ملخص
بين رفض نتنياهو المعلن لـ"خريطة الـ15 بنداً" والتزام جيشه بالانضباط الناري الميداني، تبرز استراتيجية "التنفيذ الصامت".
تُمنح القيادة العسكرية والميدانية ضوءاً أخضر خفياً لضبط قواعد الاشتباك وتسهيل المسارات التكتيكية لتفادي إغضاب واشنطن والوسطاء، مع الاحتفاظ بـ"فيتو" الرفض السياسي العلني لإرضاء الشارع الداخلي وكسب الوقت حتى موعد الانتخابات المقبلة.
بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرفض الرسمي لخريطة الطريق ذات البنود الـ15، يكون قد اتجه لمخاطبة قاعدته السياسية واليمينية لامتصاص الضغوط الداخلية وإدارة سباقه الانتخابي. لكن هذا الرفض الصريح يصطدم بواقع مغاير داخل قطاع غزة، ففي الكواليس تتعاطى تل أبيب مع موافقة حركة "حماس" على تسليم سلاحها تدرجاً كإنجاز عملي، مما دفع بحدوث توجيهات أمنية تنص على بدء التهدئة الميدانية لإتاحة الفرصة للوسطاء.
وفي هذا السياق، أبلغ مسؤولو "مجلس السلام" والوسطاء الحركة بأن العبرة بالأفعال الميدانية لا بالتصريحات السياسية، إذ تتجه إسرائيل لتنفيذ التزاماتها العملية من دون إعلان رسمي تجنباً لتفجير أزمة حكومية داخلية.
وفي الميدان، تكشف المعطيات عن سريان عملي لبنود التفاهمات، حيث حلت الأوامر المقيدة محل التصعيد المفتوح، وتراجعت حدة الخيارات الهجومية لمصلحة ضبط إيقاع الميدان. وأمام هذه المفارقة يبرز السؤال المحوري: "هل تخوض إسرائيل بالفعل مرحلة التنفيذ الصامت للتفاهمات، أم أن ما يجري مجرد إعادة تموضع مرحلية تحت وطأة الضغوط الدولية؟".
الخطاب المعلن مقابل الرسائل الخلفية
في العلن، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التمسك بسقف متصلب من الشروط لعرقلة أي استحقاق سياسي، إذ أكد أن "إسرائيل لن تتراجع عن أي موقع عسكري قبل التفكيك الكامل والمبرهن لبنية الفصائل وسلاحها".
وجدد نتنياهو موقفه بقوله "إسرائيل لا تقبل بوثيقة الـ15 بنداً، ولن يكون هناك أي انسحاب للجيش الإسرائيلي قبل نزع سلاح ’حماس‘ بالكامل، ونحن نتحدث هنا عن نزع سلاح حقيقي لا صوري... نعرف كيف نقف بصلابة حتى أمام أفضل أصدقائنا عند الضرورة".
لكن هذا العرض المتشدد، الموجه بالأساس للاستهلاك الداخلي ولإرضاء شركائه في الائتلاف اليميني قبيل الاستحقاقات الانتخابية، يناقضه تدفق مستمر للرسائل غير المباشرة عبر الوسطاء، إذ تحمل هذه المراسلات معلومات مغايرة كلياً لما يُطرح في الخطاب السياسي الموجه للجمهور الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، صرح القيادي في حركة "حماس" باسم نعيم بأن "الحركة لا تزال ملتزمة بخريطة الطريق المبرمة عبر الوسطاء وممثلي مجلس السلام، وتتوقع من الضامنين ممارسة ضغط حقيقي على تل أبيب للالتزام بما جرى التوافق عليه وتفادي تعطيله لدواعٍ انتخابية داخلية". وأشار نعيم إلى وجود حراك دولي يعمل على تحريك الميدان وتثبيت الاستحقاقات الإجرائية، بصرف النظر عن النبرة السياسية المتشنجة الصادرة عن رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
وبحسب المعطيات الميدانية المتوافرة، فإن الحركة حصلت على تأكيدات جازمة من ممثلي "مجلس السلام" تدور حول أن التعهدات الإجرائية الخاصة بالانسحاب المرحلي وتسهيل المهمات الإدارية "للجنة الوطنية لإدارة غزة" قائمة وتتجه نحو التنفيذ الإجرائي.
وتكشف هذه التطورات عن اعتماد تل أبيب استراتيجية "المسارين المتوازيين": مسار إعلامي متصلب يحمي التماسك الحكومي من الانهيار، ومسار أمني خفي يُذلل العقبات أمام تنفيذ بنود خريطة الطريق بعيداً من أضواء السجال السياسي.
وفي قراءة لهذه التوجه الإسرائيلي، يعقب أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشأن الإقليمي أيمن أبو سيدو قائلاً "إن الرفض العلني الصادر عن نتنياهو لوثيقة الـ15 بنداً ينطوي على مناورة سياسية مركبة لحماية استقراره الحكومي، إذ يعكس استجابة سريعة للضغوط الشديدة التي مارسها وزراء اليمين المتطرف، وعلى رأسهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لقطع الطريق أمام أي انسحاب مبكر للجيش".
ويوضح أبو سيدو أن نتنياهو يدرك تماماً قدرة إدارة الرئيس الأميركي و"مجلس السلام" على فرض مسار التفاوض، ولذلك يحاول عبر هذا التصعيد الإعلامي نقل الكرة إلى الملعب الأميركي واشتراط "التفكيك الكامل والسابق" لسلاح الفصائل كذريعة تعطيلية، بينما تشير تحركات الميدان والتفاهمات غير المعلنة مع الوسطاء إلى أن واشنطن تضغط لتمرير مبدأ التبادلية والتنفيذ المرحلي بعيداً من السجالات الانتخابية في تل أبيب.
ويرى أبو سيدو أن "هذا التناقض بين الخطاب السياسي لنتنياهو وسلوك الجيش الميداني يمثل نمطاً مجرباً من إدارة الأزمات بالازدواجية الإجرائية". ويخلص في تحليله للمشهد إلى أن إسرائيل تعتمد استراتيجية "التنفيذ الصامت" كمخرج استراتيجي، بحيث تُمنح القيادة العسكرية والميدانية ضوءاً أخضر خفياً لضبط قواعد الاشتباك وتسهيل المسارات التكتيكية لتفادي إغضاب واشنطن والوسطاء، مع الاحتفاظ بـ"فيتو" الرفض السياسي العلني لإرضاء الشارع الداخلي وكسب الوقت حتى موعد الانتخابات المقبلة.
انضباط ناري صارم
داخل قطاع غزة، شهدت البنية العملياتية للجيش الإسرائيلي تحولاً جوهرياً تمثل في إعادة هيكلة صلاحيات اتخاذ القرار العسكري.
وبحسب هيئة البث الإسرائيلية الرسمية "كان"، فإن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أصدر توجيهات مشددة تقضي بسحب صلاحيات إقرار عمليات الاستهداف المباشر والاغتيالات المركزة والضربات الجوية الجسيمة من أيدي قادة الفرق العسكرية وقيادة المنطقة الجنوبية، وحصرها بموافقته الشخصية والمباشرة بالتعاون مع قيادة هيئة الأركان.
ويعتقد مراقبون عسكريون أن هذا الإجراء يشكل كبحاً للحرية الميدانية التي تمتع بها قادة الميدان طوال الفترة الماضية، ويهدف إلى منع أي تصعيد غير محسوب قد يجهض التفاهمات الأمنية الخفية أو يقطع خطوط التواصل التي يديرها الوسطاء مع "مجلس السلام".
وقد انعكس هذا التحول عملياتياً في انخفاض ملحوظ لوتيرة الغارات الجوية وتراجع حدة الأحزمة النارية في مناطق التماس.
وتصل التوجيهات الجديدة إلى تقليص الغارات، إذ شهدت المحاور الميدانية تراجعاً حاداً في اعتماد سياسة "الأرض المحروقة"، فأوقفت القوات عمليات القصف المدفعي والتمهيد الجوي الشامل الذي كان يسبق تحرك الآليات والفرق المناورة.
كذلك أعيد تعريف مستويات الخطر وإلغاء العمل بـ"مناطق القتل المفتوحة" التي كانت تبيح استهداف أي حركة مجردة، واستُبدلت بشرط عملياتي صارم يفرض وجود "تهديد مباشر وشاخص" يستهدف حياة القوات بصورة وشيكة وصريحة قبل اتخاذ قرار فتح النار.
وتُشير هذه الأوامر الصارمة إلى دلالة عسكرية واضحة، إذ يرى الباحث العسكري طلال زيدية أن "ضبط إيقاع النيران وتجميع صلاحيات القرار في نقطة مركزية واحدة يتيحان للقيادة العسكرية التحكم الكامل في جدول التهدئة العملياتية، ويسهلان عملية إعادة التمركز التدرجي للفرق القتالية تمهيداً للانسحاب إلى الخطوط الخلفية فور صدور الأوامر السياسية، وتجنباً لأي احتكاك قد يُفشل انتشار قوة الاستقرار الدولية المرتقبة".
ويضيف زيدية "هذه ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي تهيئة ميدانية لوجيستية للانتقال إلى مراحل متقدمة من خريطة الطريق".
ويؤكد أن "الجيش الإسرائيلي يمارس حالياً ما يُعرف عسكرياً بالانضباط الناري الصارم، إذ تدرك القيادة العسكرية أن استمرار العمليات الهجومية يتناقض كلياً مع متطلبات خريطة الطريق ذات الـ15 بنداً".
حسابات الميدان تصطدم بـ"فيتو" اليمين
يكشف تكتيك "التنفيذ الصامت" عن اتساع الفجوة بين القيادة العسكرية وأقطاب المستوى السياسي في الحكومة الإسرائيلية. فبينما ترتب هيئة الأركان أولوياتها نحو إنهاء حالة الاستنزاف الميداني والحفاظ على كفاءة القوات والاستجابة لمتطلبات الضغوط الأميركية لتفادي العزلة الدولية، يصر الوزراء اليمينيون على مواصلة الحرب بلا حدود زمنية أو سقف سياسي.
فقد جدد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش هجومه الحاد على أي أفكار تتعلق بالتهدئة أو تقييد صلاحيات القوات، مؤكداً أن "أي تسويغ للانسحاب أو القبول بتشكيل أطر إدارية بديلة في غزة يُعد استسلاماً مجانياً، وأن الجيش يجب أن يستمر في ممارسة الضغط العسكري الشامل حتى إبادة بنية الفصائل بالكامل من دون النظر للضغوط الخارجية".
وفي الاتجاه ذاته، شدد وزير الأمن القومي إيمتار بن غفير على رفضه القاطع لتقييد قواعد الاشتباك أو التعاطي مع مبادرات "مجلس السلام"، متوعداً بأن "إسقاط الحكومة سيكون الخيار الفوري في حال تقديم أي تنازلات ميدانية أو الموافقة على خطط انسحاب مرحلي تجرد الجيش من حرية الحركة الميدانية".
تؤكد هذه التصريحات بوضوح أبعاد صراع الأولويات، فبينما تسعى هيئة الأركان إلى ضبط قواعد الاشتباك لخدمة الاستراتيجية الدولية وتجنب الاستنزاف، يضع وزراء اليمين "فيتو" سياسياً يهدد بتفكيك الائتلاف الحكومي في حال تحول "التنفيذ الصامت" إلى قرارات علنية.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي محمود مجادلة "ترى القيادة العسكرية أن إطالة أمد القتال من دون أفق استراتيجي تهدد بتفكيك الإنجازات التكتيكية وتعميق الأزمة مع واشنطن، مما دفع هيئة الأركان للتعاطي بمرونة عالية مع الترتيبات الإجرائية لخريطة الطريق، كون إنهاء القتال وفق ترتيبات أمنية مضبوطة يشكل مخرجاً عسكرياً متوازناً يلبي متطلبات الأمن القومي".
ويضيف مجادلة "الوسطاء يلعبون دوراً حاسماً في صياغة هندسة هذا المسار المعقد، إذ تدرك واشنطن صعوبة حصول نتنياهو على موافقة علنية من الكنيست أو الحكومة على بنود خريطة الـ15 بنداً. وبناءً على ذلك، عمل الوسطاء بالتنسيق مع مجلس السلام على إيجاد آليات تنفيذية مرنة تضمن الالتزام الميداني الفعلي بخفض التصعيد وسحب القوات تدرجاً من دون فرض استحقاقات سياسية علنية".
ويؤكد أن هذه الترتيبات تشكل شبكة أمان مزدوجة تحمي نتنياهو من غضب حلفائه اليمينيين عبر الرفض الكلامي المعلن، وتفي بالتزامات تل أبيب أمام الإدارة الأميركية عبر ضبط السلوك العسكري الميداني على الأرض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قنوات "التطمينات"
تعتمد آلية نقل الرسائل والتطمينات إلى قيادة حركة "حماس" على شبكة دبلوماسية يقودها مثلث الوساطة (الولايات المتحدة وقطر ومصر)، بالتنسيق مع مبعوث "مجلس السلام" الدولي.
وتتمثل الآلية في تحييد الرئاسة السياسية الإسرائيلية علناً، مقابل بناء قناة اتصال أمنية خلفية تربط المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية مباشرة بالوسطاء لنقل التفاصيل التكتيكية والتنفيذية لخريطة الطريق.
وتتولى الولايات المتحدة تقديم تعهدات صريحة للوسطاء بأن الجيش الإسرائيلي سيلتزم إجرائياً بجداول التهدئة وإعادة التمركز، في مقابل تقديم قطر ومصر ضمانات متقابلة تتعلق بالالتزام الميداني وتسهيل مهمات "اللجنة الوطنية لإدارة غزة".
