ملخص
في كتابه الصادر حديثاً بعنوان "ذاكرة النار: أطياف لؤي كيّالي" يستعيد الرسام والباحث السوري طلال معلا سيرة الفنان التشكيلي السوري الرائد لؤي كيالي، ومسيرته المهمة في حركة الفن التشكيلي العربي.
يُعدّ لؤي كيّالي (1934–1978) أحد الفنانين الأكثر تأثيراً في مشهد الفن العربي الحديث والمعاصر. وهو رائد من رواد الفن السوري، تنبع خصوصية تجربته الفنية من تداخلها الوثيق مع مأساته الشخصية، فجاءت أعماله انعكاساً لوجوده المفعم بالحزن والأسى. امتزج فنه بفكره ومجريات حياته التي غلبت عليها الكآبة، وانتهت باكراً بمأساة احتراقه. تلك المأساة يسردها الفنان والناقد التشكيلي طلال معلّا،.
ومن خلال المزاوجة بين الحقائق والتخييل، يسلط الكاتب الضوء على مناطق الظل التي شكلت خلفية حياته، والتي تقاطعت بين حلب ودمشق ومعلولا وبيروت وروما، بما حفلت به من إبداع ومرارة وخيبات، وصولاً إلى تلك العلاقة الخفيّة بين النور والنار.
رافق كيّالي التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع السوري والعربي إبان الوحدة بين سوريا ومصر. وكانت تجربته الفنية، على رغم قصرها الزمني، غنية ومتنوعة. فقد عالجت أعماله موضوعات ارتبطت بالحياة اليومية والبيئة الشعبية والناس البسطاء. ونفّذ كيّالي غالبية أعماله بالألوان الزيتية على الخشب المضغوط، فإعطى تلك الخامة ذات الملمس الخشن خصائص تعبيرية مميزة، إتّسمت بالتقشف فضلاً عن بساطة الألوان والأشكال.
غلب على أعماله الأسلوب الواقعي- التعبيري، وبرع في فن البورتريه والمناظر الطبيعية والطبيعة الصامتة، لكنه عُرِفَ بتصويره أبناء الطبقة الفقيرة في المجتمع السوري، مثل: ماسحي الأحذية، وصيادي السمك والأطفال من بائعي الصحف واليانصيب والباعة المتجوّلين. كما عُرف بدفاعه عن القضية الفلسطينية التي كرّس لها جزءاً من أعماله. أُدخل عنوة إلى مستشفى للأمراض العقلية، وحاول الانتحار أكثر من مرة، إلى أن قضى إثر حريق شبّ في فراشه داخل محترفه. وقيل إنه انتحر وقيل إن الحريق اندلع بسبب ولاعة ولفافة تبغ بعد تناوله جرعة كبيرة من الأدوية المهدّئة.
غير أن موته بقي لغزاً جعل منه أسطورة فنية معاصرة. وذلك ما دعا إلى تشبيه حياة لؤي كيّالي بسيرة فنسنت فان غوخ، ليس بسبب الطابع الإنساني والتعبيري العميق في نظرتهما إلى العالم الذي يشكل قاسماً مشتركاً بينهما، بل لأن أوجه التشابه تتجاوز ذلك إلى ما يتصل بمرض الفصام، والعزلة، والألم النفسيّ، ولغز الرحيل المبكر.
أبواب الذاكرة
لأن حياة لؤي كيّالي القصيرة، وموته المأساويّ، والغموض الذي ظل يلف شخصيته الآسرة، تبدو أقرب إلى الرواية منها إلى الحقيقة، اختار الفنان والباحث طلال معلّا في كتابه "ذاكرة النار أطياف لؤي كيّالي"، الصادر عن دار رامينا (262 صفحة من القطع الصغير)، أن يبتعد عن أسلوبه المعتاد في مؤلفاته التي تتناول جماليات الحداثة والمعاصرة، ليحيك من سيرة لؤى كيّالي رواية تستدعي الأمكنة والأحداث ووجوه رفاقه والمدن التي أقام فيها.
وتبدأ فصولها من لحظة الاحتراق، التي تفتح أبواب الذاكرة على طفولته في حلب، إذ يقول: "كانت النار في أولها تلعق طرف البطانية، تتردد بين أن تصبح قضاءً كاملاً أم تبقى مجرد خطأ قابلاً للإصلاح، حين انفتح في رأس لؤي باب آخر للذاكرة. لم يعد يرى الغرفة، بل رأى نفسه طفلاً يسير في حارة ضيقة من حارات حلب، حارة تنحدر قليلاً ثم تصعد، مرصوفة بحجارة ناعمة صقلتها أقدام العابرين... وكانت السماء في الأعلى كخط أزرق ضيق محاصر بين الأسطح المتقابلة. تراه يحمل في يده دفتراً صغيراً وقلم رصاص، كلما مشى قليلاً توقف ليراقب وجهاً ما.
