Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمال لبنان في عيدهم... توحدهم البطالة

قفز معدل العاطلين عن العمل من 29.6 في المئة عام 2022 إلى ما يتجاوز 45 في المئة في أبريل 2026

يجد العامل اللبناني نفسه عالقاً بين حرب لم تتوقف منذ ثلاث سنوات ووضع اقتصادي متدهور (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

عيد العمال في لبنان لا يشبه الأعياد بشيء، فالبلاد تعاني أوضاعاً اقتصادية شديدة السوء، وحرباً مدمرة بددت أحلام التعافي على ضفتي الأجراء وأصحاب العمل. فيما تتزايد الأصوات لتوسيع دائرة الحماية الاجتماعية، وإصلاح قانون العمل لمواكبة التطورات التقنية والتغييرات البنيوية التي طاولت سوق العمل.

يأتي عيد العمال على لبنان مثقلاً بالأوجاع، فقد أضافت الحرب الحالية التي اندلعت في الثاني من مارس (آذار) 2026 أعباء كبيرة على المجتمع، فيما طاولت خسائرها الاقتصادية الضخمة عدداً كبيراً من المؤسسات، إن في الجنوب أو العاصمة أو حتى البقاع شرقاً، التي أقفلت أبوابها مكرهة أو شارفت على الإقفال القسري وصرف عمالها مع تعويضات الحد الأدنى، ناهيك بالكلفة البشرية الكبرى للحرب، والدمار الهائل للبنى التحتية والأملاك العامة والخاصة.

تتعدد الروايات التي لا تبشر بالخير، فها هي الصبية هنا تقابل السؤال عن عيد العمال بالسخرية، وهي تشير "أصبحت اليوم متمسكة بوظيفتي السيئة وأجرها الزهيد، أي الحد الأدنى للأجور، 312 دولاراً أميركياً، لأنه لا يوجد بديل، وفي حال غادرت لن أجد فرصة أخرى، إذ نجد أن المؤسسات بين خيارين إما الإقفال أو تسريح العمال"، و"العمل هو الملجأ الأخير في رحلة مقاومة اليأس".

من جهته، يكشف رامي صاحب محل مأكولات سريعة في العاصمة بيروت، "نعيش في حالة سيئة، شارفنا على الإقفال مرات عدة خلال العام الحالي، وخلال الأسبوع الماضي استدعينا العمال وأبلغناهم صراحة أننا مضطرون إلى صرف بعضهم"، مضيفاً "بصراحة بدأت تؤرقنا المطالبات بتعويضات إضافية عن الصرف التعسفي في ظل وضع مالي سيئ".

ويأتي كلام رامي ليكشف عن لجوء عدد من أصحاب المؤسسات إلى ذريعة "الصرف الاقتصادي" المنصوص عليه في الفقرة "واو" من المادة 50 من قانون العمل اللبناني، التي تنص صراحة "يجوز لصاحب العمل إنهاء بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر أو التوقف نهائياً عن العمل".

من جهة أخرى، كانت الحرب شديدة الوطأة على بنات وأبناء الجنوب، ومدمرة لأحلامهم ومجهضة لمخططاتهم بعيدة الأجل.

خلال فترة قصيرة تحولت سارة من صاحبة محل لبيع مستحضرات التجميل والعطور الأجنبية إلى سيدة تفتش عن العمل، بعدما ألحق القصف على مدينة النبطية أضراراً كبيرة بالمؤسسات التجارية، حيث كان محلها، ودفعت العائلات من نزوح إلى نزوح.

تقول الشابة إنها ولسنوات طويلة كانت "معتادة على العمل وأجواء السوق والبيع والشراء، أما الآن فهي تعيش حالة من السكون الكئيب وما يتخلله من خوف على مستقبل وحياة عائلتها وأبنائها.

عمال بلا حماية

يفتقر عمال لبنان، ما قبل الحرب الحالية وخلالها، إلى الحماية الاجتماعية الشاملة، إذ لا تقتصر المشكلة على استبعاد شرائح واسعة من دائرة قانون العمل الصادر في عام 1946، كالعاملات المنزليات والعمال الزراعيين، وإنما تتجاوزها إلى وجود شريحة من العمال تعمل وفق عقود الاستشارة والاستكتاب أو وفق نظام القطعة أو بصورة موقتة وموسمية.

ويفتقر هؤلاء للاستقرار الوظيفي، كما أنهم لا يحظون بالضمانات القانونية والاجتماعية الكافية. وتشير الباحثة الحقوقية المختصة بقضايا العمال منار زعيتر إلى أن "لبنان يعاني مشكلة مركبة، فمن جهة يعود قانون العمل لعام 1946، وهو قانون متخلف وقديم للغاية ولا يواكب التطورات في سوق العمل، ولم تطرأ عليه إلا تعديلات بسيطة التي لا تؤمن الحماية للفئات الهشة، وتحديداً النساء والعمال الزراعيين والعاملات المنزليات". كما تسلط زعيتر الضوء على أهمية حماية عمال الدليفيري والمتعاقدين مع منصات رقمية وشركات معولمة، إذ ينتمي هؤلاء إلى فئة العمال غير النظامين، ويعملون من دون حماية اجتماعية.

وتنبه زعيتر إلى جملة أمور لا بد من التشدد بها، وضمنها ضرورة اعتبار قانون العمل بوصفه جزءاً من منظومة الحماية الاجتماعية في مواجهة الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي وتشديد ظروف "الصرف التعسفي" لتقييد عمليات الصرف التي تطاول مئات العمال، إضافة إلى لحظ "الطوارئ الاقتصادية"، وتنظيم العمل من بعد أي قطاع التعاقد عبر الإنترنت والمنتشر في أوساط الشبان والباحثين الاستشاريين، مطالبة بإقرار المراسيم التطبيقية لقانون العمل المرن في لبنان، وإعادة تفعيل عجلة قضاء العمل اللبناني المتمثل بمجالس العمل التحكيمية المنتشرة في المحافظات، وتضيف "من غير المقبول أن تستمر الدعوى لسنوات طويلة، لأن العدالة المتأخرة هي بمثالة اللاعدالة".

عيد بلا عمل أو عمال

"عيد بلا عمل أو عمال" بهذه العبارة يختصر الخبير الاقتصادي بلال علامة مشهد عيد العمال في الأول من مايو (أيار) 2026، الذي يأسف لوجود خلل كبير بين الأجور وطبيعة العمل، وانعدام التوازن بين الدخل والتكاليف، وبالتالي انعدام ما يمكن وصفه بـ"سوق العمل الحقيقي"، إذ "جاءت الحرب لتخرج ربع لبنان عن الخدمة الفعلية، وقضت على الصناعة الحرفية والزراعة والثروة الحيوانية، ودمرت عدداً من المؤسسات الرسمية والخاصة، ناهيك بأنها قضت على ما تبقى من قدرة شرائية للعامل، إذ ينطبق على هؤلاء توصيف البطالة المقنعة والحياة المزرية". ينبه علامة إلى تأثير ضعف الأجور والفجوة الكبيرة فيها على الاستهلاك والدورة الاقتصادية الطبيعية في البلاد، وهو ما سينعكس بصورة تلقائية على واردات الدولة الضريبية. من هنا، يعتقد أن "الأجور التي يتقاضاها العمال في لبنان ليست ذات فائدة، لأنها لا تنشط الاقتصاد"، لافتاً إلى ضرورة الانتباه أيضاً إلى تأثير واضح للقيود المفروضة من الخارج في التحويلات إلى لبنان، سواء جاءت من مصادر مشروعة من خلال إرسال المغتربين المال إلى أهاليهم في لبنان، أو حتى الأموال المتأتية من الاقتصاديات غير الشرعية سواء نجمت عن التهريب أو تجارات ممنوعة، التي كانت تمول جزءاً من النشاط الاقتصادي وفي دفع أجور بعض الجهات الحزبية.   

