Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمال التوصيل في لبنان... جنود المنصات بلا درع اجتماعية

يعد العمل في هذا القطاع بمثابة "مصدر دخل إضافي" لشريحة كبيرة من اللبنانيين

ينتشر عمال التوصيل على الطرقات اللبنانية على مدار الساعة (اندبندنت عربية)

ملخص

تشهد سوق "التوصيل" ازدهاراً كبيراً في لبنان، حيث تلجأ شريحة كبيرة من المواطنين إلى المنصات الرقمية الوسيطة من أجل تأمين مشترياتها المختلفة. وتعتمد تلك المنصات على خدمات سائقي الدراجات، إذ ينتقلون من منطقة إلى أخرى من أجل تأمين الطلبات التي "يقتنصونها" عبر العروض المختلفة على المنصة. ويعاني هؤلاء "هشاشة وظيفية" إذ يحظون بوظائف هشة وموقتة، ولا يتمتعون بالحماية الاجتماعية.  

تحت أشعة شمس الصيف الحارقة يقضي سامر يومه مرغماً شأنه في ذلك شأن جميع عمال شركات التوصيل في لبنان، حيث يتنقل من منطقة إلى منطقة ومن حي إلى آخر من أجل توصيل الطلبات التي تصله عبر تطبيقات واسعة الانتشار.

يعمل هؤلاء في ظروف قاسية، إذ يضطرون إلى التحرك على الطرقات السريعة والمزدحمة بالسيارات والشاحنات. ويجد الشبان في تلك الوظيفة "فرصة موقتة" ومورد دخل إضافي، كما هي حال ماجد الطالب الجامعي، فيما يلجأ إليها بعضهم بوصفها "وظيفة ثانية" على غرار بعض موظفي القطاع العام، الذين تآكلت رواتبهم بصورة كبيرة بفعل انهيار العملة الوطنية والتضخم الكبير.

فيما تتصف تلك الوظائف بالـ"هشاشة" وعدم الاستقرار الوظيفي على رغم العائد المالي الجيد مقارنة بالوظائف المتاحة في لبنان، حيث لا يحظى هؤلاء بالحماية الاجتماعية الكافية، ولا يجري قيدهم بالضمان الاجتماعي، وهو ما يجعلهم عرضة لأعباء مالية إضافية في حال تعرضهم لحوادث عمل، فيما يعمل هؤلاء بأكثريتهم من خلال منصة وسيطة بين هؤلاء العمال وبين الزبون الذي يقوم بتنزيل التطبيق لطلب السلع المختلفة.

وظيفة هشة

لا تتوقف هشاشة عمال التوصيل عند مستويات انخفاض الأجر أو صعوبة ظروف العمل، وإنما في أن أخطار العمل تنقل بدرجة كبيرة من الجهة التي تستفيد من العمل إلى العامل نفسه، إذ لا تعترف غالبية المنصات أو الشركات المعنية بأي مسؤولية إدارية أو جسدية تجاه العمال الذين يعملون معها.

يرى الدكتور سعيد عيسى الباحث المتخصص في ملف العمل والعمال أن "عامل التوصيل قد يستخدم دراجته الخاصة، ويتحمل كلفة الوقود والصيانة وأخطار الحوادث، بينما يكون دخله مرتبطاً بعدد الطلبات وساعات العمل والطلب على الخدمة".

ويلفت إلى أن "هناك هشاشة مرتبطة أيضاً بطبيعة العمل نفسها، إذ إن العامل يعمل في الشارع، أي في بيئة لا يستطيع التحكم بها وتتمثل في حركة السير والطقس والحوادث وضغط الوقت، وضغط الوصول إلى الزبون في أقصر مدة ممكنة. بالتالي فإن جزءاً من الأخطار المهنية في هذا القطاع لا يظهر في الأجر، ولا يُحتسب ضمن كلفة العمل التي يتحملها العامل وحده"، مشدداً على أن "المشكلة الأهم من وجهة نظر الحماية الاجتماعية هي عدم استقرار العلاقة المهنية. فالعامل قد يكون مرتبطاً بمطعم أو شركة توصيل أو منصة رقمية، وقد يعمل في الوقت نفسه لأكثر من جهة، مما يجعل تحديد صاحب العمل والمسؤول عن الحقوق الاجتماعية أكثر تعقيداً".

لذلك، يعد عيسى أن "هشاشة عامل التوصيل تقوم على ثلاثة مستويات متداخلة، هي هشاشة الدخل وهشاشة علاقة العمل وهشاشة الحماية من أخطار العمل، والخطر الحقيقي أن تتحول المرونة التي يقدمها هذا النوع من العمل إلى تحميل العامل كل كلفها".

وليدة التقنية

أعادت التقنية الرقمية تشكيل بنية الاقتصاد التقليدي واحتلت المنصات قلب الاقتصاد الجديد، إذ يلفت المتخصص في القضايا التكنولوجية عامر الطبش إلى أن "الثورة الرقمية نقلت الاقتصاد من الاعتماد على الأصول المادية إلى اقتصاد قائم على البيانات والمنصات التي تقدم الخدمات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، بالتالي أصبحت عملية الإنتاج أسرع وأوسع نطاقاً وأكثر شمولية"، وقد تأثرت اليد العاملة بصورة مباشرة بتلك التغيُّرات، وأسهمت (الثورة) في خلق وظائف جديدة تتطلب خبرات عالية مقابل إلغاء بعض النظم التقليدية القائمة.

ويرى الطبش أن المنصات الوسيطة تربط بين الزبون طالب الخدمة ومقدمها بسرعة وكلفة أقل، وتتيح فرص عمل جديدة وموقتة ودخلاً إضافياً سعياً وراء الرزق لأي شخص سواء كان موظفاً أم لا، وقد برزت تلك الصيغة في أوروبا وتنتشر بسرعة كبيرة في لبنان بدءاً من حقبة الإقفال وجائحة كورونا وازدهار العمل من بعد والعمالة المرنة.

وقد استنسخت الشركات في الداخل نموذج شركات التوصيل والنقل العالمية التي تعتمد على العمل الحر والتعاقد الموقت، بالتالي لا يتمتع العامل باستقرار وظيفي أو حماية اجتماعية كافية. ومن هنا، يرى الطبش أن "شريحة كبيرة من المتعاقدين تعتمد على العمل في خدمة التوصيل كوظفية ثانية إلى جانب عملهم الأساس التقليدي والمستقر، وقد لجأ إليها عدد من أفراد المؤسسة العسكرية اللبنانية للعمل بدوام حُر بسبب انهيار قيمة أجورهم بنسبة 80 في المئة". ويعتقد أن "المشكلة لا تكمن في المنصة وإنما في الأطر القانونية التي تنظم وتحكم عمل المنصات التي يجب أن توائم بين تقديم الخدمة العالية والأرباح الممكنة وتمنح حقوقاً وحماية للعامل وتحديث القوانين لمواكبة التحول الرقمي".  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علاقة عمل مرنة

يشكل التعاقد عبر المنصات شكلاً جديداً داخل عالم الأطر التعاقدية المتعارف عليها تقليدياً، مما يجعل العمال وفق هذا الأسلوب مهددين على مستوى الحماية الاجتماعية، ويمكن أن يشجع العمالة غير النظامية. يؤكد سعيد عيسى أن "عدم وجود عقد عمل تقليدي لا يعني تلقائياً أن العامل خارج نطاق قانون العمل وغير خاضع لأحكامه. وهذه نقطة أصبحت أكثر وضوحاً بعد تعديل القانون عام 2025، والاعتراف بالعمالة المرنة، إذ لم يعد القانون اللبناني يحصر علاقة العمل بالعقد المكتوب أو بنمط العمل التقليدي، بل توسع تعريف الأجير ليشمل العامل الذي يؤدي عملاً بأجر، بصورة كاملة أو جزئية أو موسمية، حضورياً أو من بعد، وحتى إذا كان يستخدم معداته الخاصة".

يلفت عيسى إلى أن المشكلة ليست في غياب "الورقة" – المستند الخطي أو العقد بالمعنى الشكلي، وإنما في صعوبة تحديد العلاقة الاقتصادية الفعلية التي تقف وراء العمل، مشيراً إلى أنه "في حالة عامل التوصيل، قد يكون السؤال مثلاً مَن صاحب العمل؟ المطعم الذي يطلب الخدمة؟ شركة التوصيل؟ المنصة الرقمية التي تنظم الطلبات؟ أم الجهة التي تدير العامل وتحدد شروط أدائه؟ وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الاعتراف بالعامل قانونياً وبين وصوله فعلياً إلى الحماية الاجتماعية. فالحماية الاجتماعية تحتاج إلى جهة تصرح بالعامل، وتدفع الاشتراكات، وتتحمل المسؤولية عند وقوع إصابة أو مرض أو توقف عن العمل. فإذا بقيت العلاقة موزعة بين عدة أطراف، يصبح من السهل أن يستفيد الجميع من عمل العامل، من دون أن يتحمل أحدهم كامل المسؤولية الاجتماعية عنه".

أما في ما يتعلق بالتساؤل عن تشجيع ذلك للعمالة غير النظامية؟ يجيب عيسى بـ"نعم، إذا بقيت كلفة عدم التسجيل في الضمان الاجتماعي أقل من كلفة الالتزام، وهذه نقطة أساس في سوق العمل اللبناني. لكن لا ينبغي أن ننظر إلى العامل باعتباره مصدر العمالة غير النظامية، هو غالباً الطرف الأضعف الذي يدخل هذه العلاقة لأنه يحتاج إلى العمل". ويخلص عيسى إلى أن "العمالة غير النظامية ليست نتيجة غياب العقد فحسب، بل نتيجة غياب آلية تجعل الحماية الاجتماعية ملازمة للعمل نفسه، بصرف النظر عن الشكل الذي اتخذته علاقة العمل".

حركة اقتصادية ناشئة

تحظى خدمات التوصيل عبر المنصات الرقمية بحصة وازنة من سوق التوصيل في لبنان، وهو يتجه أكثر فأكثر إلى مرحلة "الخضوع" لإرادة الشركات.

