ملخص
دائماً ما كان المسلمون جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع الأميركي منذ بداياته، على رغم أن وجودهم غالباً ما كان يُطمس أو يُتجاهل، علماً أن وجود المسلمين على الأراضي الأميركية يعود إلى ما قبل تأسيس الولايات المتحدة.
بحلول تسعينيات القرن الـ20، ازداد اندماج المسلمين الأميركيين في السياسة الانتخابية وبناء التحالفات والدفاع عن الحقوق المدنية.
على رغم المشاعر المتضاربة بين دعم أو رفض الأميركيين للصعود السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة التي كان آخرها فوز عبدالسيد (عبدالرحمن محمد السيد) بترشيح الحزب الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ في ولاية ميتشغان، ومن قبله فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، فإن وجود المسلمين على الأراضي الأميركية وتأثيرهم في نواحٍ ثقافية ورياضية واقتصادية، سبق بوقت طويل ظهورهم السياسي. فكيف أثر المسلمون الأوائل وعبر التاريخ في الحياة الأميركية حتى قبل تأسيس الولايات المتحدة منذ 250 عاماً؟
تغيير النظرة للمسلمين
عانى المسلمون الأميركيون طويلاً صورة نمطية شكلتها وسائل الإعلام وبعض التيارات العنصرية، بخاصة في الأوساط المحافظة واليمينية الإنجيلية التي يرى بعضها أن الإسلام والمسلمين يحملون أجندة معادية للحضارة تتحدى الجذور اليهودية المسيحية للحضارة الغربية.
وفي مجال السياسة، جادل مشرعون، مثل النائب عن ولاية تينيسي آندي أوغليس، بأن القيم السياسية الإسلامية لا يمكن استيعابها في مجتمع أميركي تعددي، كذلك رأى النائب راندي فاين من ولاية فلوريدا، أن الخوف من الإسلام أمر منطقي وضروري لحماية أميركا، مما عزز ذلك التيار المتشدد الذي يزعم أن السياسيين المسلمين الأميركيين يكنون ولاء مزدوجاً، ويفضلون المصالح الجيوسياسية للدول الإسلامية أو الدفاع عن القضية الفلسطينية على الشراكات الاستراتيجية الأميركية الراسخة مع إسرائيل.
لكن الصعود السياسي لعدد من السياسيين المسلمين في الفترة الأخيرة في الولايات المتحدة، الذي اهتمت به كثيراً وسائل الإعلام على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها، وكان آخرها فوز عبدالرحمن محمد السيد، المعروف اختصاراً باسم "عبدالسيد" بتمثيل الحزب الديمقراطي في معركة انتخابات مجلس الشيوخ المقبلة، ومن قبله بأشهر قليلة فوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، غيّر النظرة الأميركية للمسلمين من كونهم جماعة مهمشة ينظر إليها بتشكك من منظور الأمن القومي، إلى قادة سياسيين بارزين وفاعلين في تحديد الأولويات، من خلال تركيزهم على العدالة الاقتصادية والإصلاحات في النظام السياسي الأميركي.
تحول تاريخي
على مدى صراع طويل ضد منافسين ممولين من لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (أيباك)، أظهرت حملاتهم الانتخابية أن المسلمين الأميركيين يتجاوزون التمثيل الرمزي البحت، ويسهمون في صياغة أجندات مدنية أوسع، يركزون فيها على الصحة العامة والإسكان والمشكلات الاقتصادية التي يعانيها الأميركيون وبخاصة أبناء الطبقة العاملة التي أهملتها المؤسستان التقليديتان في الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء.
وبدلاً من كونهم مرشحين ذوي هوية محددة، أعاد فوزهما هذا صياغة صورة السياسيين المسلمين كأبطال لشعوب من جميع الخلفيات، مما يؤكد الديمقراطية الأميركية الأكثر شمولاً وتنوعاً، الأمر الذي من شأنه أن يلهم عدداً قياسياً من مرشحي الأقليات والمسلمين للترشح للمناصب المختلفة، بما يعيد تشكيل النقاشات حول الرعاية الصحية والهجرة والاقتصاد، والسياسة الخارجية فترة طويلة تتجاوز انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
مثل صعود عبدالسيد وزهران ممداني من الهامش تحولاً تاريخياً في المشهد السياسي في الولايات المتحدة، إذ إن نجاح عبدالسيد يجعله يتمتع بفرصة حقيقية ليصبح أول مسلم ينتخب في مجلس الشيوخ، كذلك فإن فوز ممداني كأول عمدة مسلم ومن أصول جنوب آسيوية، وأحد أصغر القادة سناً منذ أكثر من قرن، يشير إلى تحول أوسع في نظرة المجتمع الأميركي للمسلمين ودورهم في السياسة والمجتمع.
وجود قديم
دائماً ما كان المسلمون جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع الأميركي منذ بداياته، على رغم أن وجودهم غالباً ما كان يُطمس أو يُتجاهل، علماً أن وجود المسلمين على الأراضي الأميركية يعود إلى ما قبل تأسيس الولايات المتحدة. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ16، عبر رجل يُدعى إستيبان دي دورانتس، المعروف باسم إستيفانيكو، صحاري ما يعرف اليوم بتكساس ونيو مكسيكو وأريزونا، قبل عقود من تأسيس الإنجليز مدينة جيمس تاون عام 1607، وقبل قرن كامل من وصول الحجاج المسيحيين إلى بليموث عام 1621، حسبما يشير أستاذ الدراسات الدينية والمدير التنفيذي لمؤسسة الشرق والغرب في جامعة فلوريدا الدولية، إقبال أختر.
ولد إستيفانيكو في أزمور، على ساحل المحيط الأطلسي في المغرب، وكان قد استعبد ونقل إلى إسبانيا، ثم عبر المحيط، وفي رحلة مشؤومة هلك فيها معظم الناس، نجا إستيفانيكو الذي تعلم لغات عدة من السكان الأصليين لأميركا، وأصبح من أوائل القادمين من العالم القديم الذين عبروا المناطق الجنوبية الداخلية لما سيعرف لاحقاً بالولايات المتحدة.
مسلمو غرب أفريقيا
مارس المسلمون الأوائل الذين قدموا من غرب أفريقيا الإسلام تحت ضغط شديد، مثل عمر بن سعيد، وهو عالم إسلامي من السنغال الحالية، كما تشير سيرته الذاتية الموجودة في مكتبة الكونغرس الأميركي باللغة العربية، التي تصف أعوام استعباده الصعبة في نورث كارولينا، وكتاباته الدينية خلالها، مما يقدم دليلاً نادراً على الحياة الفكرية الإسلامية في تاريخ أميركا العنصري المضطرب.
جاءت موجات لاحقة من المهاجرين كعبيد، وكان من بينهم مسلمون من منطقة السنغال وغامبيا والساحل في غرب أفريقيا، وهي منطقة تشكلت عبر قرون من التعليم الإسلامي، وتشير بعض التقديرات إلى أن عددهم بلغ عشرات الآلاف، وكان كثير منهم يجيدون القراءة والكتابة باللغة العربية، وتلقوا تعليماً في القرآن والشريعة الإسلامية قبل أسرهم، مما يعني أن المسلمين كانوا حاضرين عند تأسيس الأمة الأميركية وأسهموا في تشكيل البلاد وموسيقاها وقوانينها ومجتمعها المدني.
لكن بصمتهم الأعمق تكمن في الثقافة الأوسع التي أسهموا في تشكيلها، بما في ذلك التراث الموسيقي، إذ يشير بعض الباحثين، مثل شالوم غولدمان، إلى أن المسلمين الأميركيين أدوا دوراً مهماً، غالباً ما يغفل عنه، في تطور موسيقى الجاز، وهو نوع موسيقي يحتفى به عادة كونه الإسهام الثقافي الأبرز للأمة الأميركية.
تأثير في موسيقى البلوز
وعلى سبيل المثال، أصبحت "ترنيمة الحقل" إحدى جذور الموسيقى الشعبية الأميركية، إذ كانت عبارة عن صرخة مرتجلة فردية كان يرددها الأميركيون الأفارقة المستعبدون أثناء عملهم في مهام مثل قطف القطن أو حرث المحاصيل، وسمحت هذه الصرخات، الحزينة والعميقة في آن، للعمال بالتواصل عبر المسافات، وتفريغ مشاعرهم المكبوتة، وتحمل مشقة العمل القسري.
وتبين لبعض الباحثين أن عناصر هذا التراث الغنائي تعود إلى المسلمين المستعبدين في غرب أفريقيا، الذين حملوا معهم إلى الحقول ممارسة غنائية دينية تشكلت عبر قرون من الممارسات الإسلامية، حين لاحظ الباحثون أوجه تشابه بين ترنيمة الحقل، والأذان، وتلاوة القرآن.
كذلك أرجع عالم الموسيقى العرقية غيرهارد كوبيك أصول أسلوب غناء البلوز إلى منطقة واسعة في غرب أفريقيا، كانت على اتصال مستمر بالعالم العربي الإسلامي منذ القرن الثامن، وتميز هذا الأسلوب بنبرته المتذبذبة والمتشعبة، إذ تطوى نغمات عدة على مقطع لفظي واحد، وهو إرث مباشر لهذا التفاعل الطويل.
وأوضحت المؤرخة سيلفيان ديوف هذا الرابط من خلال تسجيل لصوت الأذان مع تسجيل ميداني يعود إلى أربعينيات القرن الـ20 لأغنية "ليفي كامب هولر" من ولاية ميسيسيبي، وهي أغنية كانت تؤدى أثناء العمل، وحفظها عالم الفولكلور آلان لوماكس، الذي سجل آلاف العروض الشعبية الأميركية لمكتبة الكونغرس.
وتشير ديوف إلى أن اللحنين يتشاركان النغمات المزخرفة ذاتها، والمقاطع المطولة والتنغيم المتموج والتطويل الموسيقي والفواصل، بحيث يصعب عند عزفهما متتاليين التمييز بين نهاية الأذان وبداية الهتاف.
الحرية الدينية والإسلام
بعد قرن من الزمان، أصبح مسلم أميركي آخر محور قضية تاريخية تتعلق بالحرية الدينية، فعام 1964، أعلن بطل العالم في الملاكمة للوزن الثقيل، كاسيوس كلاي، اعتناقه الإسلام واتخذ اسم محمد علي، لكنه بعد ثلاثة أعوام، عندما استُدعي للقتال في فيتنام، رفض التجنيد، مصرحاً بأن الإسلام يحرم ذلك.
غير أن عواقب ذلك كانت فورية وكارثية، إذ جُرد كلاي من لقبه، ومُنع من دخول الحلبة في أوج لياقته البدنية، ودِين بالتهرب من التجنيد، وحكم عليه بالسجن خمسة أعوام، ولأكثر من ثلاثة أعوام (من سن 25 إلى 28) مُنع أفضل ملاكم في جيله من المشاركة في البطولات، مما دفعه إلى رفع القضية إلى المحكمة العليا التي نقضت بالإجماع إدانته في حكم تاريخي عام 1971، بعدما وجد أعضاء المحكمة أن الحكومة أبلغت مجلس التجنيد الخاص به خطأ بأن اعتراضه على حرب فيتنام لم يكن صادقاً ولا على أساس ديني.
وعلى العكس من ذلك، أقر حكم المحكمة العليا بأن رفض محمد علي كلاي استند إلى قناعة دينية راسخة، وأن إيمان المسلم يمكن أن يبرر الاستنكاف الضميري وفقاً للشروط نفسها الممنوحة منذ زمن طويل لطوائف دينية أميركية أخرى اختارت عدم المشاركة في الحرب، مثل الكويكرز والمينونايت.
وبذلك أسهم الحكم في توضيح أن الحماية الممنوحة لما يسمى بكنائس السلام قد اتسعت لتشمل المسلمين، مما يؤكد أن هذه القضية دفعت المحاكم إلى النظر في أن الحماية الدينية الدستورية تشمل جميع الأديان، وليس المسيحية واليهودية فقط.
وفي التوقيت ذاته تقريباً كان مالكوم إكس من بين أكثر الشخصيات المسلمة الأميركية تأثيراً في التاريخ الأميركي، إذ أسهم بصورة جذرية في إعادة تشكيل الحقوق المدنية والفخر الثقافي، إذ أحدث مالكوم إكس الذي اختار لنفسه اسم (الحاج مالك الشباز) نقلة نوعية في حركة الحقوق المدنية الأميركية من خلال طرحه أفكار تقرير المصير للسود وحقوق الإنسان العالمية، ولا تزال سيرته الذاتية مرجعاً أساساً في الأدب الأميركي والعدالة الاجتماعية.
لكن قبل محمد علي كلاي ومالكوم إكس كانت الحياة السياسية للمسلمين قد اتخذت بحلول منتصف القرن الـ20، أشكالاً متباينة، فقد سعت الجاليات المهاجرة إلى الاندماج المدني بهدوء، بينما عبرت حركات المسلمين السود، وعلى رأسها حركة أمة الإسلام، عن الإسلام كناقد للرأسمالية العنصرية والإمبراطورية الأميركية.
نشاط وازدهار
عقب هذه التقاليد السياسية للمسلمين، وبعد صدور قانون الهجرة والجنسية لعام 1965، لم تصبح الجاليات الإسلامية أكثر وضوحاً فحسب، بل أصبحت أيضاً أكثر تنوعاً عرقياً وإثنياً، مع وصول مهاجرين من جنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا.
أعاد هذا التحول الديموغرافي تشكيل الحياة المؤسسية للمسلمين، إذ ازدهرت المساجد والجمعيات الطلابية ومنظمات المناصرة الحقوقية، لا سيما في المراكز الحضرية مثل نيويورك، إلى جانب المنظمات الإثنية والدينية والثقافية التي تعكس تقاليد لغوية ووطنية ومذهبية متنوعة.
وبحلول تسعينيات القرن الـ20 ازداد اندماج المسلمين الأميركيين في السياسة الانتخابية وبناء التحالفات والدفاع عن الحقوق المدنية، وتجلى ذلك في عدد من المنظمات الوطنية التي سعت إلى تنظيم حملات لتسجيل الناخبين، والدعوة إلى تغيير السياسات، وإقامة تحالفات مع الأميركيين من أصول أفريقية، والأميركيين العرب، وجماعات الحقوق المدنية عموماً، والتقى قادة مسلمون حملات انتخابية رئاسية، وتحدوا التمييز في المحاكم، وحشدوا جهودهم بصورة جماعية، وبنوا تحالفات عابرة للانتماءات الدينية والمجتمعية.
نقطة تحول
شهدت بداية القرن الـ21 نقطة تحول بالنسبة إلى المسلمين في الولايات المتحدة، حين تعرض هذا المسار الإيجابي لانعطاف حاد جراء أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 حين برز المسلمون بصورة لافتة، ليس لاندماجهم في العمل السياسي، بل بسبب الشكوك الواسعة النطاق حولهم، فقد ترسخت ظاهرة الإسلاموفوبيا ليس فقط في الخطاب العام، بل أيضاً في القوانين والسياسات.
أتاحت إجراءات فيدرالية أميركية، مثل قانون باتريوت، مراقبة واسعة النطاق للمسلمين ولأنشطتهم، ورصداً دقيقاً للمجتمعات المسلمة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المساجد والمنظمات المجتمعية وجمعيات الطلاب المسلمين، وأصبحت المشاركة المدنية للمسلمين، التي كان يجري تشجيعها في السابق كمؤشر إلى الاندماج، ينظر إليها بصورة متزايدة على أنها تهديد محتمل في ظل هذه الأطر الأمنية الوطنية.
بالنسبة إلى كثير من أبناء المهاجرين المسلمين الذين بلغوا سن الرشد خلال هذه الحقبة، تشكلت المشاركة السياسية وفقاً لما يسميه علماء الاجتماع "الانتماء المشروط"، حسبما تقول أستاذة علم الاجتماع العام في جامعة لويولا بولاية ميريلاند، أليزاي خالق، فقد تطلب القبول في الحياة العامة إظهار "المواطنة الأميركية" من خلال إظهار الوطنية، والتزام المعايير الثقافية السائدة، وفي كثير من الأحيان قمع جذور المسلمين العرقية والثقافية.
جسدت مدينة نيويورك هذه التناقضات بصورة صارخة، فبينما كان يحتفى بها كمركز عالمي لتنوع الثقافات، أصبحت في الوقت ذاته مختبراً لأساليب مكافحة الإرهاب، وخضعت جمعيات الطلاب المسلمين للمراقبة، والجمعيات الخيرية للتدقيق، والمساجد للاختراق، وكثيراً ما كانت المشاركة المدنية تحصل في ظل المراقبة، إذ كان الهدف من المشاركة إثبات البراءة بدلاً من التعبير عن المطالب الهيكلية.
طريق جديد
ولهذا يمثل صعود زهران ممداني من عضو في مجلس ولاية نيويورك إلى منصب رئيس البلدية تحولاً جوهرياً عن هذا النموذج وترسيخاً لطريق جديد، إذ لم تسع حملته الانتخابية إلى اكتساب الشرعية عبر سياسات الاعتذار أو التنازل، بل رسخ ممداني الوعي السياسي للمسلمين ولغيرهم من الفئات المهمشة في نضالات طويلة الأمد حول السكن والمواصلات والوصول إلى الموارد العامة، ومن خلال إعطاء الأولوية للعدالة التوزيعية على حساب الإيماءات الرمزية، صاغ هذه التحديات كقضايا بنيوية تتعلق بعدم المساواة.
يعكس هذا النهج تحولات أوسع نطاقاً بين المسلمين الأميركيين، ولا سيما الأجيال الشابة، الذين يرفضون بصورة متزايدة سياسات الاعتذار، إذ كشفت دراسات حديثة أن كثيراً من مسلمي الجيل الثاني لا ينظرون إلى الإسلام كعبء في الحياة المدنية، بل كإطار للعدالة الاجتماعية والتوزيعية، بما يشكل أساساً لبناء التضامن عبر الخطوط الدينية والعرقية.
لذا، تمثل نيويورك في عهد ممداني نقطة تحول في المشاركة المدنية للمسلمين الأميركيين، إذ لم تعد المشاركة السياسية دفاعية، بل أصبحت فاعلة في رسم الأجندة، ويعكس هذا التحول من المراقبة الحكومية إلى تقرير المصير، ومن الإدماج المشروط إلى العمل الجماعي، تحولات أوسع في كيفية وجود المسلمين في المجال العام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مستقبل مختلف
وإذا كان مطلع القرن الـ21 تميز بظهور المسلمين كتهديد، فإن انتخاب ممداني وفوز عبدالسيد في انتخابات الحزب الديمقراطي تمهيداً لمعركة فاصلة في انتخابات التجديد النصفي ليصبح أول سيناتور مسلم في تاريخ أميركا، يشير إلى إمكان مختلف وهو ظهور المسلمين كرؤية تسهم في تحقيق العدالة الهيكلية في المجتمع الأميركي بدلاً من التمثيل الرمزي وحده.
كذلك يشير ذلك إلى سياسة تستطيع فيها المجتمعات المهمشة تاريخياً، بغض النظر عن الدين أو العرق أو وضع الهجرة، ممارسة النفوذ ليس فقط للمطالبة بمكانة، بل لإعادة تعريف الأولويات المدنية.
وتشير المشاركة المدنية للمسلمين إلى جانب آخر مضيء في الحياة الخيرية الأميركية المعاصرة بفضل التزام كثير منهم بواجباتهم الدينية، فمن بين أركان الإسلام الخمسة الزكاة، وهي واجب إخراج نسبة ثابتة (عادة 2.5 في المئة) من ثروة الفرد المتراكمة للمحتاجين، إلى جانبها الصدقة، وهي تطوعية تقدم فوق هذا الواجب، من دون نسبة محددة أو موسم معين.
وعلى رغم أنهم يشكلون نحو واحد في المئة من السكان، فإنهم تبرعوا بنحو 4.3 مليار دولار للأعمال الخيرية في عام 2020، وفقاً لباحثين في مبادرة العمل الخيري الإسلامي بجامعة إنديانا، ويبلغ متوسط كل متبرع نحو 3200 دولار، مقارنة بنحو 1900 دولار من جيرانهم غير المسلمين.
يبقى نحو 85 في المئة من هذه التبرعات داخل الولايات المتحدة، ولا يذهب الجزء الأكبر منها إلى المساجد أو المؤسسات الإسلامية، بل إلى أغراض علمانية عامة كإغاثة الفقراء والاستجابة لجائحة كورونا والدفاع عن الحقوق المدنية.
وينطبق التوجه الخارجي نفسه على بيانات الزكاة، فمن بين ما يقارب 1.8 مليار دولار من الصدقات المفروضة التي دفعها المسلمون الأميركيون في عام 2021، ذهبت الحصة الكبرى إلى المؤسسات الخيرية غير الربحية بدلاً من الأقارب أو دور العبادة.
نماذج مؤثرة
ولا يقتصر تأثير المسلمين فقط في الحياة السياسية في الأعوام الأخيرة، بل يمتد إلى نماذج أصبحت أيقونات مضيئة في الحياة الأميركية الفنية والرياضية والاقتصادية، ومن بين هؤلاء الكوميدي الحائز على جائزتي "إيمي" و"غرامي" ديف تشابيل، الذي أحدث ثورة في التلفزيون الأميركي وفن الكوميديا الارتجالية، إذ يستخدم منصته الواسعة لانتقاد الأعراف الاجتماعية الأميركية والعلاقات العرقية والسياسة.
كذلك أصبحت جانيت جاكسون التي اعتنقت الإسلام في وقت لاحق من حياتها، أيقونة موسيقى البوب وحازت على كثير من الأسطوانات البلاتينية، وأثرت بصورة كبيرة في مشهد موسيقى البوب الأميركية الحديثة وتصميم الرقصات والفيديوهات الموسيقية.
ومنذ اعتنق آيس كيوب (أوشيا جاكسون) مغني الراب والمخرج السينمائي الأسطوري الإسلام في التسعينيات، أسهم في ريادة موسيقى الراب مع فرقته، وأصبح لاحقاً ممثلاً ومنتجاً ومديراً تنفيذياً بارزاً في هوليوود.
وفي مجال الرياضة، لم يكن محمد علي كلاي هو فقط أعظم ملاكم في الوزن الثقيل على مر العصور، بل استغل شهرته الرياضية العالمية للدفاع عن الحرية الدينية والمساواة العرقية ومبادئ مناهضة الحرب، كذلك نقش كريم عبدالجبار، لاعب كرة السلة الشهير، اسمه بحروف من نور في قاعة مشاهير الرابطة الوطنية لكرة السلة الأميركية كهداف تاريخي سابق، رسم قواعد اللعبة بفضل رميته الشهيرة "سكاي هوك"، وهو الآن كاتب ثقافي بارز حائز على وسام الحرية الرئاسي.
أما حكيم أولاجوون، أسطورة كرة السلة النيجيري الأميركي، فقد قاد فريق هيوستن روكتس للفوز ببطولتين متتاليتين في التسعينيات، واشتهر بأدائه المتميز الذي أهله للفوز بجائزة أفضل لاعب في الدوري، على رغم صيامه التام خلال شهر رمضان.
سجلت المرأة المسلمة أيضاً اسمها في قائمة أشهر الرياضيات الأميركيات إذ أصبحت ابتهاج محمد، أول رياضية أميركية تشارك في الألعاب الأولمبية مرتدية الحجاب تفوز بالميدالية البرونزية في رياضة المبارزة في دورة ألعاب ريو 2016، محطمة بذلك كثيراً من الحواجز أمام المرأة المسلمة في الرياضة.
وفي دائرة الأعمال والاقتصاد، اكتسب المصري الأميركي محمد العريان شهرة عالمية كمؤلف ومستشار اقتصادي بارز، ومعلق محترف في تنبؤاته بالأسواق والعملات والتجارة، بعدما شغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة "بيمكو"، التي تعد إحدى كبرى شركات إدارة الاستثمار في العالم.
كذلك أصبح مالك فريق جاكسونفيل جاغوارز في دوري كرة القدم الأميركية، رجل الأعمال الملياردير شاهد خان، من أشهر الرواد المسلمين الأميركيين، إذ بنى ثروته بتحويل شركة "فليكس إن غيت" إلى إمبراطورية عالمية ضخمة لتصنيع السيارات.
وأحدث مؤسس شركة "تشوباني" ورئيسها التنفيذي، الملياردير حمدي أولوكايا، ثورة شاملة في صناعة الألبان الأميركية والسلع الاستهلاكية المعبأة، كذلك يُعرف بأعماله الخيرية مع اللاجئين.