Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سكة حديد مصر... 175 عاما من الحكايات فوق القضبان

تعد الثانية على مستوى العالم بعد بريطانيا وأحدثت نقلة كبيرة داخل الشرق الأوسط وكان لها أثر كبير في جوانب الحياة كافة

كانت محطة القطارات بالإسكندرية هي المحطة الأولي في مصر (المتحف القوي للسكة الحديد)

ملخص

كان للقطارات دور كبير في الأحداث السياسية المتلاحقة والحروب عبر التاريخ، فوجود شبكة سكة حديد قوية ومتشعبة في دولة من الدول يمثل نقطة من نقاط القوة، حتى إن بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى قامت بإنشاء خط سكة حديد، يربط بين مصر وفلسطين، حيث قام بربط الضفة الشرقية لقناة السويس بغزة، واستخدم لنقل العتاد والأسلحة والجنود بين الدولتين.

على مدى 175 عاماً، هي عمر شبكة سكة الحديد المصرية، شهدت محطات القطارات في مصر كثيراً من الأحداث والحكايات، ولحظات من الفرح والحزن، ما بين وداع ولقاء لأحبة مسافرين، وسطوع وأفول لعصور وشخصيات، أثرت في التاريخ المصري الحديث، إذ تعتبر شبكة سكة الحديد في أية دولة واحدة، من أهم مظاهر التحضر والنهضة، وعاملاً من العوامل التي تنعكس على جميع أوجه الحياة في المجتمع الذي توجد فيه.

وبينما تعد شبكة سكة الحديد المصرية واحدة من أقدم خطوط القطارات عالمياً، فهي الأولى على مستوى الشرق الأوسط والثانية على مستوى العالم بعد بريطانيا، فعلى مدى التاريخ المصري الحديث، أدت دورها كوسيلة مواصلات رئيسة تنقل الناس والبضائع، فضلاً عن نقل الثقافة والتراث والعادات، بتسهيل انتقال الناس من مكان لآخر.

وبحسب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، أحمد غباشي، فقد وقّع الخديوي عباس الأول عام 1851 عقد مع شركة "روبرت ستيفنسن" لإنشاء خط سكة الحديد في مصر، يربط بين القاهرة والإسكندرية، وقد كان هذا حدثاً مهماً، لأنه حتى الإمبراطورية العثمانية لم يكن بها خط للسكك الحديد في ذلك الوقت، وقد دعمت بريطانيا هذا الأمر لأنه كان ضمن حلقة من حلقات الصراع والنفوذ الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا التي كانت تعارض هذا الأمر، لرغبتها في ذلك الوقت في العمل على مشروع قناة السويس الذي جرى تنفيذه لاحقاً.

ويوضح غباشي أنه "على رغم توقيع اتفاق إنشاء أول خط سكة حديد في عهد عباس الأول، لكن جرى افتتاحه في عهد سعيد باشا الذي أضاف خطاً آخر من القاهرة للسويس"، مستكملاً "كان هناك تحد هندسي عند مدّ خط سكة حديد من الإسكندرية للقاهرة، يتمثل في كيفية عبور النيل في فرع رشيد، وقد أوجد لها 'ستيفنسون' حلاً بعمل ما يشبه العبّارة، يمر من فوقها القطار في النيل، ثم يستكمل مساره على سكة الحديد حتى القاهرة"، مضيفاً أنه "من المفارقات أن ولي العهد في عصر سعيد باشا كان أحمد باشا رفعت، أخو الخديوي إسماعيل، وأثناء عودته بالقطار من الإسكندرية للقاهرة غرق هذا القطار في النيل حينها في حادثة، لتنتقل ولاية العهد للخديوي إسماعيل الذي كانت له توجهات غربية واضحة، انعكست على البلاد في عهده، وبقي أثرها حتى الآن".

ويقول مؤرخون إن الخديوي إسماعيل كان يهدف إلى أن تكون القاهرة باريس الشرق، وقد مدّ 1100 ميل سكة حديد في مصر، وأضاف كثيراً من الخطوط لمناطق عدة، ففي هذا الزمن كانت القطارات تمثل شكلاً من أشكال التطور، ومع مرور الزمن توسعت شبكة السكة الحديد، وامتدت خطوطها وتحولت إلى هيئة، وجرى تأميمها وأصبحت تحت الإدارة المصرية بالكامل بعد قيام ثورة يوليو (تموز) 1952.

