ملخص
وصلت حدة الأزمة إلى تعليق روما العمل باتفاق "شينغن" في وجه القادمين من إسبانيا، تفادياً لتسلل النازحين من مدينة سبتة نحو الأراضي الإيطالية.
أدى "الهروب الكبير"، الذي نزح خلاله 72 ألف شخص من المغرب نحو مدينة سبتة نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، إلى نشوب خلافات داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت وجهت فيه بعض الدول الأوربية انتقادات حادة للسياسة الإسبانية في مجال الهجرة، إذ تتهم مدريد منذ أعوام بالفشل في الحد من تدفقات المهاجرين غير الشرعيين نحو مدينتي سبتة ومليلة، وقد وصلت الأزمة إلى تعليق روما العمل باتفاق "شينغن" في وجه القادمين من إسبانيا، تفادياً لتسلل النازحين من مدينة سبتة نحو الأراضي الإيطالية.
تعد أزمة الهجرة في مدينتي مليلة وسبتة معضلة إنسانية وسياسية تتداخل فيها عوامل عدة، فالمدينتان تشكلان امتداداً للتراب المغربي. في أواخر القرن الـ15 احتلت إسبانيا الأولى، وقد سيطرت على الثانية في القرن الـ17. ذلك البعد الجغرافي أسهم في ارتفاع أعداد المهاجرين، لأن المدينتين يشكلان المجال الأقرب في أفريقيا للانتقال إلى الداخل الأوروبي، بالمقارنة مع مساحة مضيق جبل طارق، الفاصل بين حدود المغرب وإسبانيا التي تبلغ 14 كيلومتراً، أو مع جزر الخالدات التابعة للسيادة الإسبانية التي تبعد من السواحل المغربية نحو 100 كيلومتر.
ودائماً ما تتهم المغرب باستخدام ورقة الهجرة للضغط على القارة العجوز بعد حدوث خلاف معين بين الطرفين، ففي عام 2021 حدثت موجة نزوح نحو مدينة سبتة عقب استقبال مدريد زعيم جبهة "البوليساريو" إبراهيم غالب، قصد العلاج، فيما تأتي موجة النزوح الأخيرة جراء زيارة رئيس الحكومة الإسبانية للجزائر، لكن الرباط تنفي تلك الادعاءات وتعارض قيامها بدور "الشرطي" المراقب لحدود الاتحاد.
أزمة موسمية
تتسبب مواسم الهجرة غير الشرعية المتتالية نحو أوروبا في نشوب خلافات بين دول الاتحاد الأوروبي، إذ وجهت انتقادات حادة لألمانيا عندما فتحت أراضيها لمليون مهاجر في عام 2015 جلهم من النازحين السوريين الفارين من الحرب، وعانت إيطاليا الوضع ذاته في عام 2023 حينما وصل آلاف المهاجرين السريين إلى جزيرة لامبيدوزا بسبب تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، وهذا ما تكرر أيضاً في عام 2025. وبالتالي تشكل أزمة الهجرة تحدياً مستمراً لتماسك الاتحاد، إلا أن النزاع الحالي يبدو أكثر حدة، إذ وصل الخلاف إلى حد تعليق إيطاليا (التي يحكمها اليمين) العمل بمعاهدة "شينغن" (الخاصة بحرية التنقل بين دول الاتحاد) على القادمين من إسبانيا وإخضاعهم لتدقيق أمني حتى الـ15 من أغسطس (آب) الجاري، من جانبها قررت مدريد التصعيد عبر إقرار المعاملة بالمثل في حق المسافرين القادمين من إيطاليا.
يوضح المحلل السياسي والمستشار السابق في البرلمان الأوروبي عبدالغني العيادي أن مسألة الهجرة بالاتحاد الأوروبي تشكل "الشجرة التي تخفي الغابة"، كونها ملفاً يخرج إلى العلن كلما تراكمت قضايا أخرى بلا حلول، فيتحول إلى مادة للاستثمار السياسي أكثر منه موضوعاً للبحث عن حلول، مشيراً إلى أن "أزمة سبتة كشفت عن وجود شرخ سياسي قائم أصلاً حول الهجرة، يحدث انقساماً بنيوياً جديداً داخل الاتحاد". ويذكر المحلل السياسي بوجود مفارقة غريبة، كون إيطاليا التي تنتقد توجهات إسبانيا في مجال الهجرة كانت استقبلت في عام 2025 نحو 66 ألف مهاجر غير نظامي من جنوب المتوسط، وهو المسار الأكثر ازدحاماً داخل الاتحاد بنسبة 40 في المئة من إجمالي العبور غير النظامي البالغ 178 ألف حالة، وفق بيانات "فرونتكس"، في مقابل ذلك استقبلت إسبانيا نحو 37 ألف مهاجر غير نظامي عبر مجموع مسارها الوطني، وفق وزارة الداخلية الإسبانية، أي ما يقارب نصف العدد الذي استقبلته روما. ويكشف هذا التفاوت عن مفارقة لافتة، إذ تتصدر روما لائحة الدول المستقبلة للمهاجرين بأوروبا، بينما توجه أشد الانتقادات لمدريد بمجرد أن تظهر أزمة سبتة إلى الواجهة الإعلامية، بحسب المحلل السياسي.
خلاف وليس انقساماً
نفى الاتحاد الاوروبي وجود انقسامات داخلية، موضحاً أنه جرى حل أزمة سبتة بفضل تضامن الدول الأعضاء، الأمر الذي أكده مراقبون، إذ خفف الخبير في الشؤون الأوروبية سليم بدوي من حدة تداعيات "أزمة سبتة" على الوحدة الأوروبية، موضحاً أن أزمة الهجرة أصبحت اعتيادية، وبالتالي ليس من شأنها إحداث شرخ في تماسك الاتحاد، بدليل صموده في وجه الأزمة المالية لعام 2008، ومعضلة "بريكست"، وخطر الإرهاب، وأزمة الهجرة الكبرى في 2015.
من جانبه، أكد الاتحاد الأوروبي تجاوزه للأزمة، وقد أوضح مسؤول الشؤون الداخلية والهجرة في الاتحاد الأوروبي ماغنوس برونر أن "أزمة سبتة" شكلت اختباراً للصمود الأوروبي ولأمن حدود الاتحاد الخارجية، لافتاً إلى أن سياسة الهجرة الأوروبية أسهمت في تراجع الهجرة غير الشرعية بنسبة 55 في المئة خلال العامين الماضيين، وبنسبة 37 في المئة أخرى حتى الآن هذا العام، مما أدى إلى عبور ما يزيد قليلاً على 49 ألف شخص بصورة غير قانونية إلى منطقة الاتحاد عبر جميع حدوده الخارجية، وهذا يعادل تقريباً عدد من وصلوا إلى الجزر اليونانية وحدها في أسبوع واحد من أكتوبر (تشرين الأول) 2015. وأعلن المسؤول الأوروبي أن "أوروبا لم تكن تملك هذا القدر من السيطرة على الهجرة غير الشرعية منذ عقد، ولكن أظهرت أحداث سبتة أن الصور الدرامية تتفوق على أفضل الإحصاءات، وحتى الآن اجتازت أوروبا هذا الاختبار، ولم يتمكن النازحون من دخول منطقة شنغن، وتمت معالجة الأمن على الحدود بسرعة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هال هناك حل نهائي؟
تطرح مسألة الهجرة في أوروبا جدلية تضييق الإجراءات ومراقبة الحدود، والحاجة إلى اليد العاملة في ظل ارتفاع نسبة الشيخوخة، إذ يرى المحلل السياسي عبدالغني العيادي أن الحل النهائي لأزمة الهجرة يظل بعيد المنال بالنسبة إلى إسبانيا وحدها، متسائلاً عن وجود إرادة أصلاً لإنهاء الظاهرة، ما دامت اقتصادات أوروبا كاملة تحتاج إلى اليد العاملة المهاجرة، خصوصاً في البناء والفلاحة والفندقة والخدمات، وتحدث عن استفادة أوروبا من هذه الهجرة، بينما يتحمل بلد المنشأ كلفة تربية الإنسان وتعليمه وتكوينه، ثم يفقد رأسماله البشري حين يصبح جاهزاً للعمل، وتزداد المفارقة وضوحاً مع شيخوخة أوروبا وحاجتها إلى قوة عاملة شابة تسند اقتصادها ومنظوماتها الاجتماعية.
هل يؤثر "الهروب الكبير" في علاقة الاتحاد الأوروبي بالمغرب؟
تظهر تداعيات "الهروب الكبير" بحسب متخصصين في المجال القانوني أن المغرب هو أكبر الرابحين، سواء من خلال الزيادة المحتملة في حجم الدعم المالي المقدم للرباط من أوروبا في إطار التعاون لمكافحة الهجرة السرية، أو من خلال اتفاق شراكة جديد، إذ أعلن مفوض الهجرة في الاتحاد الأوروبي أن الاتحاد يجري حالياً مفاوضات في شأن اتفاق شراكة استراتيجية شاملة مع المغرب.
من جانبه، أعلن عبدالغني العيادي أن التساؤل الذي تطرحه "أزمة سبتة" يتجاوز ملف الهجرة، وأن الإشكال المطروح الآن مرتبط بمدى تجاوز أوروبا مسالة حراسة المغرب لحدودها إلى إدارة المصالح المشتركة معه كشريك متكافئ، وتحويل الهجرة إلى ملف تتشارك الدول المعنية بحله.