كانت حالات جوية قاسية أو هجوماً إلكترونياً - التي يمكن أن تؤثر في إمدادات الكهرباء أو المياه أو إشارة الهاتف".
وأضافت "إن التحضير لا يساعد الناس فقط على الحفاظ على سلامتهم وسلامة أسرهم، بل يتيح أيضاً لخدمات الطوارئ التركيز على مساعدة الفئات الأكثر عرضة للخطر في المجتمعات المحلية".
إن أسباب تدهور الأمن الغذائي لدينا متعددة وتنجم عن تضافر عوامل عدة سلبية. لقد اتخذت قرارات سياسية على مدى أعوام عديدة لتغيير طريقة توفر الغذاء، ونحن نستورد أكثر بكثير مما نصدر، مما يجعلنا معرضين بشدة لأي صدمة في البنية التحتية.
أصبح اضطراب سلسلة التوريد والتقلبات الهائلة في الأسعار هو القاعدة. نحن ببساطة لا نقدر أهمية إنتاج الغذاء من أراضينا، ولم نعمل على تكييف الإنتاج الغذائي مع تغير المناخ إلا جزئياً، وبصورة غير جدية. بحسب الاتحاد الوطني للمزارعين، أهدرت المزارع عام 2022 ما قيمته 60 مليون جنيه استرليني من المنتجات الغذائية بسبب عدم وجود من يحصدها، وأبيد أكثر من 30 ألف خنزير سليم بسبب نقص عمال المسالخ والجزارين. والآن، يتخلى عدد من المزارعين عن هذا القطاع، ويبيعون أراضيهم، أو يحولون حقولهم إلى مزارع للطاقة الشمسية.
مع ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، من المتوقع أن تؤدي موجات الحرارة والجفاف والفيضانات وفقدان التنوع البيولوجي إلى خفض حجم المحاصيل على الصعيد العالمي، مما يؤثر في كل من الإنتاج المحلي والاستيراد من حيث النقص في الإمدادات وارتفاع الكلف. وتعد المملكة المتحدة عرضة للأخطار خصوصاً في هذا الصدد نظراً إلى أنها تستورد ما بين 45 و50 في المئة من غذائها، مما يجعلها ضعيفة بصورة خطرة أمام فشل المحاصيل المرتبط بالمناخ ولاضطرابات سلسلة التوريد في الخارج. وتحذر لجنة الاستخبارات المشتركة البريطانية الحكومة من أن تغير المناخ وانهيار النظم البيئية الحيوية في الخارج لم يعودا مجرد قضايا بيئية، بل أصبحا يمثلان تهديدات للأمن القومي.
المخزونات آخذة في التناقص
لا تملك عدد من الأسر ببساطة الوقت الكافي لشراء المواد الغذائية من مصادرها الأصلية، وقلة منها تعكف على زراعة الخضراوات أو الخبز في ظل إيقاع حياة محموم يتمحور حول العمل. وفي المقابل، يروج للمنتجات المشبعة بالدهون والسكريات - وهي بالكاد تعد غذاءً - كبديل يمنح الشعور بالشبع دون أن يمد الجسم بالعناصر الغذائية الضرورية له. وكما فعلنا مع مواردنا الحيوية الأخرى، مثل الماء والكهرباء، حولنا الغذاء إلى سلعة، يباع الجزء الأكبر منها لتحقيق أرباح تجارية ومكاسب يستفيد منها المساهمون. يمتلك تجار التجزئة نفوذاً أكبر بكثير من منتجي المواد الغذائية وأحد أسباب ارتفاع نسبة الهدر هو تغييرهم لطلباتهم أو إلغاؤها.
تعد إحدى طرق تقييم مدى سوء الوضع الحالي التحدث مع معلمي مرحلة الطفولة المبكرة في المناطق التي تصنف على أنها الأكثر حرماناً في سجلات الحكومة. يصل الأطفال إلى المدرسة وهم يعانون الجوع الشديد كل يوم. يشتري المعلمون ألواح حبوب الإفطار بكميات كبيرة من دخلهم الخاص، وسيتعين إطعام آلاف الأطفال خلال الأسابيع القليلة المقبلة من صندوق "الأنشطة والغذاء خلال العطلات" التابع للحكومة.
وستشكل هذه الوجبات بالنسبة إلى بعض الصغار مصدر غذائهم الرئيس، إذ تشير البيانات باستمرار إلى انتشار سوء التغذية وزيادة حادة في حالات الإصابة بالكساح والحمى القرمزية والاسقربوط (أو بثع) لدى الأطفال، بسبب النقص المستمر في فيتامين (د). كانت هذه الأمراض شائعة في العصر الفيكتوري، عندما كان الفقر الغذائي بين الأطفال متفشياً. ومن المخجل لنا جميعاً أن تطل هذه الأمراض برأسها من جديد.
في المؤسسة الخيرية للأطفال في شمال لندن التي أشغل فيها منصب عضو مجلس أمناء، نقدم وجبات يمولها صندوق الأنشطة والغذاء خلال العطلات، ونوفر الفاكهة والخضراوات الطازجة بوتيرة متواصلة. وفي كل مرة أقطع فيها جزرة، أتعجب من أن هذا يعد الآن ترفاً.
أما الشيء الوحيد الذي أحرص على مراقبته من كثب فهو سعر حليب الرضع الصناعي ومدى توافره. فهذا المنتج يعد بمثابة "طائر الكناري في منجم الفحم"، أي مؤشراً مبكراً على أوضاع الأسعار وسلاسل الإمداد وتوافر السلع وسلامتها، نظراً إلى هشاشة سوقه وحساسيته الشديدة. وكثيراً ما يكون أيضاً نذيراً بما هو آتٍ، لذلك تحرص الحكومات عادة على طمأنة المواطنين سريعاً في شأنه.
يعد إنتاج حليب الرضع الصناعي غير مستقر خصوصاً لأنه يعتمد على شبكة معقدة من سلاسل الإمداد الغذائي العالمية (ولا يقتصر الأمر على منتجات الألبان ومصل اللبن فحسب، بل يشمل أيضاً زيت السمك والمكملات الغذائية وعدداً من المكونات الأخرى). في عام 2022، عانت الولايات المتحدة نقصاً في حليب الرضع على مستوى البلاد استمر لأشهر عدة. وأدى ارتفاع الأسعار في المملكة المتحدة إلى زيادة معدلات سرقة هذا المنتج من المتاجر، وأصبحت علب الحليب هدفاً لعصابات الجريمة المنظمة التي تبيعها في السوق السوداء. ولا يمكن استبدال هذا المنتج بأي بديل آخر سوى حليب الأم، كما أنه يصعب تخزينه، ويخضع إنتاجه لرقابة صارمة ويقتصر على عدد قليل من الشركات المصنعة. إنه منتج باهظ الثمن ومعرض للخطر. كان تسعير حليب الأطفال محور تقرير شديد اللهجة صدر عام 2025 عن هيئة المنافسة والأسواق، لكن الحكومة لم تحرز تقدماً يذكر في هذا المجال.
إضافة إلى ذلك، لدينا المشكلة الأكبر، وهي الحرب. فالنزاع يمثل مشكلة رئيسة تعوق إنتاج الأغذية وتوزيعها. ويعد إغلاق مضيق هرمز من الصدمات الغذائية التي يمكن أن تدفعنا إلى حافة الهاوية، وقد أصبح تأثيره واضحاً بالفعل. يستمر مؤشر أسعار الأغذية الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، الذي يرصد التغيرات الشهرية في الأسعار الدولية لمجموعة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، في التقلب، بسبب ارتفاع كلف الطاقة والاضطرابات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.
تقول الأمم المتحدة إن هذه الأزمة تتكشف على مراحل: أولاً الطاقة ثم الأسمدة والبذور وانخفاض المحاصيل وارتفاع أسعار السلع الأساس، ثم تداعيات ذلك من تضخم في أسعار المواد الغذائية.
وقد أضيف ذلك إلى الآثار المترتبة على الغزو الروسي لأوكرانيا. قبل الحرب، كانت أوكرانيا تعرف بأنها سلة غذاء أوروبا لسبب وجيه للغاية: فقد كانت تنتج 50 في المئة من الإنتاج العالمي لزيت بذور عباد الشمس، و18 في المئة من إنتاج الشعير، و12 في المئة من القمح. ويؤدي استمرار الصراع إلى اضطراب شديد في الصادرات، فيما تقلصت مساحة الأراضي الزراعية في أوكرانيا بنحو الربع ولا سيما في الجنوب، إذ تضررت مساحات واسعة لأعوام بسبب تدمير سد كاخوفكا.
الاستقلال الغذائي
يبذل المسؤولون عن التخطيط للطوارئ في الحكومة البريطانية جهوداً كبيرة ومقدرة لتفادي مشكلات إمدادات الغذاء، فيما تتواصل المشاورات بصورة دائمة وسرية مع سلاسل المتاجر الكبرى وسائر الجهات المعنية. وبصفتنا معنيين بالتخطيط للطوارئ، فإننا نستخلص الدروس من أي تجربة متاحة، لكن عندما تكون هذه الدروس قريبة منا جغرافياً، فإنها غالباً ما تكتسب أهمية خاصة.
أدت المشكلات اللوجيستية المتكررة المتعلقة بتوصيل المواد الغذائية إلى جزيرة مان إلى وضع استراتيجية وطنية جديدة وطموحة. كان من الواضح لمسؤولي الصحة العامة في جزيرة مان أن المجتمعات المحلية قد سئمت من تلقي تنبيهات تكتفي بمطالبة السكان بالتكيف مع الوضع كلما خلت رفوف المتاجر، وتدعو هذه الخطة صراحة إلى تحقيق "سيادة غذائية" تتضمن إنتاج الغذاء محلياً. ومع ذلك، لا يزال المزارعون يعبرون عن مخاوفهم.
يتفق زملائي في وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية معي على ضرورة معالجة هذه المسألة بصورة عملية وعاجلة، فلا بشر من دون غذاء. هذا الصيف، أطلقت مبادرة الزراعة المستدامة الحكومية، التي تدفع للمزارعين مقابل اتباعهم ممارسات صديقة للبيئة تعزز إنتاج الغذاء وانتعاش الطبيعة، وقد أعلن الاتحاد الوطني للمزارعين أن جميع الأموال تقريباً قد وزعت على الفور.
ويتصدى الاتحاد بقوة لمشكلة هدر إنتاج الغذاء، وقد اكتسب عدد من المبادرات وبرامج إعادة التوزيع زخماً.
تتضمن جميع خطط الطوارئ التي وضعناها على مستوى الدولة الخاصة بأنواع أخرى من الاضطرابات، مثل انقطاع التيار الكهربائي، مطالبة صريحة بحماية إمكانية الحصول على أنواع معينة من الغذاء. ويطلب من السلطات المحلية دعم مبادرات "شراء المنتجات المحلية" و"زراعة المنتجات المحلية". في الخريف، ترقبوا ظهور سيل من البرامج الإذاعية والتلفزيونية الجديدة التي تدعونا إلى إعادة التفكير في موضوع الغذاء.
يعد الغذاء وأسعار المواد الغذائية، إضافة إلى إمكانية إحياء التعاونيات، من بين الأمور القليلة التي سمعنا رأي رئيس الوزراء آندي بيرنهام في شأنها. في الأسابيع المقبلة، ستُعرض عليه قائمة بالأخطار والتهديدات التي تواجه البلاد، وجميعها تنضوي على درجة عالية من الخطورة.
وسيقولون له إن كل واحدة منها تستحق اهتماماً عاجلاً وإن التقييم صحيح. لكن عملي علمني أنه لا يمكن إنجاز أي شيء على معدة فارغة، ولا تتخذ أي قرارات سليمة عندما يكون المرء جائعاً أو قلقاً من عدم الحصول على الغذاء. وهو مُحق في اعتبار هذا الأمر أولويته القصوى.
© The Independent