ملخص
أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكماً بالإعدام بحق رئيس النظام السابق بشار الأسد، لكن يتعذر تنفيذه حالياً كون المحكوم لاجئاً في روسيا، في حين يرى حقوقيون أن الحكم خطوة إيجابية في مسار العدالة الانتقالية.
في تاريخ سوريا الحديث، لم يكن الوصول إلى قصر الرئاسة ضمانة للخروج الآمن منه، فمنذ الاستقلال ارتبطت الحياة السياسية السورية بسلسلة طويلة من الانقلابات العسكرية والصراعات داخل المؤسسة العسكرية والحزب الواحد، حتى أصبح انتقال السلطة في مراحل عدة يتم عبر الاعتقال أو النفي أو المحاكمات أو الإعدامات.
وفي هذا السياق، يبدو الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات في دمشق، الثلاثاء الـ11 من أغسطس (آب) الجاري، بحق رئيس النظام السابق بشار الأسد بالإعدام غيابياً، وكأنه يعيد إلى الواجهة صفحة قديمة من تاريخ البلاد، لكن بصورة مختلفة، فالرؤساء السابقون كانت قضاياهم تتعلق بصراعات حول السلطة، إلا أن محاكمة الأسد جاءت بعد تاريخ دموي من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
بشار الأسد هو ثالث رئيس سوري تصدر بحقه عقوبة الإعدام، بعد أديب الشيشكلي الذي صدر بحقه حكم بالإعدام غيابياً عام 1957، وأمين الحافظ الذي صدر بحقه حكم مماثل عام 1971.
أما حسني الزعيم أول من وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في سوريا، فكانت نهايته أكثر دموية، إذ أُعدم مباشرة بعد الإطاحة به في أغسطس 1949، ولذلك لا تنطبق عليه صورة الرئيس الذي صدر بحقه حكم غيابي بالإعدام.
وللمفارقة فإن الحالات الثلاث التي ارتبطت بأحكام الإعدام لم تصل إلى نتيجة واحدة، فقد انتهى الشيشكلي إلى الموت اغتيالاً بعد أعوام من الحكم الغيابي، وعاش أمين الحافظ عقوداً في المنفى، بينما يعيش بشار الأسد اليوم لاجئاً في روسيا، وليس معروفاً ما إذا كانت موسكو ستسلمه لدمشق ليتم إعدامه.
حسني الزعيم... إعدام لحظة الانقلاب
لفهم خلفية أحكام الإعدام بحق رؤساء سوريا، لا بد من العودة إلى عام 1949، عندما كانت البلاد قد خرجت حديثاً من مرحلة الانتداب الفرنسي، ولم تكن مؤسساتها السياسية قد ترسخت بما يكفي لتحصين النظام الجمهوري من تدخل الجيش، وفي الـ30 من مارس (آذار) 1949، قاد رئيس أركان الجيش السوري آنذاك، حسني الزعيم، أول انقلاب عسكري في تاريخ سوريا المستقلة، وأطاح بالرئيس شكري القوتلي واعتقله، لكن لم يستمر حكم الزعيم طويلاً، فقد بقي في السلطة نحو 137 يوماً فقط، قبل أن ينقلب عليه العقيد سامي الحناوي، وبينما كان الانقلاب الجديد يهدف إلى إنهاء حكم الزعيم وإعادة البلاد إلى مسار سياسي مختلف، انتهت المسألة بإعدام الزعيم ورئيس حكومته محسن البرازي رمياً بالرصاص. وهنا تظهر مفارقة رمزية، حيث أن الرجل الذي فتح الباب أمام الانقلابات العسكرية في سوريا أصبح ضحية انقلاب آخر بعد أشهر قليلة فقط.
أديب الشيشكلي.. رئيس ولد من رحم الانقلابات
كان أديب الشيشكلي واحداً من أبرز الضباط الذين خرجوا من رحم الانقلابات السورية في أربعينيات القرن الـ20، حيث شارك في الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم عام 1949، ثم انضم إلى الضباط الذين أطاحوا بحسني الزعيم، وبعد ذلك أصبح أحد أبرز مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود انقلابه الخاص في ديسمبر (كانون الأول) 1949، ثم يعزز سلطته بانقلاب آخر عام 1951. وفي يوليو (تموز) 1953 تولى رئاسة الجمهورية رسمياً، بعد ترتيبات دستورية وانتخابية مهدت لتثبيت حكمه الذي لن يستمر طويلاً، ففي فبراير (شباط) 1954، تصاعدت المعارضة السياسية والعسكرية ضده، وانتهى الأمر بخروجه من سوريا، غير أن خروجه لم ينه الصراع، فاتُهم بالتخطيط لمحاولات انقلابية بهدف العودة إلى السلطة، وفي عام 1957 صدر بحقه حكم بالإعدام غيابياً، لكن الحكم لم يُنفَذ لعدم وجوده في سوريا. وفي الـ27 من سبتمبر (أيلول) 1964 اغتيل في البرازيل حيث كان يعيش في المنفى.
أمين الحافظ.. بداية العهد الدموي للبعث
أمين الحافظ كان أحد أبرز العسكريين في مرحلة الانقلابات البعثية التي بدأت في الستينيات، حيث أصبح رئيساً للجمهورية بعد سلسلة من التطورات والانقلابات داخل حزب البعث والمؤسسة العسكرية، وظل في السلطة حتى انقلاب فبراير (شباط) 1966 الذي أطاح به وأودعه السجن.
في هذا الانقلاب أطاحت القيادة العسكرية بجناح القيادة القومية في حزب البعث، واعتقلت عدداً من أبرز الشخصيات، ومن بينها أمين الحافظ ومحمد عمران، بينما خرجت شخصيات أخرى إلى المنفى.
ولاحقاً خرج الحافظ من سوريا واستقر في العراق، وهناك دخل اسمه مرة أخرى في صراع البعث السوري والعراقي، وفي الثالث من أغسطس (آب) 1971، صدرت أحكام بالإعدام غيابياً بحق عدد من قادة القيادة القومية البعثية، وكان من بينهم أمين الحافظ وميشال عفلق، بتهم مرتبطة بالتآمر على النظام السوري. وبذلك أصبح أمين الحافظ، ثاني رئيس سوري سابق تصدر بحقه عقوبة الإعدام غيابياً بعد أديب الشيشكلي، لكن الحكم لم يُنفذ، حيث عاش الحافظ في العراق أعواماً طويلة، وبقي خارج متناول القضاء السوري، حتى توفي في حلب عام 2009 بعد عودته إلى سوريا في أعوامه الأخيرة.
بشار الأسد... إعدام البعث
في الـ11 من أغسطس الجاري، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكماً غيابياً بالإعدام بحق بشار الأسد، بعد إدانته بجنايات تتعلق بالقتل العمد والقصد لأكثر من شخص ولأطفال، والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، وفق ما أعلنته المحكمة. ووصف القاضي إسهام بشار الأسد بأنه كان "إسهام صاحب القرار الأعلى"، مشيراً إلى تسخير أجهزة الدولة لتنفيذ الجرائم، لكن يتعذر تنفيذ الحكم حالياً لأن الأسد لاجئ في روسيا، لذا ما القيمة القانونية أو الرمزية التي يحملها الحكم؟
من الناحية العملية، لا تستطيع دمشق تنفيذ حكم الإعدام بحق شخص موجود تحت حماية دولة أخرى من دون أن تتمكن أولاً من الوصول إليه، لكن من الناحية القانونية والسياسية، الحكم له آثار تتجاوز التنفيذ. أول هذه الآثار هي أن الدولة السورية الجديدة انتقلت من مرحلة الاتهام السياسي إلى مرحلة الإدانة القضائية. ويضع الحكم المسؤولية في إطار قضائي، ويمنح الدولة السورية وثيقة رسمية يمكن الاستناد إليها في ملاحقات لاحقة داخل البلاد وخارجها. ووجود حكم بالإعدام لا يجبر روسيا تلقائياً على تسليم المتهم، لكن دمشق تستطيع، من حيث المبدأ، أن تستخدمه لطلب تسليمه رسمياً.
لماذا أصدرت دمشق حكماً بالإعدام وهي تعرف أن الأسد في موسكو؟
يقول المحامي السوري، أكرم علي الحسين، إن "الحكم وإن تعذر تنفيذه حالياً، إلا أنه يثبت مسؤولية الدولة الجديدة عن محاسبة رأس النظام السابق، لذا فإن محاكمته غيابياً وإدانته ترسلان رسالة بأن العدالة الانتقالية لا تتوقف عند صغار المسؤولين أو المنفذين الميدانيين. وأيضاً للحكم قيمة سياسية داخل سوريا، فبعد سقوط نظام الأسد، أصبح ملف العدالة أحد أكثر الملفات حساسية، إذ إن عائلات الضحايا والمعتقلين والمفقودين تريد معرفة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم ومحاسبتهم، لذا فإن الحكم يمكن أن يُقرأ أيضاً باعتباره رسالة إلى الداخل مفادها أن الدولة الجديدة لا تنوي إغلاق ملف الجرائم من دون محاسبة رأس النظام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف الحسين، أن "الحكم يهدف أيضاً لمنع تحول المنفى إلى حصانة دائمة، فمن أخطر ما كان يمكن أن يحدث بالنسبة إلى ملف العدالة هو أن يصبح خروج الأسد من سوريا إلى روسيا بمثابة نهاية للقضية، الحكم يفعل العكس، فهو يقول إن مغادرة البلاد لا تعني إسقاط المسؤولية الجنائية، وهذا ما يجعل الحكم مهماً حتى لو بقي الأسد في موسكو أعواماً طويلة. قد لا يستطيع القضاء السوري تنفيذ الحكم اليوم، لكنه يستطيع الاحتفاظ بالحكم باعتباره أساساً لمطالبات لاحقة. ومن جانب آخر فإن الحكم يمنح دمشق أداة إضافية للتحرك أمام الدول التي يمكن أن يصل إليها الأسد في المستقبل، فإذا غادر روسيا إلى دولة أخرى، يصبح وجود حكم قضائي موثق بحقه عاملاً يمكن أن يدخل في أي طلب توقيف أو تسليم، بحسب قوانين الدولة المعنية والاتفاقات التي تربطها بسوريا، وهنا يظهر أحد الفوارق بين الحكم وتنفيذ الحكم".
ويوضح المحامي السوري أنه "إذا بقي الأسد في روسيا طوال حياته ولم توافق موسكو على تسليمه، فقد لا يرى السوريون تنفيذ العقوبة بأعينهم، لكن ذلك لا يعني أن الحكم يصبح بلا أثر، بل سيبقى جزءاً من السجل القضائي للدولة السورية الجديدة، ويمكن أن يصبح إحدى الوثائق الأساسية في كتابة تاريخ مرحلة حكم الأسد، وفي تحديد المسؤوليات الجنائية والسياسية عنها، وهذا ما حدث بصورة مختلفة مع أمين الحافظ، حيث صدر بحقه حكم بالإعدام، لكنه عاش في الخارج لعقود ولم ينفَذ الحكم، طبعاً مع فارق التشبيه بين الشخصيتين والتهم الموجهة لكل منهما".