ملخص
يتمحور معرض "أصداء الوجود" حول شجرة الصنوبر كرمز مشترك متجذر بعمق في كل من إيطاليا ولبنان، ويجمع الفنانَين إنزو كوكي وجيلبير الحلبي الى جانب مجموعة من الفنانين اللبنانيين الحديثين والمعاصرين، وهو ثمرة تعاون بين السفارة الإيطالية وجناح نهاد السعيد في المتحف الوطني في بيروت، بدعم من وحدات "الكارابينييري" للغابات والبيئة والقطاع الزراعي- الغذائي (CUFAA) في إيطاليا.
يؤكد معرض "أصداء الوجود" قدرة الفن على بناء الجسور بين الثقافات، ويدعو إلى التأمل في مفاهيم الهوية والانتماء والبيئة وصون التراث الحيّ بما يتجاوز الأطر الوطنية الضيقة.
"أحياناً لا تولد المعارض من الأفكار وحدها، بل هي أيضاً وليدة المصادفات، حين تتحول لقاءات غير متوقعة الى ما هو أعمق وأوسع. هكذا وُلد معرض ’أصداء الوجود‘"، كتبت القيّمة الفنية موريال أسمر، ممهدة لقصة المعرض التي بدأت بإعجاب السكرتيرة الأولى في السفارة الإيطالية لدى لبنان فاليريا بيانكوني بلوحة للفنان جيلبير الحلبي، رأت صورتها خلال مزاد إلكتروني، تمثل بيتاً منفرداً معلقاً بين الشجن والنور، وقد لامست اللوحة أعماقها بصمتها الشعري وكثافة إحساسها العاطفي، فقررت اقتناءها.
وبعد أشهر زارت بيانكوني محترف الحلبي في روما في شارع مونسيراتو المعروف باستوديوهات الفنانين ورونقه التاريخي، وانبثقت من ذلك اللقاء فكرة معرض يجمع بين حلبي والفنان الإيطالي إنزو كوكي الذي تربطه به صداقة وطيدة، مبنية على تبادل فني عميق وتأملات مشتركة حول الفن والأسطورة والطبيعة المتوسطية.
ينسج المعرض (المستمر حتى الـ21 من أكتوبر- تشرين الأول المقبل) حواراً بين جيلبير الحلبي وإنزو كوكي، وهما من جيلين وثقافتين مختلفتين، غير أن اعمالهما تتجذر في مناظر البحر المتوسط وأساطيره. وفي قلب هذا الحوار تقف شجرة الصنوبر، رمز الصمود والاستمرارية والذاكرة الجماعية. ولأن الصنوبر دائم الخضرة، فارتبط منذ العهد الروماني بفكرة البقاء والخلود، واستُخدم في الحدائق والطرقات المؤدية إلى المدن والمعابد والمقابر. ويُعد الصنوبر المتوسطي من أكثر الأشجار ارتباطاً بالمشهد الإيطالي، ولا سيما بمدينة روما وحدائقها التاريخية، حتى غدا في المخيال الثقافي أحد علامات "المدينة الخالدة".
أما شجرة الصنوبر في لبنان، فعلى رغم أنها لا تمثل رمزه الخالد على غرار شجرة الأرز، فإنها ارتبطت بالذاكرة الشعبية من خلال حرش الصنوبر في بيروت واكتسبت دلالة ثقافية عميقة، كما اقترنت بالثروة الحرجية والهوية وخصائص الطبيعة اللبنانية التي تجلت على نحو نموذجي في أعمال جيل من الرسامين الانطباعيين. كأن هذا الصنوبر شاهد صامت على قرون من التاريخ، يؤدي دور البطل الرئيس في المعرض، ويعكس حضوره عبر المناظر الطبيعية والأجيال الفنية. ومع ذلك، تواجه هذه الشجرة الرمزية اليوم في لبنان تهديدات بيئية عدة أبرزها انتشار حشرة بذور الصنوبر التي تهددها بالتراجع، ولا سيما مع الانخفاض المتواصل في محصولها خلال الأعوام الأخيرة، مما يؤكد الحاجة الملحّة إلى الحفاظ على هذا التراث الطبيعي والإيكولوجي والثقافي.
الضوء واللون والذاكرة
لا يتعامل جيلبير الحلبي (من مواليد 1979- ضهور الشوير- قضاء المتن) مع شجرة الصنوبر بوصفها عنصراً من عناصر المشهد الطبيعي، أو موضوعاً للرسم، بل باعتبارها بنية للذاكرة الجماعية والبيئة المتوسطية وشاهداً على الزمن. فجذوعها الطويلة لا ترسم الغابة بقدر ما تشيّد إيقاعاً عمودياً يصل الأرض بالسماء، فيما تتفتت التضاريس إلى مساحات لونية حرّة، أقرب إلى خرائط وجدانية مرتبطة بنزهات الطفولة منها إلى مناظر مرئية. فالطبيعة هنا ليست سوى فضاء لوني حرّ يُعاد بناؤه من خلال الذاكرة واللون والإيقاع.
ظاهراً لا تبدو ثمة قواسم مشتركة بين رؤية جيلبير الحلبي لأشجار الصنوبر المتجذرة في جغرافيا لبنان وتقاسيم ألوان طبيعته الحارة، وبين رسوم إنزو كوكي (مواليد 1949) بمناخاتها الغرائبية ورموزها الباطنية المرتبطة بالخيال الشعري، فتبدو أقرب إلى تعاويذ سحرية. فهو يستلهم الأساطير والتقاليد الشعبية في منطقة ماركي مسقط رأسه (مقاطعة أنكونا) ويظل الشعر عنصراً أساساً في ممارسته الفنية، ويرافق غالباً أعماله التشكيلية.
ويعدّ كوكي أحد أكثر فناني جيله تأثيراً، وشخصية محورية في حركة "الترانسافانغارديا" أو "ما بعد الطليعية" التي رفضت النزعات المفاهيمية والتجريدية، وأعادت الاعتبار للتصوير التشخيصي والاستخدام الحر للفنون البصرية. ولئن أسهمت رشاقة التأليف العمودي في إبراز القامات السامقة لأشجار الصنوبر ضمن لوحات الحلبي التي تنغرز في أرض الطفولة بتربتها الحمراء، وتعلو لتلامس عنان السماء بأسلوب براق واستعراضي، فإن حضور الصنوبر في رسوم الفنان الإيطالي كوكي يبدو أكثر خفوتاً وعرضية، غير أن الشعر ينسج بخيوطه اللامرئية بين ذكريات الحلبي عن أشجار الصنوبر التي تعصف بها رياح الشتاء، وبين الرؤى الفلسفية العميقة التي تتجلى في قصائد كوكي بنفحاتها السوريالية الحديثة.
يتوزع المعرض على ثلاثة طوابق، ويبدأ في الطابق العلوي من الجناح بتركيب جداري لإنزو كوكي، أشبه بمخطوطة بصرية تتكوّن من رسومات أولية وشذرات من أعماله، تحيط به منحوتتان صغيرتان تختزلان عالمه الميتافيزيقي. وتقابل هذا التركيب الجداري لوحة "صنين" لجيلبير الحلبي، وهي لوحة واسعة وتأملية رُسمت في روما في قصر نارديني، تستعيد زرقة البحر واخضرار التلال وشواطئ الأرجوان، مستحضرة أصداء الأسطورة الفينيقية، فيما يحضر جبل "صنين" بثلوجه وقممه العالية المغطاة بأشجار الصنوبر التي تتوزع في مشهدية اللوحة بإيقاع هندسي عمودي، منبثق من الخيال الشعري ومن تجريد مدرسة نيويورك.
وعلى الأرض، قربها، تستقر لوحة دائرية (توندو) يبلغ قطرها ثلاثة أمتار، تستدعي على نحو غير مباشر فكرة الـ oculus في القباب الإيطالية، غير أن الفنان يقلب العلاقة التقليدية بين العمارة الدينية والسماء، فبدلاً من أن تفتح القبة عينها نحو العلو، تنسج أشجار الصنوبر نفسها هذه العين الدائرية، ليغدو الفراغ الأزرق في المركز فضاء للتأمل، وتتحول الغابة إلى عمارة روحية لا تشيّدها الحجارة، بل الضوء واللون والذاكرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما في الطابق السفلي من جناح نهاد السعيد للثقافة، فتنبسط غابة جيلبير الحلبي من أشجار الصنوبر عبر لوحات متفاوتة الأحجام، مصطفة جنباً إلى جنب على جدار واحد، في إيقاع بصري تتعاقب فيه الإيماءة والذاكرة. وتجد هذه اللغة الإيمائية صداها في رسومات إنزو كوكي، فتظهر أحياناً شجرة الصنوبر عبر خطوط سريعة كرمز أو علامة أولية تتماوج بسلاسة بين الرسم والتلوين. ويقول "إيماءات دقيقة، لأنها وحشية، مثل لاسكو، أو السراديب، أو مثل الأماكن التي يكون فيها المرء وحيداً في الظلام... واندفعت سيول من العلامات التي صارت طيوراً وأجراساً وبيوتاً وعيوناً وأشجاراً وأشياء من هذا العالم ومن عوالم لا يُدرى أيها... وكل تلك الظلال رقصت في الضوء المرتجف لشعلة".
حوار الأجيال
ويكشف المعرض عن الخلفية التاريخية لحضور شجرة الصنوبر في الفن اللبناني، من خلال مجموعة واسعة من اللوحات لفناني الانطباعية المعروفين من أمثال مصطفى فروخ وعمر الأنسي وقيصر الجميل وصليبا الدويهي ورشيد وهبي ووهيب بتديني وبيبي زغبي، فضلاً عن عدد من فناني الحداثة، وفي طليعتهم عارف الريس وعبدالحميد بعلبكي وفيرا يرميان وخليل زغيب، وصولاً الى تأملات بعض فناني المعاصرة من أمثال نبيل نحاس وسمير خداج وتغريد درغوث وسواهم. ويهدف هذا القسم الذي تولى تنسيقه صالح بركات إلى توسيع الحوار بين الأجيال، مسلطاً الضوء على كيفية استمرار شجرة الصنوبر بوصفها رمزاً وطنياً في الثقافة البصرية اللبنانية. وهكذا تغدو شجرة الصنوبر أكثر من عنصر زخرفي، لتتحول إلى خيط حيّ يربط الماضي بالحاضر والحداثة بالمعاصرة والذاكرة الفردية بالتاريخ الجماعي.
ويكمل المعرض مساره من خلال عرض قدمته قيادة وحدات "الكارابينييري" للغابات والبيئة والقطاع الزراعي والغذائي، فيضفي نفحة بيئية على المعرض، إذ تقف 10 منحوتات خشبية، نُحتت كل منها من نوع مختلف من الأشجار الموجودة في إيطاليا، كحراس على تراث حي. وإلى جانبها، تسلط ألواح تعريفية الضوء على المهمة الحيوية التي تضطلع بها وحدات "الكارابينييري" في حفظ الغابات وحماية التنوع البيولوجي والنظم البيئية الطبيعية.
يتجاوز معرض "أصداء الوجود" حدود الحوار الفني بين لبنان وإيطاليا، ليغدو تأملاً في الذاكرة والطبيعة والهوية، وتذكيراً بأن الفن مثل أشجار الصنوبر يمد جذوره في الأرض، فيما تمتد أغصانه نحو أفق إنساني مشترك.