يقلل الدكتور بلال علامة المتخصص الاقتصادي من قدرة تلك المنصات على خلق دورة اقتصادية مزدهرة، لأنها "لم ترقَ إلى مستوى اقتصاد المنصات، وما زالت ضمن نطاق الوسيلة والأداة لاختيار السلع المعروضة بسرعة أكبر". وينتقد علامة أن "توظيف العمال لدى تلك المنصات يكون بطريقة موقتة وليس بوظائف دائمة، لأنهم يقومون بشراء خدمات الموظف، والعمل وفق معادلة الطلبية ولوقت محدد. وتشترط بعض المنصات على العامل تقديم دراجته المرخصة وأوراقه القانونية، وهو ما يقلل عليهم الكلف، ناهيك بعدم وجود متوجبات للضمان الاجتماعي أو التعويضات، إضافة إلى توظيف أشخاص لبنانيين أو من جنسيات أخرى".

يشير علامة إلى انتشار تلك الخدمات في الدول التي تمتلك دورات اقتصادية متكاملة، وهي نشأت لتشجيع طلاب الجامعات والعمال الموقتين على تأمين دخول إضافية، ولكنها في لبنان تحولت إلى نموذج مُنتشر بسبب بحث موظفي القطاع العام وضحايا اضطراب الحركة الاقتصادية عن مورد داخل آخر، وهو "مؤشر غير صحي"، مؤكداً أن "على رغم تأمين تلك المنصات لفرص العمل الموقت وتوفر الوقت والجهد على الزبائن، فإنها لا ترقى إلى مستويات المساهمة في التعافي والدورة الاقتصادية، لأنها تقدم دعماً نقدياً ظرفياً، ولا تقدم أي تأمينات اجتماعية أو استشفائية ولا تقدم الاستقرار النفسي والاقتصادي".

إشكالية قانونية

شكل تعديل قانون العمل في عام 2025 اعترافاً للمرة الأولى بالعمالة المرنة والعمل من بعد في لبنان، حيث توسع القانون في تعريف عقد العمل ليشمل الدوام الجزئي والعقد الاستشاري وعن بعد والساعات المضغوطة والعمل الموسمي، وغيرها. ويرى الدكتور عيسى أن "التعديل مهم جداً، لأنه أزال جزءاً من المشكلة القانونية. ويمثل خطوة في الاتجاه الصحيح لأنه وسع مفهوم الأجير وصاحب العمل، ولم يعد ينظر إلى علاقة العمل من خلال النموذج التقليدي وحده. والأهم بالنسبة إلى عمال التوصيل أن استخدام العامل لمعداته الخاصة لم يعد بحد ذاته سبباً لإخراجه من نطاق الحماية"، مستدركاً أن "هذا التعديل لا ينشئ بمفرده نظام حماية اجتماعية خاصاً بالعمل عبر المنصات أو العمل المرن".

الحماية المؤجلة

يشخص عيسى حال عمال التوصيل ومدى حصولهم على الحماية الاجتماعية والظروف المحيطة بنظام الرعاية، قائلاً "إذا اعتبرنا عامل التوصيل أجيراً، تبقى أسئلة عملية كثيرة بلا جواب كافٍ، كيف نحدد أجره عندما يتقاضى بدلاً عن كل توصيلة؟ كيف تحتسب ساعات عمله؟ من يدفع اشتراكات الضمان إذا كان يعمل لحساب أكثر من جهة؟ من يتحمل إصابة العمل؟ من يتحمل كلفة الدراجة والصيانة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما توقف المنصة حساب العامل أو خفضت الطلبات التي تصل إليه؟".

ويرى أن "المشكلة ليست مشكلة قانون عمل فحسب، بل في الواقع مشكلة تتقاطع فيها تشريعات العمل مع الضمان الاجتماعي، والسلامة والصحة المهنية، والتأمين ضد إصابات العمل، وآليات التفتيش، وحتى تنظيم المنصات الرقمية"، مضيفاً "الخطوة الأساس التالية هي الانتقال من نموذج يقول: هل لدى العامل عقد تقليدي أم لا؟ إلى نموذج يسأل هل هناك علاقة عمل فعلية؟ ومن يتحمل المسؤولية الاجتماعية الناشئة عنها؟ وهذا هو جوهر القضية بالنسبة إلى عمال التوصيل".

 من هنا، يعتقد عيسى أن "التشريع الجديد أصبح أكثر قدرة على الاعتراف بهم كعمال، لكن الاعتراف القانوني وحده لا يكفي. المطلوب أن يتحول هذا الاعتراف إلى تسجيل فعلي واشتراكات فعلية، وتغطية فعلية لأخطار العمل، وآلية واضحة لمساءلة الجهة المستفيدة من عمل العامل. لذلك، فإن تعديل قانون العمل عام 2025 عالج مشكلة "من العامل؟"، لكنه لم يحسم بالكامل مشكلة "من يحمي العامل ومن يدفع ثمن حمايته؟"، وهذه المسألة المتصلة بالطابع الحمائي تجسد برأي سعيد عيسى الفجوة الأساس التي لا تزال قائمة في حال عمال التوصيل.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات