Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الظلام يخيم على نواكشوط لأيام بعد حريق محطتي كهرباء

يعاني سكان العاصمة الموريتانية انقطاعات متكررة للتيار والرئيس يتدخل ويوجه بمعالجة تداعيات الأزمة

وجود مسارات بديلة وربط حلقي بين المغذيات تسمح باستعادة جزء كبير من تغذية التيار خلال ساعات (أ ف ب)

ملخص

لن ينسى سكان العاصمة الموريتانية بسهولة أزمة انقطاع الكهرباء التي ضربت مدينتهم وتسببت في خوضهم لتجربة مواجهة الظلام الدامس، في درجات حرارة مرتفعة.

لا تعرف أم المؤمنين محمد على وجه التحديد متى سيحالفها الحظ في الحصول على موعد حصة تصفية في قسم الكلى بالمستشفى الوطني بنواكشوط، الذي تتابع فيه جلسات معالجة منذ إصابتها بالفشل الكلوي قبل ثلاث سنوات، وتتفهم أم المؤمنين بمضاضة هذه الوضعية التي دخل فيها معها مئات المراجعين وغالب سكان نواكشوط حين تسبب حريقان شبا الجمعة والسبت الماضيين في محطتي تحويل الكهرباء بالعاصمة في انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي عن غالب سكان العاصمة ولا تزال الخدمة متوقفة.

ما الذي حدث؟

لم تكشف بيانات الشركة الموريتانية للكهرباء عن أسباب الحريقين اللذين اندلعا يومي الجمعة والسبت، ووصفته بأنه خارج عن إرادتها، وبحسب المهندس الميمون يسلم المتخصص في الهندسة الكهربائية فإن الانقطاعات الكهربائية التي شهدتها نواكشوط مست بصورة عميقة استقرار شبكة التوزيع الكهربائي في محاور مهمة من العاصمة.

ومن أجل محاولة فهم ما حدث، يقول يسلم إنه من المهم أولاً التفريق بين محطات التحويل الكبرى 15/33 kV ومحطات التحويل الصغرى المنتشرة داخل مدينة نواكشوط ومراكز الإنتاج المعروفة، ومحطة الإنتاج الرئيسة 180MW ومحطات إنتاج الطاقة النظيفة، فلكل منهم دور مختلف تماماً في منظومة توزيع الكهرباء.

وأضاف المتحدث قائلاً إن المحطة الكبرى التي احترقت تمثل نقطة رئيسة لتوزيع الطاقة على مغذيات عدة، بينما تقوم المحطات الصغرى بتحويل هذا الجهد إلى 400/230 V لتغذية الأحياء والمرافق والمستهلكين، أما محطات الإنتاج فهي المسؤولة عن إنتاج الطاقة الكهربائية من مصادر مختلفة سواء حرارية أم نظيفة، وفي حالة احتراق محول أو جزء رئيس من محطة تحويل 15/33 kV، فإن الخطر لا يقتصر على المحطة نفسها، بل يمتد إلى عدد كبير من المحطات الصغرى المرتبطة بها.

ويعدد المهندس الميمون أهم أسباب الحرائق التي قد تطاول محطات تحويل الكهرباء، إذ يرى أن الأعطال الداخلية للمحول وارتفاع الأحمال ودرجات الحرارة، إضافة إلى تدهور العزل وكذلك سوء التوصيلات وأعطال خلايا الجهد المتوسط، وارتفاعات الجهد كلها أسباب تؤدي إلى هذه الحوادث.

كما أشار المهندس إلى أنه من المرجح أن يكون ارتفاع الأحمال مع الحرارة الكبيرة هي أسباب هذه الحرائق التي لا تزال قيد التقويم، أما معالجة العطب فلا تعني بالضرورة انتظار إصلاح المحول لإعادة الكهرباء، ففي حال توفر بنية احتياطية للشبكة، يمكن عزل الجزء المتضرر، ثم تحويل تغذية المغذيات والمحطات الصغرى عبر خط أو مصدر بديل للطوارئ، بعد التأكد من قدرة الشبكة البديلة وسلامة الخطوط والحمايات.

وهنا تظهر أهمية وجود مسارات بديلة وربط حلقي بين المغذيات، فهي تسمح باستعادة جزء كبير من التغذية خلال ساعات، بينما يستمر إصلاح أو استبدال المحول المحترق بصورة مستقلة، بحسب ما ذكر مهندس الكهرباء.

ويرى محمد علوش القلقمي الذي سبق له أن عمل في فرق الصيانة التي تعمل مع خبراء ألمان لصيانة محولات الجهد العالي في موريتانيا أن "انفجار محولات الجهد العالي بصورة متزامنة في المحطتين، وفي وقت يجري فيه تجريب خط كهرباء بين عاصمة محافظة تيرس الزمور بأقصى الشمال الموريتاني والعاصمة نواكشوط يضعنا أمام تناقض صارخ، مضيفاً "نحن نمتلك فائضاً في الإنتاج، غير أن الأزمة الحقيقية تكمن في البنية التحتية للتوزيع: خطوط التمديد، ونقاط التحويل، والمحولات داخل المحطات التي تتأرجح بين الرديئة والمتهالكة".

