ملخص
في بداية الحرب رفعت إسرائيل والولايات المتحدة شعار "إنهاء الوجود للفصائل الفلسطينية"، وكان ذلك أمراً غير قابل للتفاوض، لكن في النقاشات الحالية مع القوى المسلحة يتمحور الحديث بشكل مباشر حول السماح لهذه التنظيمات بالعمل في الساحة كأحزاب سياسية مشروعة يمكنها أن تكون جزءاً من هيكلية الحكم القادمة.
في وقت تقترب فيه حرب غزة من صياغة فصولها الأخيرة في أروقة العواصم الدولية، شهدت كواليس المفاوضات المغلقة تراجعاً في سقف الشروط الدولية، إذ سمحت للفصائل الفلسطينية بالبقاء في الساحة والعمل كأحزاب سياسية.
في بداية الحرب رفعت إسرائيل والولايات المتحدة شعار "إنهاء الوجود للفصائل الفلسطينية"، وكان ذلك أمراً غير قابل للتفاوض، لكن في النقاشات الحالية مع القوى المسلحة يتمحور الحديث بشكل مباشر حول السماح لهذه التنظيمات بالعمل في الساحة كأحزاب سياسية مشروعة يمكنها أن تكون جزءاً من هيكلية الحكم القادمة.
ما الذي تغير؟
عندما أطلق "مجلس السلام" خريطة الطريق التنفيذية ذات الـ15 بنداً، لتطبيق المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار، تضمنت شروطاً قاسية، إذ كانت تقضي بإنهاء وجود الفصائل الفلسطينية من الساحة، لكن الجولات الماراثونية والمضنية من المفاوضات غير المباشرة التي استضافتها العاصمتان القطرية والمصرية، أفضت في نهاية المطاف إلى إعادة ترتيب أولويات "اليوم التالي" للحرب، إذ عدلت الصياغة إلى لغة واقعية تقبل بالوجود السياسي للفصائل بدلاً من محاولة اجتثاثها.
أدخل "مجلس السلام" تعديلات حاسمة على خريطة الطريق، فقد شهدت المسودات الأولى للاتفاق نصوصاً إقصائية صارمة كانت تطالب بحظر حركة "حماس" والفصائل المسلحة بشكل كامل، ومنع كوادرها من تولي أية أدوار عامة، وتفكيك بنيتها التنظيمية.
إلا أن التعديلات الأخيرة نجحت في شطب وحذف جميع بنود الإقصاء الكامل، واستبدالها بصيغة مرنة تقوم على مبدأ "تنظيم السلاح وحصره وتخزينه تكتيكياً" مقابل بقاء هذه الحركات كأحزاب سياسية شرعية تنتظم في حكومة توافق أو إدارة وطنية للمرحلة الانتقالية.
من جانب "مجلس السلام" جاء في الإحاطة الرسمية التي أدلى بها مديره التنفيذي نيكولاي ملادينوف "الهدف من الترتيبات الجديدة هو الانتقال بقطاع غزة من حال النزاع المسلح إلى الاستقرار السياسي المستدام، عبر قنوات شرعية تضمن مشاركة جميع المكونات الفلسطينية في الإدارة المدنية، شريطة الالتزام بحصر السلاح الثقيل والعمل تحت الرقابة الدولية".
ومن جانب الحكومة الأميركية يقول المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت، إن "الولايات المتحدة تدعم مساراً يقود إلى غزة خالية من المظاهر المسلحة والتهديدات الأمنية، لكننا ندرك في الوقت ذاته أن الاستقرار البعيد المدى يتطلب إيجاد هيكلية سياسية فلسطينية جامعة وقابلة للحياة لإدارة شؤون المدنيين وإعادة الإعمار".
وبشكل أكثر صراحة، نقلت الأوساط الدبلوماسية المشاركة في صياغة المقترح أن الإدارة الأميركية قدمت تعهدات صريحة، بوصفها شريكاً في تقديم الضمانات إلى جانب الوسطاء، تفيد بأنه "لن يكون هناك أي مساس بالعمل السياسي للفصائل داخل الأراضي الفلسطينية، وأن ممارسة هذا الحق مكفولة تماماً بمجرد الدخول في آليات حصر وتنظيم السلاح".