كان يشعر أن الوجوه ليست عابرة وأن الملامح ليست مجرد تفاصيل، إنما مفاتيح لأبواب لا يملكها أحد. لم يكن لؤي يعرف لماذا يشده مشهد الطفل الذي يبيع الجرائد وهو يقف في زاوية المقهى في ساحة سعد الله الجابري، لكنه كان يعرف أن في هذا الطفل سيعود إليه لاحقاً في لوحات كثيرة". ذلك بعض ما جاء في سرد معلّا وهو يعيد تشييد سيرة كيّالي بلغة شعريّة يختلط فيها التأمل بالتداعي، في محاولة لإحياء ما لا يمكن أن يوصف إلا أنه وقائع مفقودة.
كان انتماء لؤي كيّالي إلى عائلة صوفية معروفة بانتسابها إلى الزاوية الكيّالية في حلب يعني أنه مطالب بالسكينة والتسليم، فيما كانت روحه تميل إلى التساؤل والتمرد الصامت والتحديق في ما لا يُرى. ثم ينعطف به الزمن إلى روما، عاصمة الفن، حيث درس في أكاديمية الفنون الجميلة، وتعلّم مبادئ الرسم الكلاسيكي القائم على المنظور ونِسب الجسد الإنساني. وهناك أدرك أن الجسد ليس عيباً ولا موضوعاً فضائحياً، بل حقلاً للبحث عن الحقيقة. وفي روما جمعه القدر بكل من فاتح المدرّس وسامي برهان، وكان برهان ينظر إلى لؤي وفاتح كما لو أنهما يحرقان الهواء: "كانا يختلفان كما تختلف النار والماء، لكنهما يشتعلان بالسبب نفسه".
ويبرز في رواية معلّا التباين الحاد بين رؤيتي فاتح المدرّس ولؤي كيّالي، إلى الحداثة الفنية، في سجالٍ يستدعي إلى الذهن الجدل الدائر بين غوغان وفان غوخ حول وظيفة الفن وعلاقته بالواقع. ويتجلى ذلك في أكثر من موضع، ولا سيما خلال إقامتهما في إيطاليا، حيث شاركا معاً في بينالي البندقية عام 1960.
ويورد معلّا جانباً من هذا السجال الفكري، إذ كان المدرّس ينتقد واقعية كيّالي قائلاً: "لا يكفي أن نرسم الفقير، بل يجب أن نرسم الفقر بوصفه حالة ورمزاً وبنية. إن لم نرتفع عن المباشر سنُدفن في الواقع". فيردّ لؤي: "الرمز جميل لكني لا أستطيع أن أصافحه في الشارع، ولا أن أراه يبكي عند باب مخبز. أنا أرى الإنسان لحماً وجلداً وجسداً يحمل همّه على كتفيه". وفي إيطاليا حقق كيّالي نجاحاً لافتاً، فنال عام 1958 الجائزة الأولى في مسابقة صقلية التي نظمها مركز العلاقات الإيطالية- العربية، ثم فاز عام 1959 بالميدالية الذهبية للأجانب في مسابقة مدينة راڤينا الإيطالية.
كانت دمشق، في مطلع الستينيات، تتغيّر، تستيقظ على الانقلابات العسكرية والأخبار المتسارعة، وتنام على قلق سياسيّ متصاعد، فيما كان الفن يتسلّل، كزائر غير مدعو، إلى وعي الناس. وكان لؤي في قلب هذه المرحلة، يقف بين طرفين: طرف يدعوه إلى أن يكون "ملتزماً" بالمعنى الشعاري، وآخر يدعوه إلى أن يكون "حراً" بالمعنى الفردي. لكنه، في أعماقه، لم يكن قادراً إلا على أن يكون صادقاً. والصادق، في أغلب الأحيان، يبدو في أعين الناس مخطئاً.
هل كانت تلك حقاً معضلة كيّالي التي لازمته طوال حياته؟
بعد عودته من إيطاليا إلى سوريا عام 1961، عمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، قبل أن يُقال عام 1972 إثر تدهور حالته النفسية، التي أُدخل على أثرها إلى مستشفى للأمراض العقلية. ومنذ ذلك الحين، عانى نوبات اكتئاب حادة انعكست على فنه، وتجسدت في أعمال قاتمة أنجزها بأقلام الفحم. ولم يفارقه الاكتئاب، بل ظل يلازمه على فترات متقطعة حتى نهاية حياته. وفي عام 1977 سافر إلى روما أملاً في استعادة شغفه بالرسم والتغلب على اكتئابه، لكنه عاد بعد أشهر مثقلاً بخيبته، وقد ازداد اعتماده على المهدئات.