السكة الحديد والمجتمع

كان للقطارات دائماً دور كبير في الأحداث السياسية المتلاحقة والحروب عبر التاريخ، فوجود شبكة سكة حديد قوية ومتشعبة في دولة من الدول يمثل نقطة من نقاط القوة، حتى إن بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى قامت بإنشاء خط سكة حديد، يربط بين مصر وفلسطين، حيث قام بربط الضفة الشرقية لقناة السويس بغزة، واستخدم لنقل العتاد والأسلحة والجنود بين الدولتين، وبالأساس فإن خط سكة الحديد في مصر ساعد بريطانيا في حماية مصالحها ضمن مستعمراتها في الهند، لأن المسافرين بين أوروبا والهند كانوا يمرون بمصر من طريق السفن التي تصل إلى ميناء الإسكندرية، ومن بعدها يصلون إلى القاهرة، ومنها إلى ميناء قناة السويس للسفر من طريق البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، وقد سهلت القطارات هذه الرحلة، ولاحقاً اهتمت الأنظمة السياسية المتلاحقة التي مرت على مصر بتطوير السكة الحديد حتى يومنا هذا، مع امتدادها في أنحاء البلاد كافة.

 

ولا تقل أهمية الآثار الاجتماعية والثقافية لوجود السكة الحديد في أية دولة عن التأثيرات الاقتصادية والتجارية التي تحدثها، فالقطار وسيلة نقل جماعية رخيصة آمنة، تصلح لقطاعات المجتمع كافة، وتتفاوت فيها المستويات، فمن عربات الدرجة الثالثة التي تعج بالبسطاء والطلاب وذوي الدخل المحدود، إلى عربات الدرجة الأولى المميزة التي يفضلها ذوي الدخل المرتفع، لتوافر وسائل الراحة والرفاهية، يتنقل الجميع بين المدن المختلفة للعمل أو الدراسة، وربما للترفيه والذهاب في رحلة.

وللقطارات دور كبير في التثقيف ممثلاً في ما عرف قديماً بقطار الصحافة، إذ كان له دور كبير في وصول الصحيفة المطبوعة من القاهرة إلى المحافظات، وفي هذا الوقت كانت الصحيفة هي المصدر الوحيد للحصول على الخبر، إضافة إلى التثقيف المتمثل في مقالات وكتابات كبار الكتاب والأدباء التي كانت تحملها الصحف في هذا الوقت، وكذلك أحدثت ثورة في عالم البريد في ذلك الزمن، إذ أصبحت الرسائل تصل في وقت أقل بكثير مما اعتاده الناس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح غباشي أنه "كان لسكة الحديد دور فاعل في كثير من الأحداث السياسية الفارقة التي مرت على مصر، فأثناء 'الثورة العرابية' كانت القطارات تستخدم في نقل الامدادات والجنود من المحافظات إلى القاهرة، وإبان ثورة عام 1919 قطع الفلاحون في القرى خطوط السكة الحديد لشل حركة الإنجليز ومنعهم من التنقل بين المحافظات، فكانت هناك واحدة من وسائل المقاومة، ومع معاهدة عام 1936 التي جرى توقيعها مع الإنجليز، كانت مصر ملزمة بتقديم المساعدة لبريطانيا، ودعم المجهود الحربي البريطاني في الحرب العالمية الثانية، ومن بينها استخدام القطارات باعتبارها عنصراً رئيساً في التنقل، سواء للأفراد أو المعدات"، مستكملاً أنه "على المستوى الاجتماعي أسهمت في عمران كثير من المناطق، فإذا توافرت وسائل النقل اتجه الناس إلى أي مكان جديد، مثلما حدث على سبيل المثال مع إنشاء البارون إمبان لمنطقة مصر الجديدة، ومدّه لخط ترام يجذب الناس إليها، كان للقطارات أثر كبير في حركة الاقتصاد والتجارة، وأحدثت نهضة اقتصادية كبيرة في مجالات معينة، ومن بينها تجارة القطن الذي كان ينقل بالقطارات إلى الإسكندرية، ومن ثم يصدّر عبر الميناء إلى الخارج".

محطة مصر

بدأ إنشاء محطة مصر عام 1854 على طراز عربي إسلامي، وهي المحطة المركزية للقطارات وتقع في منطقة رمسيس بالقاهرة، وهذه المنطقة كانت تعرف قديماً بباب الحديد، وهي حتى يومنا هذا تضج بالمسافرين والمودعين والباعة، ولا يهدأ الصخب فيها على مدار الساعة، وقد جرى تطويرها وتوسيعها مرات عدة منذ إنشائها، لتواكب الزيادة في أعداد المسافرين والقطارات، وقد كانت محطة مصر ملهمة لكثير من الكتّاب والسينمائيين الذين استوحوا منها حكايات عدة تدور في إطارها، ويأتي أشهرها على الإطلاق رائعة المخرج المصري العالمي يوسف شاهين "باب الحديد"، التي دارت أحداثها داخل محطة مصر، إضافة إلى ارتباط كثير من الروايات والأفلام السينمائية بفكرة السفر والقطار، إذ ظهر في كثير من مشاهدها، وكان جزءاً من الأحداث مثل "إنت حبيبي" لشادية وفريد الأطرش، و"نهر الحب" لفاتن حمامة وعمر الشريف و"غرام في الكرنك" لفرقة رضا و"في محطة مصر" لمنة شلبي وكريم عبدالعزيز.

 

مشاهد فارقة

كانت القطارات في مصر حاضرة في كثير من الأحداث الفارقة، وفي أحايين أخرى وسيلة للتواصل بين الحاكم والشعب، فمع انتقال الملك فاروق من القاهرة إلى مقره الصيفي في الإسكندرية، كان يستقل القطار، وتخرج الجماهير في المحافظات المختلفة التي يمر بها لاستقباله، والوضع نفسه حدث لاحقاً مع تولي الرئيس عبدالناصر الحكم، فظهر ملوحاً للجماهير العريضة من شرفة القطار في أكثر من مشهد، وبعد "ثورة يوليو" 1952، ظهر ما أطلق عليه حينها قطار الرحمة الذي كان يستقله الفنانين والمشاهير للتوجه للمحافظات المختلفة، لجمع التبرعات لدعم الجيش المصري وغيرها من المواقف الفاصلة التي كانت القطارات جزءاً منها بشكل أو آخر.

متحف السكة الحديد

تضم مصر واحداً من أقدم المتاحف الخاصة بالسكك الحديد، والتي تضم نماذج للقطارات وتعكس تطورها، ومنها "متحف السكة الحديد" في القاهرة، ويقع داخل محطة مصر المحطة الرئيسة للقطارات في البلاد، ويحكي تاريخ وتطور السكة الحديد منذ بداياتها من خلال نماذج من عصور مختلفة، إضافة إلى مجموعات من الصور والوثائق النادرة، ويحوي نحو 700 قطعة يتعرّف من خلالها الجمهور على تاريخ النقل في مصر والسكة الحديد بخاصة، ويضم مكتبة تضم كتباً وأبحاثاً ودراسات تتعلق بهذا الشأن.

 

ويوضح الباحث في التراث الثقافي عضو المجلس الأعلى للثقافة، مصطفى كامل، أن "متحف السكة الحديد الأقدم من نوعه في الشرق الأوسط، وهو ثاني متحف للسكة الحديد في العالم بعد 'متحف يورك' في لندن، وقد جاءت فكرة إنشاء متحف للسكة الحديد في مصر، مع انعقاد مؤتمر دولي متعلق بالسكة الحديد في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1932، ليأمر الملك فؤاد بأن ينشأ هذا المتحف ليفتتح عام 1933 ويتكون من طابقين، يعرض من خلالهما تطور وسائل النقل في مصر مع نماذج لقطارات من عصور مختلفة".

ويتابع "في بداية المتحف نجد جراراً من أقدم جرارات القطارات التي صنعها 'ستيفنسون' بصناعتها مع بداية إنشاء السكة الحديد، ويضم المتحف القاطرة الخاصة بسعيد باشا، والتي صممت خصوصاً له، وكان يتنقل بها في الإسكندرية ما بين قصر رأس التين وقصر المنتزه، وهي نادرة جداً وتعود لبداية ظهور القطارات في مصر، أما الطابق الثاني فيضم نماذج لكل ما يتعلق بالقطارات، ومن بينها نموذج فريد لآلة طبع التذاكر تعود لعام 1890، ونموذج لقطار الخديوي إسماعيل المكون من ست عربات، مع نماذج لمحطات القطار في محافظات مختلفة، وصورة لعقد الاتفاق الذي جرى توقيعه بين 'ستيفنسون' والحكومة المصرية، مع نماذج لملابس الكمساري والتذاكر".

قيمة تاريخية

ربما أن كثيراً من الناس لا يعرفون عن هذا المتحف وقيمته وأهميته التاريخية، فهو يحتاج إلى أن يوضع في بؤرة الاهتمام بصورة أكبر، إذ يرصد جانباً مهماً من تاريخ وسائل النقل في مصر، بداية من عصر مصر القديمة، مروراً بوسائل النقل في النيل، حتى إنه يضم ملامح طريفة، مثل عرض رخصة لحمار، لأنه كان يعامل كوسيلة نقل في زمن بعيد داخل القاهرة، مروراً بالتطورات الحديثة، بدئاً من دخول السكة الحديد لمصر، ويوضح كامل أن "هذا المتحف يحتاج إلى التعريف به بصورة أكبر، فهو واحد من المتاحف القيّمة في القاهرة، ومن الممكن أن يصبح وجهة مثالية لرحلات المدارس، لأن الأطفال سيتفاعلون معه بصورة كبيرة، وجرى تطوير هذا المتحف وإعادة افتتاحه عام 2016، ولكنه يحتاج إلى بعض الجهود الدعائية بصورة أكبر، لتعرف عنه قطاعات أكبر من الناس، إذ يمثل جانباً من الجوانب المهمة في المجتمع المصري".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات