ملخص
أعلنت الشرطة الإسبانية تفكيك واحدة من أكبر شبكات تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط، بعد توقيف 78 شخصاً ومصادرة 18 زورقاً سريعاً. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إسبانيا ضغوطاً متزايدة بسبب تدفق آلاف المهاجرين إلى سبتة، وسط أزمة تتعلق بالقاصرين غير المصحوبين بذويهم وتوتر مع إيطاليا في شأن سياسات الهجرة.
أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية الجمعة، أنها ستفرض إجراءات تفتيش مؤقتة على حدودها للمسافرين الوافدين من إيطاليا، وذلك رداً على إجراءات مماثلة اتخذتها روما عقب تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة.
وأوضحت الوزارة في بيان أن تنفيذ هذه الإجراءات التي تأتي "وسط ضغط مستمر للهجرة غير النظامية" تواجهه إيطاليا، سيبدأ منتصف ليل السبت على أن يستمر حتى السابع من سبتمبر (أيلول) المقبل.
وأعلنت الشرطة الإسبانية اليوم الجمعة أنها تمكنت من تفكيك ما وصفته بأنه إحدى أكبر الشبكات الإجرامية المتورطة في تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط، بعدما ألقت القبض على 78 شخصاً وصادرت 18 زورقاً سريعاً.
وأوضحت الشرطة في بيان أن الشبكة كانت تستخدم هذه الزوارق لنقل المواد المخدرة المصنعة، مثل "إكستاسي"، من إسبانيا إلى الجزائر، ثم لتهريب المهاجرين في رحلة العودة إلى الساحل المتوسطي لإسبانيا وجزيرة إيبيزا.
ويعتقد المحققون أن الشبكة مسؤولة عن 64 عملية تهريب مهاجرين في الأقل، تم خلالها نقل أكثر من 2000 شخص إلى إسبانيا، وتقاضت عنها نحو 28 مليون دولار.
وأشارت الشرطة إلى أن عمليات التهريب البحرية هذه كانت "خطرة للغاية"، إذ كان المهاجرون يسافرون "متكدسين في قوارب سريعة وسط بحر مائج جداً". وأضاف البيان، "في بعض الحالات، كان الركاب يُربَطون للحؤول دون سقوطهم في الماء أثناء الرحلة".
وأشارت الشرطة إلى أن الشبكة كانت تتقاضى ما يصل إلى 14 ألف دولار لنقل الشخص الواحد، وأن بعض الزوارق كانت تضم ما يصل إلى 50 مهاجراً في الرحلة الواحدة.
وتشتبه الشرطة الإسبانية في أن أربعة من الموقوفين من قادة الشبكة.
وصادرت السلطات 18 زورقاً سريعاً تُقدَّر قيمتها بأكثر من 6 ملايين دولار.
ونفذت العملية بالتعاون مع وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول)، ومع قوات الشرطة في فرنسا والبرتغال وبولندا.
وتتم غالبية الهجرة غير النظامية إلى إسبانيا عبر البحر من خلال المسار الممتد عبر المحيط الأطلسي من غرب أفريقيا إلى جزر الكناري، وهو أحد أبرز منافذ الدخول إلى أوروبا للفارين من النزاعات والاضطهاد والفقر.
وعلى رغم تراجع أعداد المهاجرين الوافدين إلى جزر الكناري في الأشهر الأخيرة، ازدادت الهجرة غير النظامية عبر المسار الغربي للبحر المتوسط بين الجزائر وإسبانيا.
قضية المهاجرين القصر
قالت وزيرة الشباب الإسبانية سيرا ريجو اليوم، إن الحكومة الإسبانية تأمل في البدء في نقل بعض المهاجرين القصر من مراكز استقبال مكتظة في جيب سبتة الإسباني إلى البر الرئيس في غضون أسابيع، لتخفيف حدة أزمة هجرة في هذا الجيب عقب تدفق آلاف المهاجرين الأسبوع الماضي.
وفي الـ30 من يوليو (تموز) الماضي، عبر ما يصل إلى 72 ألف مهاجر بصورة غير قانونية الحدود من المغرب إلى سبتة من البحر والبر، مما تسبب في مقتل عشرات خلال التدافع وفقاً لما أعلنته السلطات الإسبانية، وهو تدفق ضخم جاء بعد وصول أعداد أقل على مدى أسابيع. وعاد غالب من عبروا منذ ذلك الحين لكن مئات من القصر من دون صحبة ذويهم ظلوا في سبتة.
وأضافت ريجو أن 1342 قاصراً تم تسجيلهم حتى الآن، وسيتم استقدام مزيد من الموظفين من البر الرئيس للمساعدة في هذه الجهود. واعترفت بوجود "مشاهد مؤلمة" لأطفال يفترشون الأرض وينامون في الشوارع في سبتة، وقالت إن مدرستين فُتحتا لتوسيع المساحة المتاحة وإن مواقع أخرى يجري تقييمها لاستكشاف إذا ما كانت تصلح كمراكز استقبال محتملة.
وتابعت قائلة للصحافيين خلال زيارة لسبتة، "أعتقد أن الأمر سيستغرق بضعة أسابيع قبل أن يبدأ بالفعل نقل (القصر) واستقبالهم في البر الرئيس". وأضافت، "نعطي الأولوية للفتيات، وللفتيان والفتيات الذين تقل أعمارهم عن 13 سنة"، ووصفت الوضع في سبتة بأنه لا يزال يشكل تحدياً لكنه "يعود تدرجاً للوضع الطبيعي".
واعترضت أحزاب من المعارضة تنتمي إلى اليمين المتطرف على عمليات النقل للبر الرئيس، حيث تتولى سلطات كل إقليم إدارة مسألة استقبال المهاجرين.
المغرب مستعد للتعاون
أعلن المغرب أنه مستعد للتعاون مع إسبانيا وشركاء أوروبيين آخرين في شأن عودة القصر من دون ذويهم ممن عبروا لسبتة الأسبوع الماضي.
وقالت ريجو إن إسبانيا ستنظر في أمر عرض المغرب في شأن إعادة الأطفال على أساس كل حالة على حدة.
ونقلت وكالة "إفي" الإسبانية عن مصدر دبلوماسي مغربي قوله إن الإدارة الإسبانية وعقبات قضائية تعقد مسألة إعادة الأطفال. لكن ريجو قالت، "لا توجد عقبات من جانب إسبانيا... ما ستقوم به إسبانيا هو حماية حقوق الأطفال"، وأوضحت أن فرقاً متخصصة ستتولى تقييم حالة كل طفل لتحديد ما يصب في مصلحته، وتسهيل لم شمل الأسر كلما أمكن ذلك.
وأشارت ريجو إلى أن الخصائص والظروف بالنسبة إلى الأطفال المهاجرين من دون ذويهم تغيرت خلال الأعوام الخمسة الماضية، وتحديداً منذ موجة التدفق الكبيرة السابقة عبر الحدود إلى سبتة في 2021، حين عبر الحدود حوالى 8 آلاف شخص. وقالت، "تزايدت أعداد الفتيات غير المصحوبات بذويهن، وكذلك أعداد الأطفال صغار السن للغاية".
وصرح حاكم سبتة خوان خيسوس فيفاس بأن المنشآت المحلية المتواضعة يمكنها استيعاب ما يصل إلى 90 طفلاً، لكنها مكتظة حالياً بنحو 1100 من القصر غير مصحوبين بذويهم ممن وصلوا قبل موجة التدفق الحدودي تلك. وتشير تقديرات منظمات غير حكومية ومجموعات من السكان في المنطقة إلى أن العدد الإجمالي للقصر ربما يقدر بآلاف عدة.
دفن جثامين المهاجرين
استعانت الشرطة وعلماء الطب الشرعي بموظفين إضافيين للمساعدة في التعرف إلى جثث 80 مهاجراً عثر عليها عقب موجة الهجرة الجماعية إلى جيب سبتة الإسباني، في وقت تنتظر فيه العائلات اليائسة أي أخبار عن أحبائها المفقودين.
وقال مسؤولون إن معظم الجثامين ستدفن في سبتة خلال الأيام المقبلة. وبالنسبة إلى الغالبية العظمى الذين لن تحدد هوياتهم قبل الدفن، جمع موظفون بصمات الأصابع وعينات من الحمض النووي وسيواصلون مطابقة الجثث مع الهويات، ثم التواصل مع ذويهم.
وأرهق التدفق الكبير للمهاجرين وما صاحبه من وفيات فريق الطب الشرعي في سبتة المكون من خمسة أفراد فقط الذي لم يتعامل سوى مع 76 حالة وفاة طوال العام الماضي. واستقدمت السلطات ثمانية موظفين إضافيين من البر الرئيس لإسبانيا، وأنشأت مشرحة أكبر في مستشفى عسكري سابق.
وقال مدير الفريق مانويل أبارثيرو، الذي استدعي لتأكيد وفيات المهاجرين لدى انتشالهم إلى الشاطئ في الـ30 من يوليو، "واجهنا عدداً من الضحايا فاق قدراتنا العملياتية".
وبينما واصل فريقه العمل لمدة أسبوع، نشرت عائلات رسائل على وسائل التواصل الاجتماعي وتابعت التقارير الإخبارية وظلت قريبة من هواتفها، أملاً في أن يتواصل أقاربها معها في النهاية.
وقال جمال بهلول (26 سنة) إن شقيقه محمد، وهو عامل بناء يبلغ من العمر 22 سنة، غادر منزله في طنجة وكان آخر اتصال معه في الـ30 من يوليو. وأضاف، "لم نتلقَ أي أخبار أخرى... لا نعرف ما إذا كان في سبتة أم مات".
ويتجمع أقارب مفقودين آخرين على الجانب المغربي من الحدود للضغط على المسؤولين من أجل الحصول على إجابات وزيارة المشارح المحلية.
وأوضحت نتائج تشريح الجثث أن عدداً كبيراً من بين الـ80 الذين انتُشلت جثثهم إلى الشاطئ في إسبانيا توفوا بسبب توقف القلب والتنفس، وهي سمة شائعة في حالات الغرق بحسب متخصصي علم الأمراض.
وجاء في بيان أصدرته محكمة محلية في وقت متأخر من أمس الخميس، أنه لم تُحدد هوية سوى أربعة أشخاص من خلال بصمات الأصابع المسجلة في قواعد البيانات الإسبانية أو عبر مطابقة عينات الحمض النووي، وتُجرى اختبارات لتأكيد هويات أربعة آخرين.
وشاركت الشرطة الإسبانية بصمات أصابع جميع القتلى مع السلطات المغربية، وافتتحت مكتباً عند الحدود يتيح لأقارب المفقودين تقديم بلاغات عن ذويهم وتوفير عينات الحمض النووي. ووفقاً لبيان المحكمة، جرى تقديم 19 بلاغاً بحلول أمس.
وتجري جهود تحديد هويات المهاجرين بموجب بروتوكول خاص بالحوادث الجماعية يطبق عادةً على حوادث المرور أو الكوارث الطبيعية التي تؤثر بالمقام الأول في الإسبان، مثل كارثة قطار أداموث في يناير.
وانتقدت منظمات خيرية في الماضي عدم تطبيق الحكومة الإجراءات نفسها على الوقائع التي تشمل المهاجرين، مثل حادثة غرق قارب للمهاجرين عام 2024 قرب جزر الكناري، الذي يعتقد أن 57 شخصاً لقوا حتفهم فيه.
وقال أبارثيرو إن جميع جثامين المهاجرين ستدفن في سبتة خلال الأيام المقبلة، ما لم يطلب أحد الأقارب إعادة جثمان جرى التعرف إليه إلى وطنه. ويمكن أيضاً استخراج الجثامين لاحقاً ونقلها إلى الخارج إذا أذن قاض بذلك.
وذكر أبارثيرو أنه بعد الانتهاء من عمليات التشريح، عملت فرق الطب الشرعي على غسل الجثامين وفقاً للشريعة الإسلامية، مضيفاً "نحترم معتقداتهم ودينهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إسبانيا تحذر إيطاليا
في الأثناء، حذرت إسبانيا اليوم إيطاليا من أنها ستتخذ إجراءات مضادة في حال لم ترفع روما هذا الأسبوع تعليقها لاتفاقية شنغن الخاصة بحرية التنقل بين دول أوروبية، الذي فرضته بعد تدفّق المهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة.
وجاء في بيان صادر عن الحكومة الإسبانية، "نحث حكومة إيطاليا على تصحيح الوضع، وإنهاء عمليات التفتيش، ومعاملة الإسبان مثل المواطنين الأوروبيين الآخرين. وإذا لم تفعل ذلك قبل نهاية الأحد التاسع من أغسطس، ستكون إسبانيا ملزمة باتخاذ تدابير متناسبة لحماية مصالح مواطنيها وكرامتهم".
وقام الخلاف النادر بين دولتين حليفتين في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، بعد تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة الإسباني في موجة هجرة غير مسبوقة. وأثارت مشاهد تدفق المهاجرين انتقادات حادة من دول أخرى في الاتحاد الأوروبي تدعو إلى اعتماد سياسة متشددة حيال الهجرة غير القانونية وحماية الحدود الخارجية للتكتل، في طليعتها إيطاليا.
وعلقت إيطاليا موقتاً اتفاقية شنغن مع إسبانيا لمدة شهر، وأغلقت منافذها البحرية والجوية أمام إسبانيا، وعززت عمليات المراقبة والتفتيش على الحدود البرية.
ونددت الحكومة الإسبانية مجدداً اليوم بموقف إيطاليا معتبرةً أن الإجراء الذي اتخذته "غير عادل ومخالف لمصالح الاتحاد الأوروبي وتمييزي بحق الشعب الإسباني".
ولم توضح الحكومة في بيانها طبيعة التدابير التي تعتزم اتخاذها.
وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية المتطرفة جورجيا ميلوني أعلنت أن تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا اعتباراً من الـ31 من يوليو ولمدة شهر، هو "إجراء استثنائي" يهدف إلى "الحفاظ على الأمن القومي ومنع تداعيات محتملة على بلادنا".
ودعت ميلوني إلى جانب قادة أوروبيين آخرين إلى تعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن، ولو أن مثل هذا القرار مستحيل من الناحية القانونية.
وحذرت الحكومة الإسبانية من "إثارة انقسامات ونزاعات عقيمة تمليها دوافع انتخابية داخلية"، مبدية "ثقتها في أن المشاعر المؤيدة لأوروبا والمنطق وحسن النية ستسود في نهاية المطاف".