ويعقب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، خليل الحية "حافظنا على موقفنا البناء في مفاوضات السلام، لقد تلقينا تأكيدات وضمانات واضحة من أطراف عدة بأنه لن تكون هناك أية مشكلة في ممارسة عملنا السياسي داخل الأراضي الفلسطينية بعد تطبيق ترتيبات حصر السلاح وتخزينه".
ويضيف "أفشلنا جميع الخطط التي كانت تهدف إلى عزل المقاومة أو شطب وجودها الوطني (حماس) أبدت مرونة عالية في مسألة ترتيبات السلاح وحصره في إطار سيادي فلسطيني لأن الأولوية لدينا هي حماية أبناء شعبنا وانتزاع اعتراف قطعي بحقنا وحق جميع الفصائل في ممارسة العمل السياسي وإدارة القطاع كجزء أصيل من النسيج الوطني".
في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الفلسطيني رائد موسى، أن التعديلات الأخيرة تعكس رغبة حقيقية في تجنب سيناريوهات الفوضى، إذ تأتي التفاهمات لضمان انتقال آمن نحو إدارة فلسطينية مستقلة للقطاع. موضحاً أن المقاربة الجديدة تبحث عن معادلة واقعية تجمع بين رغبة المجتمع الدولي في إنهاء المظاهر العسكرية، وحق الفصائل في الحفاظ على ثقلها التنظيمي والسياسي.
ويقول موسى "يتيح الاندماج السياسي للحركات المسلحة، وفي مقدمها (حماس)، إعادة توجيه المشهد الإداري لغزة ولكن بطريقة مختلفة، كما تفتح هذه الترتيبات الباب أمام الفصائل للانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية كإطار قيادي موحد وهو ما يمنحها اعترافاً وشرعية دولية وقانونية تسقط عنها صفة العزلة السياسية".
البندقية مقابل الحزب
وتفرض هندسة الاتفاق الجديد معادلة ميدانية صريحة ومقايضة سياسية واضحة، إذ باتت خطوة تنظيم السلاح وحصره بمثابة البوابة الإلزامية والوحيدة لضمان بقاء الفصائل الفلسطينية واستمرار حضورها في مشهد غزة المستقبلي.
ووفقاً للترتيبات التي توصل إليها، فإن هذا "التسليم المنظم" للسيطرة على الأسلحة الثقيلة لا يعني إقصاء الفصائل بل يقابله اعتراف في حق هذه التنظيمات في التحول والبقاء كأحزاب سياسية مشروعة. هذه الصيغة أكدها خليل الحية حين وضع النقاط على الحروف في شأن هذا التحول التاريخي قائلاً "كل تجارب الناس الذين قاتلوا ضد الاحتلال، عندما حصلوا على الاستقلال والدولة، تحولوا إلى أحزاب سياسية، ومقاتلوهم تحولوا إلى جيش وطني، سلاح (حماس) مرتبط بوجود الاحتلال والعدوان، وإذا انتهى الاحتلال فسيؤول هذا السلاح إلى الدولة".
وأمام هذه التطورات، يبرز سؤال أين سيمكث هذا السلاح؟ تشير بنود التفاهمات وكواليسها إلى أن السلاح لن يسلم للجانب الإسرائيلي ولا لأية جهة خارجية، بل سيبقى داخل حدود قطاع غزة كأصل سيادي مستقل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهنا يأتي دور لجنة التكنوقراط التي ستتولى الإشراف الكامل والمباشر على عمليات حصر وتخزين جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التابعة للفصائل، وتسلم مقاليد الأمور، إذ أعلن الحية بوضوح أن "حماس" ستسلم كل مقاليد الإدارة في القطاع للجنة إدارة غزة بما فيها الأمن، وأنه لا تحفظ لدى الحركة على أية شخصية وطنية.
ستقوم هذه اللجنة بوضع الأسلحة الثقيلة في مخازن ومرافق مخصصة ومؤمنة تحت إشراف فلسطيني خالص، وبمراقبة ودعم تقني من القوات الدولية. وبمجرد إتمام هذه الخطوة الميدانية المعقدة، تنتقل الفصائل الفلسطينية رسمياً لتصبح أحزاباً سياسية متكاملة الأركان، إذ تسقط عنها المظاهر والتشكيلات المسلحة العلنية لتدخل ميدان العمل العام كقوى سياسية وحزبية منظمة تمارس سلطتها عبر صناديق الاقتراع، وبوابة منظمة التحرير، وتوجيه لجان الإدارة المدنية، والمشاركة في إعادة الإعمار.
يعقب الباحث السياسي عبدالرحمن قويدر "الانتقال من التشكيل العسكري إلى العمل الحزبي المنظم يعكس واقعية سياسية جديدة فرضتها ظروف الميدان والمفاوضات". ويقول "هذه الخطوة تمثل مقايضة ذكية نجحت الفصائل من خلالها في تحويل أوراق القوة الميدانية إلى شرعية سياسية ومؤسساتية مستدامة، مما يسقط نهائياً مشاريع الإقصاء أو هندسة المشهد الإداري لغزة من الخارج".
ويضيف قويدر "وضع السلاح الثقيل تحت إشراف لجنة تكنوقراط فلسطينية، وبقاءه كأصل سيادي داخل حدود القطاع، يمنح الفصائل شبكة أمان حقيقية، فهو يضمن عدم حدوث فراغ أمني قد تستغله تل أبيب، وفي الوقت ذاته يحول التنظيمات إلى قوى سياسية شريكة في القرار وإعادة الإعمار عبر صناديق الاقتراع وبوابة منظمة التحرير، مما يعيد رسم الهوية السياسية لغزة كإدارة مستقلة ومحمية بغطاء وطني ودولي".
كيف يكفل حق الفصائل؟
تتجاوز التفاهمات الجارية فكرة مجرد السماح اللفظي بالفصل بين السلاح والسياسة، بل تضع آليات واضحة تضمن للفصائل الفلسطينية، وفي مقدمها "حماس"، حقاً مكفولاً بممارسة العمل الحزبي والسياسي من دون قيود ميدانية أو إدارية.
وبموجب هذه الضمانات الشاملة التي ترعاها الأطراف الوسيطة، سيكون بمقدور الحركات ممارسة نشاطها الجماهيري والتعبوي بحرية كاملة، وبغطاء يحظر أي ملاحقة أو تضييق على حركتها السياسية والمؤسساتية في مشهد غزة التالي.
هذه الضمانات لا تقف عند حدود العمل الحزبي الداخلي، بل تمتد لتكون جسراً نحو الشرعية الدولية عبر بوابة إصلاح وترتيب البيت الفلسطيني، إذ أكد الحية الرغبة الحقيقية للحركة في هذا الاندماج قائلاً بوضوح "حركة (حماس) تريد الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية لتشكيل حكومة موحدة لغزة والضفة الغربية".
وهذا البند الرئيس يمنح الفصائل اعترافاً رسمياً وقانونياً على المستويين الإقليمي والدولي تحت مظلة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وأمام التعهدات بضمان بقاء الفصائل كحركات مشروعة منافسة عبر صناديق الاقتراع، حسم الحية الموقف السياسي النهائي للحركة كحزب مستعد للالتزام بالحلول السياسية والتخلي عن مظاهره المسلحة، معلناً أن "حماس" ستقبل بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والعودة للاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرارات الدولية على حدود عام 1967، و"إذا حدث ذلك فسيتم حل الجناح العسكري للحركة، والتحول إلى حزب سياسي بالكامل".
أما على صعيد "الحصانة الأمنية" وحماية الكوادر، التي تشكل الركيزة الأساسية لشبكة الأمان، فإن كواليس المفاوضات تتضمن بنوداً لحماية عناصر ونشطاًء الفصائل من أية ملاحقة أو اعتقال أو تصفية على خلفية نشاطاًتهم السابقة قبل الاتفاق، وتعد هذه الحصانة شرطاً لمنع حدوث عمليات انتقامية، وضمان الانتقال الآمن للآلاف من عناصر الفصائل إلى الحياة المدنية والسياسية من دون تهديد لسلامتهم.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في شؤون الحركات السياسية، خميس البرغوثي "هذه الضمانات تمثل تحولاً استراتيجياً في علاقة الفصائل بالنظام السياسي الفلسطيني والدولي"، مضيفاً "قبول الفصائل بالاندماج في منظمة التحرير والتحول الكامل إلى العمل الحزبي بموجب ضمانات دولية، هو بمثابة إعادة تموضع ذكية لنقل الشرعية من شرعية ثورية مسلحة إلى شرعية دستورية ومؤسساتية معترف بها عالمياً".
ويتابع "الاختبار الحقيقي في قدرة البيئة السياسية على استيعاب كوادر الفصائل من دون إقصاء، فالحصانة الأمنية المقترحة هي حجر الزاوية الذي يمنع انهيار التفاهمات، وحظر الملاحقة يمنح آلاف العناصر الطمأنينة للانتظام في العمل المدني والحزبي، مما يضع قطاع غزة والضفة الغربية أمام مشهد سياسي جديد تدار فيه الخلافات عبر البرلمان وصناديق الاقتراع بدلاً من السلاح".
ما الذي ستجنيه الفصائل؟
لا تقتصر كواليس مفاوضات "اليوم التالي" على تقديم التنازلات الميدانية، بل تبرز هنا خطوة بند "حصر وتخزين السلاح" كجسر تحليلي وتكتيكي مدروس ومحسوب بدقة. فالفصائل وفي مقدمها حركة "حماس"، لا تنظر إلى عملية نقل الأسلحة الثقيلة إلى المخازن المحمية بإشراف فلسطيني خالص كخسارة، بل كثمن ميداني حتمي جرى توظيفه بذكاء لانتزاع اعتراف سياسي دولي وعربي شامل بوجودها وتثبيت حقها الأصيل في قيادة المشهد الوطني مستقبلاً. ومن خلال هذه المقايضة التاريخية المعقدة، تسعى الفصائل إلى جني مكاسب استراتيجية كبرى لعل أبرزها انتزاع الشرعية الدولية والإقليمية التي تسقط عنها وإلى الأبد صفة العزلة.
يقول الباحث في العلاقات الدولية مروان الوحيدي "خطوة الانتقال من القوة الخشنة إلى النفوذ الدبلوماسي تمثل إعادة تموضع استراتيجي وليس تراجعاً"، مضيفاً "الفصائل أدركت مبكراً أن البندقية وحدها لم تعد قادرة على فتح المعابر أو إدارة الاقتصاد وإعادة الإعمار في ظل بيئة دولية خانقة، لذا فإن القبول بحصر السلاح هو محاولة واعية لتسييل التضحيات الميدانية وتحويلها إلى أوراق ضغط سياسية وقانونية معترف بها".
ويوضح الوحيدي "هذه المقايضة تمنح الفصائل ما يعرف في العلوم السياسية بالنفوذ غير المتماثل، فبينما يظن المجتمع الدولي أنه احتوى الحركة بتجريدها من المظهر العسكري، تنتقل الفصائل إلى مربع القيادة السياسية التي يصعب على الطيران الإسرائيلي قصفها أو حصارها من دون الاصطدام بالمجتمع الدولي".
لكن الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض منح "حماس" وأي فصيل آخر فرصة البقاء، وأكد أنه لا دور سياسياً لها مستقبلاً، مضيفاً "كما قلت سابقاً لن تكون هناك (حماس) بعد الآن، لن نعود إلى ذلك الوضع، انتهى الأمر، وسنقضي على (حماس) حتى جذورها".
وأضاف نتنياهو "الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته في القطاع، ولن ينفذ أي انسحاب قبل نزع حقيقي لسلاح (حماس)، وإسرائيل تشترط إتلاف كل الأسلحة وصولاً إلى بنادق الكلاشنيكوف وليس مجرد تسليمها أو تخزينها".
أما الوسطاء فيبذلون جهوداً معقدة ومستمرة لتقريب وجهات النظر والضغط على إسرائيل لمنع القضاء على المسار السياسي، إذ جاء في البيان المشترك الصادر عن الوسطاء "نشدد على ضرورة التزام إسرائيل بجميع التزاماتها بموجب القانون الدولي، والوفاء الكامل بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار، ونؤكد أن استمرار الانتهاكات يقوض الجهود المبذولة لتنفيذ المرحلة الثانية منه خاصة عقب إعلان حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية موافقتها على خريطة الطريق، لا سيما حصر السلاح".