ملخص
تدخل أزمة التمديد لولاية مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان أسبوعها الأخير من التصعيد، والعين على قرار مجلس شورى الدولة، وتؤكد مصادر مطلعة أن القرار النهائي في هذا الملف قد لا يصدر قبل مطلع عام 2027.
تدخل أزمة التمديد لولاية مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان أسبوعها الأخير من التصعيد، بعدما بلغ الخلاف حول شرعية بقائه في منصبه ذروته، وسط ترجيحات بأن يتجه مجلس شورى الدولة إلى إبطال قرار التمديد الذي منحه "المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى"، في وقت تتحرك فيه أطراف سياسية ودينية وإقليمية بحثاً عن مخرج يحفظ هيبة المنصب ويتجنب انفجاراً داخل الطائفة السنية.
وكان "المجلس الشرعي" قد مدد قبل نحو ثلاث سنوات ولاية الشيخ دريان خمس سنوات إضافية، لتستمر حتى عام 2028، بعدما كان من المفترض أن تنتهي مع بلوغه السن القانونية البالغة 73 سنة، مستنداً في ذلك إلى تعديل سابق رفع سقف تقاعد مفتي الجمهورية إلى 76 سنة. وقد جاء التمديد حينها في ظل الشغور الرئاسي والأزمات الاقتصادية والسياسية الممتدة في لبنان، إذ رأت قيادات سياسية ورؤساء حكومات سابقون ضرورة الإبقاء على قيادة دار الفتوى لتفادي الشغور في المقام الديني الأعلى.
غير أن هذا القرار لم يمر من دون اعتراض، إذ تقدم القاضيان الشرعيان الشيخ عبدالعزيز الشافعي والشيخ همام الشعار بطعن أمام مجلس شورى الدولة، مشككين في قانونية الإجراءات والمحاضر التي اعتمد عليها لإقرار التمديد، وهو طعن وضعه بعضهم بأنه استهداف سياسي لمقام دار الإفتاء وحرب تخاض ضد المفتي.
أبعد من مفت ومركز
تتسم سدة الإفتاء في دار الفتوى في "الجمهورية اللبنانية" بأهمية سياسية ورمزية تتجاوز الشأن الديني الصرف، نظراً إلى كون المفتي ممثلاً رسمياً وسياسياً للطائفة السنية في نظام المحاصصة الطائفية اللبناني، وبالتالي فإن مسألة تغيير المفتي أو التمديد له تنعكس على نواحٍ متعددة في المشهد اللبناني. فدار الفتوى تمثل صمام أمان للحفاظ على اتفاق الطائف والشراكة الوطنية، واستمرار المفتي دريان أو اختيار خليفة له يحدد بوصلة الخطاب السياسي والديني للمؤسسة السنية، خصوصاً في ظل تشتت القوى السياسية التقليدية. كما أن دار الفتوى تحتفظ بروابط وثيقة مع العالم العربي وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية ومصر والأزهر الشريف، إذ يسهم الاستقرار في رأس الهرم الإفتائي في الحفاظ على هذا التوازن الإقليمي.
التمديد قانوني والطعن سياسي
رئيس هيئة رعاية السجناء وأسرهم في دار الفتوى المحامي حسن كشلي يؤكد أن دار الفتوى تتعرض منذ فترة لهجمة من جهات عدة تطاول المفتي الشيخ عبداللطيف دريان، ملمحاً إلى أن تبني المفتي دريان قانون العفو العام قد يكون من أسباب هذه الحملة. ومن الناحية القانونية، اعتبر كشلي أن هذه الهجمة لا سند قانونياً لها، مشدداً على أن المجلس الشرعي هو "سيد نفسه" وهو الجهة التي قررت التمديد للمفتي دريان بصورة قانونية سليمة. وقال إن ما يثار ليس مسألة قانونية بل سياسية، عازياً ذلك إلى تجاذبات بين السياسيين مدفوعة بمصالح انتخابية انعكست على هذه القضية.
وذكر كشلي بأن المفتي دريان كان قد أعلن، قبيل انعقاد جلسة المجلس الشرعي، أنه لا يطمح إلى التمديد له، وأن القرار جاء لاحقاً عن المجلس نفسه. وأضاف "الطعن مطروح الآن أمام مجلس شورى الدولة، ونحن ملتزمون بسقف القانون والقضاء، لكن مجلس الشورى لم يتخذ حتى اليوم أي قرار بقبول هذا الطعن". واعتبر المحامي أن ما يجري يشكل سابقة خطرة تطاول دار الإفتاء، بصفتها أعلى مرجعية دينية في الجمهورية اللبنانية، وأنها تتعرض لهجوم غير مسبوق وغير مبرر. وأشار إلى أن القاضيين اللذين تقدما بالطعن أمام مجلس الشورى يواجهان مجلساً شرعياً منتخباً من هيئة ناخبة تضم نخبة الطائفة من رؤساء حكومات ووزراء ونواب وقضاة، وهذا المجلس هو "سيد نفسه" في تشريع القوانين وانتخاب المفتين.
وبناء عليه، شدد كشلي على أن الطعن موضوع سياسي بامتياز. وعند سؤاله عن الجهة التي تسعى إلى الإساءة إلى دار الفتوى، تجنب كشلي ذكر أسماء محددة، مكتفياً بالقول إن كل شخص يطمح إلى هذا المنصب.
بين التمديد الباطل والخروج الآمن
في المقابل يرى الكاتب السياسي أحمد الأيوبي أن أزمة دار الفتوى، دخلت مرحلة الانسداد التام بعد أن كشف الطعن المقدم أمام مجلس شورى الدولة عن أن التمديد لمفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان جرى خارج الأصول القانونية، في جلسة بلا نصاب ولا محضر رسمي، وسط تهرب محامي الدار من تسلم طلب المجلس بتزويده بالمحضر، مما يرجح عدم وجوده أصلاً، على حد قول الأيوبي.
ويرى الكاتب أن المفتي دريان فوت على نفسه فرص الإصلاح حين ربط التعيينات الأساسية بإرادة قوى خارج الدار، مما عزله تدريجاً عن محيطه. والأمثلة على ذلك وفق ما يرددها الأيوبي "إصرار المفتي دريان على التمديد للشيخ محمد الأروادي على رأس الأوقاف الإسلامية على رغم تجاوزه السن القانونية وفشله المزعوم في إدارتها، ثم استبداله لاحقاً بالشيخ زهير كبي الذي يجمع بين مسؤوليات عدة من دون خبرة اقتصادية تتناسب معها، إضافة إلى تجديده لمفتي صيدا الشيخ سليم سوسان على رأس أوقاف صيدا على رغم عدم جواز الجمع بين الإفتاء ورئاسة الأوقاف".
ويخلص الكاتب إلى أن شبه إجماع تشكل في الأوساط السنية على تعذر استمرار المفتي دريان في منصبه، وأن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه هو "خروج آمن" يقيه الملاحقة على ملفات كبرى. ويختم بالتأكيد أن جوهر الأزمة أعمق من شخص المفتي، إذ يعتبر أن دار الفتوى تعرضت لاختراقات ممتدة منذ الوصاية السورية ثم النفوذ الإيراني، على حد تعبيره.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بحث سياسي عن مخرج
ووسط هذه الأجواء تقف دار الفتوى بصفتها المرجعية الوطنية الجامعة للطائفة السنية في لبنان، أمام استحقاق دقيق يتقاطع فيه القانون بالسياسة وبالتوازنات الطائفية الحساسة، في بلد يعيش أصلاً على وقع انقسامات متعددة المستويات. وهو ما دفع النقاش في هذه القضية إلى الانتقال تدريجاً من الحسم عبر المسار القضائي البحت إلى البحث عن تسوية سياسية - قانونية تشمل مصير المفتي دريان وترتيبات المرحلة المقبلة داخل دار الفتوى.
وفي ظل تصاعد الجدل السياسي والإعلامي حول هذه القضية وفي محاولة لاحتواء الأزمة، عقد رئيس الحكومة نواف سلام في منتصف يوليو (تموز) الماضي اجتماعاً مع رؤساء الحكومات السابقين نجيب ميقاتي وتمام سلام وفؤاد السنيورة، خصص جزء منه للبحث عن تسوية. غير أن المجتمعين وفق المعلومات لم يتوصلوا إلى حل موحد، واقتصر التوافق بينهم على ضرورة صون هيبة المنصب، خصوصاً في ظل ربط بعض الأوساط السنية بين مسألة إنهاء ولايته وبين محاولة استهداف الطائفة، بمعزل عن المخالفات القانونية المطروحة في الطعن.