ويرى الباحث والمتخصص في العلاقات الدولية أحمد الصفطازي أن "المقاطعة السياسية المعلنة من نتنياهو تُقابلها هندسة دبلوماسية خفية تعتمد على الدبلوماسية الإجرائية، حيث تُنقل الرسائل والالتزامات على أنها تفاهمات أمنية مع الأجهزة وليست اتفاقية سياسية مع الحكومة".
لكن حركة "حماس" تتعامل مع هذه الرسائل بقدر عالٍ من الحذر السياسي والمرونة التكتيكية في آنٍ واحد، فالقيادة تدرك أن التعاطي مع التفاهمات عبر الوسطاء هو المسار الوحيد لتفادي إغلاق نافذة الحل السياسي وتحريك الاستحقاقات الإنسانية والإدارية في قطاع غزة.
وفي هذا الصدد، يؤكد القيادي في حركة "حماس" باسم نعيم أن "الحركة لا تبني مواقفها على التصريحات السياسية للاستهلاك الداخلي في تل أبيب، بل على ما تتلقاه رسمياً عبر قنوات الوسطاء وما يترجم فعلياً في الميدان".
وأوضح نعيم أن "المقياس الحقيقي لصدقية أي تطمينات هو سلوك الجيش الإسرائيلي على الأرض ومدى التزام الوسطاء الدوليين بفرضه، وليس السجال الانتخابي الذي يخوضه نتنياهو".
ومع ذلك، تُبقي الحركة على اشتراطات صارمة تقضي بربط أي خطوة إجرائية قادمة (مثل نزع السلاح أو الانسحاب الكامل) بجدول زمني ملزم ومكفول برعاية دولية.
وحول طبيعة السند القانوني والإجرائي، تبدو التطمينات الموجهة لحركة "حماس" عبارة عن وعود شفهية ومذكرات تنفيذية غير موقعة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون الاستراتيجية سميح العجرمي "التطمينات المطروحة حالياً ليست مجرد وعود شفهية عابرة، بل هي بروتوكولات تنفيذية صامتة، وواشنطن والوسطاء لا يقدمان لـ’حماس‘ كلاماً إنشائياً، بل يضعان بين أيديها جداول زمانية ومكانية محددة ترسم ملامح الانسحاب المرحلي".
ويضيف العجرمي "إن خطورة هذه الوثائق الخلفية وأهميتها تكمن في أنها تُحمل الإدارة الأميركية والوسطاء مسؤولية استراتيجية مباشرة عن الضغط على الجيش الإسرائيلي للانضباط بها".
ضمانات شفهية
تضع "التطمينات الصامتة" قيادة حركة "حماس" أمام معضلة استراتيجية ومعقدة، إذ تجد الحركة نفسها محاصرة بين التعاطي مع تفاهمات وتعهدات غير موقعة رسمياً من الطرف الإسرائيلي والمغامرة بالاعتماد على التزامات الوسطاء، أو رفض هذه الرسائل والمخاطرة بإفشال المسار السياسي وتفويت فرصة لوقف الاستنزاف البشري والإنساني في قطاع غزة.
وحول التقييم العسكري لهذه المعضلة، يقول الباحث العسكري مؤمن عطاالله "الأجنحة العسكرية للفصائل تقرأ الأوامر الصادرة عن هيئة الأركان الإسرائيلية على أنها فرض للانضباط الناري لخدمة أهداف الاستقرار الإقليمي والأميركي، والميدان لدى ’حماس‘ يمارس استراتيجية المرونة اليقظة، حيث تُمنح الجهود الدبلوماسية واللجنة الوطنية لإدارة غزة فرصة التحرك والتأثير، مع الإبقاء على جاهزية الدفاع والإنذار المبكر".
ويضيف عطاالله "موافقة ’حماس‘ على التعاطي مع تعهدات يرفضها نتنياهو علناً لا تعود إلى السذاجة السياسية أو الثقة بوعود تل أبيب، بل إلى إدراك الحركة بأن الرفض العلني الصادر عن نتنياهو موجه بالأساس للجمهور الداخلي ولتكتل اليمين، بينما الالتزامات الإجرائية الصامتة هي المكفولة أميركياً ودولياً. إنه خيار المباشرة في حقل ألغام، تسعى فيه الحركة إلى انتزاع المكاسب الإدارية والإنسانية لغزة مع الاحتفاظ بحق التحلل من هذه التفاهمات فور حدوث أي نكوص إسرائيلي ميداني".