وأكد المدير العام للشركة الموريتانية للكهرباء اخرمبالي ولد لحبيب أن "الشبكة لم تكن مهيئة لاستيعاب الأزمة التي حصلت أخيراً بصورة مفاجئة نتيجة ترابطها الكبير الذي حد من إمكان محاصرة أماكن الخلل"، وأردف المدير في مقابلة مع الإذاعة الوطنية أن "الشركة أخذت زمام المبادرة عند اندلاع الأزمة من أجل تفادي تفاقمها".

ظلام دامس

لن ينسى سكان العاصمة الموريتانية بسهولة أزمة انقطاع الكهرباء التي ضربت مدينتهم، وتسببت في خوضهم لتجربة مواجهة الظلام الدامس، في درجات حرارة مرتفعة.

تقول خديجة محمد، وهي من سكان الحي الإداري بمقاطعة توجنين التي عانت انقطاع التيار الكهربائي منذ الجمعة "انقطاع التيار الكهربائي حول حياتنا إلى جحيم، فالحر الشديد وتلف تمويننا الشهري من اللحوم ودواء والدتنا الذي ينصح الطبيب بعدم مغادرته الثلاجة، لقد توقفت حياتنا كلياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعاشت تسع مقاطعات تتبع لثلاث محافظات تتشكل منها العاصمة نواكشوط في ظلام دامس منذ بداية الأزمة مع استثناءات بسيطة شملت وسط العاصمة وأجزاء من ضواحي المدينة التي يسكنها نحو مليون ونصف نسمة، كما أثرت الانقطاعات الكهربائية في خدمات الاتصالات والإنترنت، إذ اشتكى عدد كبير من المواطنين ضعف الشبكة وتذبذباً كبيراً في توفر خدمات الهاتف الجوال والنفاذ إلى الشبكة العنكبوتية.

وينحسر تقديم خدمة توفير الكهرباء في موريتانيا على مؤسسة عمومية واحدة، مما يجعل كل السكان مجبرين على الاعتماد الكلي عليها للحصول على التيار الكهربائي.

تداعيات الأزمة

تسبب انقطاع التيار الكهربائي في فتح نقاش عام في موريتانيا، إذ قال حزب "الصواب" المعارض إن ما سماه "مجزرة احتراق محطات الطاقة" كشف عن جانب من الأزمة البنيوية للحكومة، واتسعت بموجبه الفجوة بـ"سرعة صاروخية بين ثلة تعيش الترف، وفقراء الوطن المحرومين".

كما اعتبر النائب المعارض بيرام الداه اعبيدي أن هذه "ليست مجرد أعطال تقنية، ففي ذروة فترة الحر الشديد، تضرب هذه الانقطاعات المستشفيات واستمرارية العلاج، والصيدليات وحفظ الأدوية، والمتاجر والأسر وحفظ المواد الغذائية، إنها تشل الحياة اليومية لجزء كبير من العاصمة".

وأضاف بيرام وهو مرشح سابق للانتخابات الرئاسية في موريتانيا وحاصل على المرتبة الثانية في انتخابات يونيو (حزيران) 2024 أنه في "الوقت الذي تواجه فيه نواكشوط هذه الأزمة، تبدو الدولة غائبة، ففي خضم فترة عطل الحكومة والإدارة والمؤسسات العمومية، لا يمكن للسكان أن يشعروا بأنهم متروكون لمصيرهم، إذ إن أزمة بهذا الحجم تتطلب دولة حاضرة يقظة وقادرة على التدخل الفوري، لا بلداً يدار بمنطق العطلة".

لجنة تحقيق

عقد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أمس الثلاثاء، بالقصر الرئاسي في نواكشوط، اجتماعاً ضم وزيره الأول المختار اجاي، ووزير الطاقة والنفط محمد خالد، لمتابعة تداعيات الحرائق التي اندلعت في محطتي التحويل الشمالية والشرقية في نواكشوط.

وبحسب صفحة الرئاسة الموريتانية "اطلع رئيس الجمهورية على آخر تطورات الوضعية، والإجراءات المتخذة لإعادة التيار الكهربائي، والجهود المبذولة لمعالجة آثار الحادثتين وضمان استمرارية الخدمة"، وأمر الرئيس بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، تتولى تحديد أسباب هذه الحرائق، والوقوف على مختلف الظروف والملابسات المحيطة بها، وتحديد المسؤوليات المترتبة عليها، واستخلاص الدروس، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أو تقصيره.

ووجه الرئيس الموريتاني بتسريع وتيرة العمل لتحديث وتأمين شبكة توزيع الكهرباء والرفع من جاهزيتها، واتخاذ التدابير العاجلة الكفيلة بضمان استمرارية الخدمة والحد من أخطار تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

وأكد الرئيس أن عودة التيار الكهربائي لا تعني، بأية حال من الأحوال، طي صفحة هذه الحوادث، مشدداً على أن ضمان سلامة واستمرارية خدمة الكهرباء وحماية مصالح المواطنين يقتضي أعلى درجات اليقظة والصرامة في أداء المسؤوليات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير