ملخص
ارتفع خلال الأعوام الأخيرة عدد النساء العاملات في توصيل الطلبات بالدراجات النارية. وقد دخل بعضهن هذه المهنة باستخدام دراجات مستعملة، ويعملن مثل زملائهن الرجال لساعات طويلة في الحر والبرد، ويعتبرن الدخل اليومي منها السبيل الوحيد لتغطية نفقاتهن ونفقات أسرهن.
إذا طلبت من أحد سكان طهران أن يصف أكثر المشاهد تعبيراً عن المدينة، فربما يكون أول ما يتبادر إلى ذهنه الشوارع التي تعج بسائقي الدراجات النارية العاملين في توصيل الطلبات، وأصوات أبواق دراجاتهم التي لا تكاد تتوقف. فعدد هؤلاء يزداد يوماً بعد يوم، وكثر منهم لا يرتدون خوذة، ويعبرون أحياناً الأرصفة أو الإشارات الحمراء، أو يسيرون بسرعة كبيرة في شوارع ذات اتجاه واحد.
ويلوم مسؤولو المدينة والمسؤولون الحكوميون هؤلاء السائقين، كلما اضطروا إلى تفسير أزمة الازدحام والتلوث، كذلك يشتكي كثر من المواطنين من سلوكهم في الطرقات. لكن قلة فقط تلتفت إلى أنهم يعملون لساعات طويلة ومتواصلة، ويحرم معظمهم من أبسط الخدمات، مثل الوصول إلى دورات المياه، ويواصلون العمل في برد الشتاء القارس أو تحت حرارة الصيف، من دون تأمين أو مزايا وظيفية، ويخاطرون بحياتهم كل يوم مستخدمين الدراجة التي غالباً ما تكون ممتلكهم الوحيد، من أجل تأمين لقمة العيش.
وخلال الأعوام الأخيرة، ومع توسع نشاط المنصات الإلكترونية والمتاجر الرقمية وخدمات توصيل السلع، أصبحت مهنة توصيل الطلبات بالدراجات النارية من أكثر المهن طلباً في إيران. ومع ذلك، لا توجد إحصاءات دقيقة وموثقة عن عدد العاملين في هذا القطاع على مستوى البلاد أو في طهران.
الدخل اليومي
وكانت صحيفة "آرمان أمروز" قد ذكرت سابقاً أن عددهم يبلغ نحو 5 ملايين شخص، بينما كانت التقديرات الخاصة بطهران حتى العام الماضي تشير إلى نحو 400 ألف عامل.
لكن في أبريل (نيسان) الماضي قال داوود محمدي، رئيس اتحاد نقل البضائع الخفيفة داخل المدن وسائقي توصيل الطلبات في طهران، إن الأشهر الأخيرة شهدت، بالتزامن مع تزايد عمليات تسريح الموظفين من الشركات، توجه أعداد كبيرة من الأشخاص إلى العمل في توصيل الطلبات لتأمين معيشتهم.
ويشكل أبناء الطبقات الأقل دخلاً نسبة كبيرة من العاملين في هذه المهنة، معظمهم من الشباب والمراهقين الذين دخلوا سوق العمل حديثاً، وتعتمد معيشتهم على الدخل اليومي وعدد ساعات العمل في الشوارع.
كان حسين، وهو شاب من طهران يبلغ من العمر 28 سنة، يعمل حتى قبل بضعة أشهر سائقاً عبر تطبيق "سناب" مستخدماً سيارة "برايد" تعود إلى أوائل العقد الأول من الألفية. لكن جزءاً كبيراً من دخله اليومي كان يذهب لإصلاح السيارة، كذلك حالتها المتردية ومقاعدها المكسورة كانتا تثيران استياء الركاب. وفي النهاية قرر بيع السيارة وشراء دراجة نارية للعمل في توصيل الطلبات.
ويقول حسين إنه خلال الأشهر الخمسة التي عمل فيها بهذه المهنة شاهد أموراً لم يرها طوال حياته، سواء في تعامل الناس أو في طريقة احتساب مستحقات العاملين من قبل أصحاب العمل.
ويضيف أنه كان يضطر كثيراً إلى ترك دراجته في أحد الشوارع أو الأزقة ثم يصعد طوابق عدة لتسليم الطلبية، إلى أن تعرضت دراجته الأسبوع الماضي للسرقة أثناء إحدى عمليات التسليم. وبذلك فقد مصدر دخله الوحيد. أما كاميرات المراقبة في الزقاق الذي أوقف فيه دراجته فكانت معطلة، ولم تسجل أي شيء.
ويقول حسين إنه تعرض أيضاً لمعاملة سيئة أثناء تقديم البلاغ في مركز الشرطة، "قالوا لي، لماذا أضعت وقتنا من أجل دراجة لا قيمة لها؟ بينما كانت تلك الدراجة كل ما أملك ومصدر رزقي الوحيد. وعندما استفسرت عن الأسعار، وجدت أن شراء دراجة نارية أقل من دراجتي يحتاج إلى نحو 270 مليون تومان (نحو 3 آلاف دولار)، بينما لا أملك الآن حتى 27 مليون تومان (نحو 300 دولار).
وخلال يومين أو ثلاثة فقط، وظّف صاحب عمل حسين سائقاً جديداً بدلاً منه، ولم يتحمل أي مسؤولية عن سرقة الدراجة، لأنه لم يكن يتمتع بتأمين أو عقد عمل.
وكان رئيس اتحاد نقل البضائع الخفيفة داخل المدن وسائقي توصيل الطلبات في طهران قد أعلن سابقاً أن غياب التأمين الاجتماعي إحدى أبرز مشكلات العاملين في هذا القطاع. ووفقاً له، يبلغ متوسط الدخل اليومي لسائق التوصيل نحو مليون تومان، إلا أن جزءاً كبيراً منه ينفق على الوقود واستهلاك الدراجة والعمولات، مما يجعل صافي الدخل محدوداً.
توصيل الطلبات
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وظهور موجة جديدة من البطالة دفعا أعداداً كبيرة إلى دخول هذا المجال. وقد أدى ازدياد المعروض من العمالة، بالتزامن مع تراجع نسبي في الطلب، إلى اختلال توازن السوق، فأصبح عدد الطلبات المخصصة لكل سائق أقل، بينما ازدادت فترات الانتظار بين الطلبات. وبحسب رئيس الاتحاد، فإن حجم العمل تراجع مقارنة بالسابق، كذلك انخفضت الإيرادات.
وفي هذه الظروف، حتى رفع أسعار التوصيل لم يعد كافياً لتعويض تراجع حجم العمل. وكانت صحيفة "صمت" قد نشرت في الثاني من مايو (أيار) الماضي تقريراً بعنوان "يموتون ليؤمنوا الخبز"، ذكرت فيه أن بعض سائقي التوصيل قالوا إنهم يضطرون إلى العمل في أكثر من منصة إلكترونية في الوقت ذاته، حتى يتمكنوا من تحقيق الحد الأدنى من الدخل اللازم للمعيشة.
ويقول حسين إنه كان يعمل أحياناً ما بين 10 و12 ساعة يومياً خلال الشتاء، متنقلاً من شرق طهران إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، وأحياناً إلى ضواحيها، لإيصال الطلبات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف "أن ترتجف من شدة البرد وأنت تقود الدراجة وتضطر إلى مواصلة الطريق، وأن يكون دخلك غير كاف حتى لشراء خوذة وقفازات، وأن تحتاج إلى استخدام دورة المياه، ثم تطلب من صاحب المنزل أو مكان العمل عند التسليم أن يسمحا لك باستخدامها ويرفضان، وبعدها تبقى لساعات تبحث عن مكان لقضاء حاجتك... إنها تجربة قاسية ومؤلمة لا يدركها إلا من يعمل في توصيل الطلبات بالدراجة النارية، وربما لا يستطيع كثر حتى تخيلها".
والواقع الذي أصبح ملموساً اليوم في المجتمع الإيراني هو أن هذه المهنة، بكل ما تنطوي عليه من مشقة وأخطار وانعدام للأمان الوظيفي، لم تعد مقتصرة على الرجال، إذ دفعت الضغوط الاقتصادية أيضاً النساء إلى العمل فيها.
وفي تقرير بعنوان "الحياة على عجلتين... كيف تؤمن سائقات توصيل الطلبات لقمة العيش؟"، تناول موقع "فرارو" أوضاع النساء العاملات في هذا المجال، موضحاً أنهن يواجهن خطر مصادرة الشرطة لدراجاتهن بسبب عدم امتلاكهن رخص قيادة، وفي الوقت ذاته حوّلن الدراجة النارية إلى وسيلة للاستقلال الاقتصادي وكسب الدخل.
ووفقاً للتقرير، ارتفع خلال الأعوام الأخيرة عدد النساء العاملات في توصيل الطلبات بالدراجات النارية. وقد دخلت بعضهن هذه المهنة باستخدام دراجات مستعملة، ويعملن مثل زملائهن الرجال لساعات طويلة في الحر والبرد، ويعتبرن الدخل اليومي منها السبيل الوحيد لتغطية نفقاتهن ونفقات أسرهن.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"