مشكلة متعددة الأبعاد

لا يمكن تشخيص وضع العمال في لبنان راهناً من خلال مؤشر اقتصادي واحد، بل يستلزم مقاربة متعددة الأبعاد تدمج الأرقام الكمية مع تحليل الظواهر النوعية، وتراعي الفئات الأكثر هشاشة، بحسب الدكتور سعيد عيسى الخبير في السياسات العامة، الذي يقدم تشخيصاً متعدد الأبعاد، إذ إن التشخيص الدقيق يقوم على محاور عدة أساسية، فعلى مستوى البعد الكمي، تكشف مؤشرات السوق عن أنه "على حافة الانهيار"، ويسجل لبنان بطالة تاريخية، إذ قفز المعدل من 29.6 في المئة عام 2022 إلى ما يتجاوز 45 في المئة في أبريل 2026، وتناهز البطالة في أوساط الشباب نسبة 48 في المئة، مما يعني خروج جيل كامل من سوق العمل.

كما يتطرق عيسى إلى مفهوم الاستخدام، التشغيل الناقص، لأن أكثر من نصف القوى العاملة،  50.1 في المئة تعاني استخداماً ناقصاً، أي أنها إما عاطلة عن العمل، أو تعمل لساعات قليلة، أو تتقاضى أجوراً لا تفي بالحد الأدنى للحياة، كما أن الاقتصاد مهدد بخسارة 250 ألف وظيفة إضافية، مع تسجيل خسائر بالدخل الشهري تقدر بملياري دولار، وهو ما يعمق الكارثة المعيشية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتوقف عما وصفه انتشار "الفقر متعدد الأبعاد" وتآكل القيمة الشرائية، معطوفة على تبخر المدخرات المصرفية للطبقة الوسطى وتحولها إلى "فقراء جدد"، فيما كشفت أحدث التقارير الصادرة عن وزارة الزراعة اللبنانية بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي عن أن 1.2 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، ويواجهون صعوبة في تأمين لقمة العيش، وتضخماً مدمراً.

ويشدد على "بعد انهيار ظروف العمل والضمان الاجتماعي"، إذ يشهد لبنان تفشي العمالة اللانظامية، كون 65 في المئة من القوى العاملة تعمل في الاقتصاد غير المنظم، بلا عقود ولا تأمينات ولا أمل في تقاعد. أما على مستوى موظفي الدولة والقطاع العام، فهم يعانون "الفقير الرسمي" ويعيشون حالة مزرية، بأجر لا يكفي للوصول إلى العمل، مما فجر إضرابات تاريخية شملت القضاة والأساتذة والإداريين، وبات استمرار الدولة نفسها على المحك، ناهيك بأن أنظمة الحماية الاجتماعية مفككة وغير قادرة على حماية العمال من البطالة أو المرض أو الشيخوخة.

كما يشير إلى معاناة النساء واللاجئات، اللاتي "يتحملن العبء الأكبر بفعل فقدان الوظائف في التعليم والرعاية، واتساع فجوة الأجور". أما العمال الفلسطينيون، فهم "يعانون إقصاء قديماً من عشرات المهن وفق نصوص القانون اللبناني، فيما يشكل اللاجئون السوريون ركيزة للعمالة غير المنظمة شديدة الاستغلال، وسط مساع متزايدة إلى العودة لسوريا". ويختم "لم يعد العامل اللبناني يعاني أزمة معيشية، بل انهياراً شاملاً للعقد الاجتماعي، إذ بات الراتب عاجزاً عن توفير الكرامة أو الحماية أو حتى البقاء".

حرب فتاكة بالعمال وأصحاب العمل

لم تكن الحرب الإسرائيلية مجرد صدمة عابرة، بل كانت زلزالاً ضاعف معاناة العمال وكرس انهيار سبل عيشهم، بحسب عيسى، الذي يؤكد أن "الحرب فرضت على العمال عبء النزوح والبطالة والتضخم والدمار النفسي، وحولتهم من منتجين يعانون أزمة مزمنة إلى ضحايا لصدمة إنسانية شاملة، تعمقت مع كل موجة تصعيد".

ويتوقف عند أثر النزوح على فقدان سبل العيش المباشر، فقد أدى القصف إلى نزوح ما يزيد على مليون شخص، أي نحو 20 في المئة من السكان، ولا يزال آلاف عاجزين عن العودة على رغم الهدنة بسبب الدمار وانعدام الأمن وفرص العمل. كما يشير إلى توقف الاقتصاد المحلي، في القطاع الخاص النظامي، وفي قطاعات حيوية، وانهيار قطاع المطاعم والضيافة في المناطق الحدودية، وتوقف الحياة الاقتصادية بالكامل.