وتتردد في الكواليس أفكار عدة للخروج من المأزق، من بينها طرح تمديد جديد يبقي دريان في منصبه حتى عام 2029 في مقابل التزامه بتنفيذ إصلاحات طالب بها عدد من رؤساء المحاكم الشرعية والعلماء. كما يطرح خيار تعيين "قائم مقام" للمفتي كحل انتقالي، إلى جانب تكهنات حول احتمال تقديمه استقالته قبل صدور القرار القضائي النهائي. وتشير المصادر نفسها إلى أن القرار النهائي في هذا الملف قد لا يصدر قبل مطلع عام 2027، مما يترك هامشاً زمنياً لمسارات التفاوض الموازية.
محطات متكررة في تاريخ المؤسسة
لم تكن أزمة التمديد الحالية للمفتي الشيخ عبداللطيف دريان الأولى من نوعها في تاريخ دار الفتوى، فقد شهدت المؤسسة على مر عقود محطات خلافية حادة، عكست في كل مرة حجم التداخل بين الموقع الديني والحسابات السياسية في لبنان.
فأزمة المفتي الشيخ محمد رشيد قباني بين عامي 2012 و2014 تعد الأكثر تعقيداً في التاريخ الحديث لدار الفتوى، إذ نشب خلاف حاد بين المفتي قباني ورؤساء الحكومات السابقين حول إدارة الأوقاف الإسلامية وصلاحيات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. وتطور الخلاف حينها إلى حد نشوء مجلسين شرعيين متوازيين، ومحاولات لسحب الصلاحيات من المفتي وعزله، قبل أن تنتهي الأزمة بانقضاء ولايته القانونية، وانتقال المنصب بتوافق سياسي عام، ورعاية أزهرية ومحلية، إلى انتخاب الشيخ عبداللطيف دريان مفتياً للجمهورية عام 2014.
وقبل ذلك بعقود، عاش المفتي السابق الشيخ حسن خالد، الذي تولى المنصب بين عامي 1966 و1989، محطة مختلفة في طبيعتها لكنها لا تقل خطورة، إذ تعرض خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية لضغوط سياسية وأمنية هائلة، جاءت نتيجة مواقفه الثابتة في الدفاع عن صيغة العيش المشترك وسيادة الدولة اللبنانية، ورفضه الانجرار وراء منطق المحاور والميليشيات، وهي المواقف التي أدت في نهاية المطاف إلى اغتياله عام 1989، قبل أشهر قليلة من إقرار اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب. بل إن سنوات ولايته نفسها لم تخل من محاولات تدخل سياسي لتحديد مصيره في المنصب، في ظل الانقسام الحاد بين القوى اللبنانية والفلسطينية والعربية آنذاك، مما يعكس أن ملف "من يتحكم بمصير رئاسة الإفتاء" كان على الدوام حقل تجاذب بين السلطة الدينية واللاعبين السياسيين.
على ضوء هذه السوابق، تبدو أزمة التمديد الراهنة للمفتي الشيخ عبداللطيف دريان استمراراً لنمط متكرر أكثر منها استثناء عابراً. فالجدل الدائر اليوم حول شرعية قرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، على غرار ما جرى مع المفتي قباني، يعيد للواجهة السؤال ذاته حول حدود استقلالية دار الفتوى في مواجهة محاولات التوظيف السياسي لمواقعها. غير أن الفارق الجوهري هذه المرة، بحسب ما يشدد عليه المدافعون عن قانونية التمديد، هو أن القرار صدر هذه المرة عن مجلس شرعي منتخب وسيد نفسه بصلاحياته الدستورية، من دون أن يرافقه انقسام مؤسسي أو نشوء مرجعية موازية كما حصل في أزمة 2012. ويبقى مآل هذا الملف اليوم رهناً بما سيقرره مجلس شورى الدولة في شأن الطعن المقدم، في اختبار جديد لقدرة دار الفتوى على حماية استقلالية قرارها الديني بمعزل عن التجاذبات السياسية التي كثيراً ما حاولت التأثير في مسار المؤسسة عبر تاريخها.