وعلى رغم معاناته النفسية، واصل كيّالي حضوره الفني، فأقام عدة معارض شخصية في دمشق وحلب وبيروت، إلى جانب معرضين في ميلانو وروما بين عامي 1964 و1965، حيث لقيت أعماله اهتماماً من النقاد الإيطاليين. وتوالت معارضه بعد ذلك حتى عام 1977، حين أقام آخر معرض له في صالة المتحف الوطني بحلب، قبيل رحيله.
بين الحنين والاغتراب
تجلّت براعة كيّالي في فن البورتريه منذ مرحلة مبكرة من إنتاجه، بأسلوبه الفريد الذي اعتمد على الخط اللين المتحرك، والقادر على الاختزال التصويري للأشكال الواقعية، على خلفية خشنة متموّجة تذكر بالجداريات القديمة. رسم الناس في الشارع، وجسّد معاناتهم عبر الوجوه التي تنقل عوالمهم الداخلية، ولغة العيون التي أصبحت وسيلته إلى سبر الأعماق، فضلاً عن حركات الأيدي المعبّرة. وفي لوحة "ماريا" (1961)، بلغ مستوى رفيعاً من الشاعرية والتعبير الذاتي، لتشكّل بداية أسلوبه الخاص، الذي أنجز من خلاله بعضاً من أعمق تجاربه الفنية. كذلك تعدّ لوحة "السيدة الغريبة أرليت أنوري" (1961) من بين أجمل ما تركه في فن البورتريه وهي صورة كاملة لسيدة ارستقراطية بقبعتها ولباسها العصريّ، إلى جانب لوحة "المرأة القارئة" بخطوطها الدائرية ومعالمها المتقشفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عُرف كيّالي بتوظيفه البارع للّون الأصفر الذهبي بوصفه قيمة أيقونية تعبّر عن قدسية الوجع الإنساني. ومنحه هذا اللون خصوصية في المعالجة الشكلية، مضيفاً إلى تجربته مضامين جديدة تعكس واقعاً متحوّلاً، يتداخل فيه شعوره الحزين بالوحدة والاغتراب مع حنينه إلى الذكريات الجميلة. كذلك تفردت لوحاته برسم شخصيات من قاع الحياة البائسة، من أرصفة المدن والمقاهي والشواطئ المنسية.
أما النقلة النوعية في أسلوبه التعبيري فجاءت عام 1965، وتمثّلت في لوحة بعنوان: "ثمّ ماذا" التي كانت بمنزلة صرخة سياسية: "حيث تجمعت وجوه اللاجئين والجائعين ووجوه الخائفين من الغد، وجوه الذين لا وطن لهم، وجوه فلسطين في ملامح السوريين، وجوه البشر الذين يقفون على حافة الوجود" على حد تعبير معلا. وأتبعها كيّالي بمجموعة من الأعمال شكلت نواة معرضه الذي أقيم في صالة المركز الثقافي العربي بدمشق (1967)، تحت عنوان "في سبيل القضية"، وضمّ ثلاثين رسماً فحميّاً، صوّر فيها مأساة الشعب الفلسطيني في حالة مواجهة وثورة ضد العدو. وقد قوبل المعرض بحملة نقدية شرسة أتهمته بتشويه صورة الإنسان العربي، وبالمزايدة السياسية، من دون الالتفات إلى جوهره التشكيلي.
أُصيب كيّالي بصدمة نفسية عميقة، أقدم بعدها على حرق جميع لوحات المعرض، ولم ينج منها سوى عمل واحد. وتزامنت تلك الانتقادات السلبية مع وفاة والده، وشيوع أخبار نكسة يونيو (حزيران) 1967، فكانت من الأسباب الرئيسة التي عمّقت أزمته النفسية التي لم يشفَ منها حتى فارق الحياة.
يقول معلّا: "حين مات لم يمت فجأة بل مات تدريجياً كما يُطفأ قنديل قديم لتخفت النار رويداً رويداً ثم تتوقف. النار لم تضف ألماً جديداً، كانت مجرد شكل ماديّ لما عاشه طويلاً في الداخل. مات محترقاً لأنه عاش مشتعلاً، مات صامتاً ووحيداً لأنه لم يجد يوماً مكاناً يناسب روحه الكثيفة... ومع مرور السنين، لم يخفت وهجه، بل صار نقطة تبدأ منها الحكايات ولا تنتهي".
يظل مسار لؤي كيّالي الفني تجربة استثنائية في تاريخ الفن السوري والعربي. لم تكن أعماله مجرد لوحات فنية، بل شظايا من روحه، واعترافات صامتة من عالمه الداخليّ. فكل لوحة أكانت رسماً لفلاح أو لبائع يانصيب أو لأمرأة ارستقراطية أو لطفل حزين، كانت تحكي جانباً من حكاية واحدة: حكاية فنان لم يستطع أن يخون نفسه. إنها تجربة تكشف العلاقة المعقدة بين العبقرية والألم وبين الحساسية المفرطة وثقل الوجود.