وشهد الجنوب إغلاقاً للمشاريع الصغرى، إذ تضررت 90 في المئة من الشركات الصغيرة، و15 في المئة أغلقت نهائياً، و75 في المئة أوقفت نشاطها موقتاً، وفقدت 30 في المئة كامل قوتها العاملة. إضافة إلى تدمير البنى التحتية الإنتاجية، إذ تضررت الأراضي الزراعية في الجنوب والبقاع بشدة، وتعطلت سلاسل الإمداد وهجرة العمال الزراعيين، كما لحق بقطاعي السياحة والضيافة خسائر بقيمة 1.1 مليار دولار عام 2024، وتلاشت العائدات بالكامل مع تجدد التصعيد في 2026.

كما يتطرق إلى الأعباء المالية والضريبية الساحقة، إذ أدت حرب 2024 إلى فقدان 150 ألف وظيفة، ومن المتوقع أن تودي حرب 2026 بـ250 ألف وظيفة إضافية، إلى جانب أزمة سيولة بالعملات الأجنبية، بفعل توقف السياحة وتحويلات المغتربين، وزيادة الطلب على الاستيراد الطارئ إلى فجوة تمويلية تقدر بـ5 مليارات دولار، مما يحد من قدرة مصرف لبنان على دعم العملة الوطنية، ويدفع إلى مزيد من الانهيار.

الخروج من الدوامة ممكن

على رغم قتامة المشهد، فإن الخروج من الدوامة ممكن، لكنه يتطلب تحولاً جذرياً في الأولويات الوطنية وشراكة دولية فاعلة. يشدد الدكتور سعيد عيسى على أن "المخرج ليس بسيطاً أو آنياً"، إذ يبدأ مع الاستجابة العاجلة، وإعادة بناء شبكة أمان إنسانية، من خلال تحويلات نقدية طارئة، وتوسيع برامج وطنية كبرنامج "أمان" الممول بـ200 مليون دولار أميركي، لتشمل أوسع شريحة من المتضررين، مع أولوية للعمال في القطاع غير المنظم والمهاجرين وذوي الإعاقة"، لافتاً أن "هذه التحويلات هي صمام الأمان الوحيد لوقف الانزلاق نحو المجاعة"، إضافة إلى "تبني استراتيجية الحماية الاجتماعية للانتقال من المساعدات المشتتة والمرتبطة بالأزمات إلى نظام مؤسسي مستدام يوفر الحد الأدنى من الكرامة للعامل وأسرته".

يرى عيسى في إعادة الإعمار "محرك للتوظيف"، وهو "أساس للتعافي وليس مجرد طوق نجاة"، إذ يقترح "إطلاق مشاريع إعادة إعمار كثيفة العمالة في الجنوب والبقاع، لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية والبنى التحتية، مما يخلق فرص عمل فورية ويعيد ضخ الدخل في المناطق المنكوبة"، وصولاً إلى الإصلاح الهيكلي بعيد المدى، من خلال دمج الاقتصاد غير المنظم، وهذا يستوجب تسهيل التسجيل والترخيص، وربط الحوافز الضريبية بإضفاء الصفة الرسمية على العمل، لتوسيع مظلة الضمان"، و"حماية الفئات الأكثر هشاشة، من خلال سن تشريعات تحمي العمال المهاجرين من الاستغلال، وكسر الحواجز القانونية التي تقصي الفلسطينيين عن العمل، وتوجيه برامج تدريب مهني نحو قطاعات واعدة مثل الزراعة والتصنيع الغذائي والتحول الرقمي"، وصولاً إلى معالجة جذور المشكلة، إذ يشدد على "ضرورة تحقيق الشرط الأمني، لأن أي جهد إنمائي يظل هباء مع استمرار الحرب، وبالتالي لا بد وقف النزاع بصورة دائمة ومستدامة، وفقاً للقانون الدولي، هو المدخل الإجباري لأي تعاف".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات