ملخص
حاولت باكستان أخيراً إعادة تعريف نفسها كدولة راعية للسلام ولاعب إيجابي في المنطقة، تعمل على بناء الشراكات الاقتصادية وتؤمن بالحلول السلمية، وبحريّة الملاحة البحرية. ويأتي دور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران في هذا السياق، إذ تصدرت باكستان عناوين الصحف العالمية للمرة الأولى منذ عقود كطرف بنّاء على المستوى العالمي.
في مشهد أعاد إلى الأذهان صور اجتماع القادة الإسلاميين في مؤتمر القمة الإسلامية في مدينة لاهور الباكستانية عام 1974، تداولت وسائل الإعلام مشاهد وقوف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف جنباً إلى جنب لأداء صلاة الجمعة في الحرم المكي الشريف عقب التوقيع على "اتفاقية الدفاع المشترك" بين الدول الثلاث، التي تنص على أن الهجوم على إحداها يُعتبر هجوماً على الجميع.
وحملت مراسم التوقيع دلالات رمزية عدة أشارت إلى القواسم المشتركة بين الدول الثلاث، التي أفضت إلى هذا التحالف، إضافة إلى الرؤية المستقبلية المشتركة للمنطقة، التي تضمن مصالح الدول وسلامتها، والمبنية على أسس التنمية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
وعززت مشاركة إسلام آباد في التحالف حضورها في الشرق الأوسط، الذي شهد تحولاً لافتاً مع توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية العام الماضي، ثم قيام باكستان بدور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران بدعم من الدول الخليجية، إضافة إلى كونها جزءاً من المسار الرباعي الذي شمل مصر وتركيا والسعودية، لتتوج هذه المشاركات بـ"اتفاقية مكة الدفاعية".
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تنخرط إسلام آباد التي تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران في شؤون الشرق الأوسط، وما حساباتها في توقيع اتفاقية مكة؟
إعادة تعريف
عانت باكستان منذ عقود أضراراً مزدوجة خلال حملاتها لمكافحة الإرهاب، إذ أصبحت هدفاً للجماعات الإرهابية التي نشأت في المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان، وعاثت في المدن الباكستانية فساداً، من خلال التفجيرات الانتحارية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين، إلى جانب الأضرار الاقتصادية والبنى التحتية، ورسم صورة لها كدولة غير آمنة. ومن ناحية أخرى، أصبحت باكستان عرضة لاتهامات بإيواء المسلحين وتصدير الإرهاب إلى الدول المجاورة ودعم جماعات محظورة.
وعلى رغم أن هذه الاتهامات كانت تحمل جزءاً من الحقيقة، فإن إسلام آباد أعادت النظر في سياساتها وصورتها على المستوى الدولي، لا سيما بعد وضعها على القائمة الرمادية من قبل مجموعة العمل المالي، وعملت على تنفيذ إصلاحات في نظامها المالي لمنع التدفقات المالية للجهات المشبوهة، إلى جانب اتخاذ إجراءات قضائية ضد الأشخاص المطلوبين عالمياً.
وحاولت باكستان منذ ذلك الحين إعادة تعريف نفسها كدولة راعية للسلام ولاعب إيجابي في المنطقة تعمل على بناء الشراكات الاقتصادية وتؤمن بالحلول السلمية، وبحريّة الملاحة البحرية. ويأتي دور الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران في هذا السياق، إذ تصدرت باكستان عناوين الصحف العالمية للمرة الأولى منذ عقود كطرف بنّاء على المستوى العالمي.
وتسعى إسلام آباد أخيراً من خلال توقيع اتفاقات دفاعية وبناء شراكات عسكرية مع الدول الخليجية إلى تعزيز دورها الأمني في الخليج كقوة رادعة للاعتداءات والمشاريع التخريبية، وبذلك تقوّي باكستان علاقتها بالدول الخليجية وتقدم نفسها كلاعب إقليمي وتضمن مصالحها الدبلوماسية والاقتصادية في آن.
خطر الإرهاب
من بين التهديدات المشتركة التي تواجهها الدول الثلاث الموقعة على "اتفاقية مكة" هو خطر الجماعات المسلحة الخارجة عن الدولة، وربما نجحت تركيا إلى حد كبير في احتواء أزمة الأكراد، لكن الفصائل المذهبية المسلحة تستمر في اعتداءاتها على السعودية، وتحديداً من اليمن والعراق، وتواجه باكستان تحدياً أمنياً من حركة "طالبان الباكستانية" و"جيش تحرير بلوشستان" الانفصالي.
وخلال الأعوام الأخيرة، وخصوصاً بعد عودة "طالبان" إلى الحكم في أفغانستان، شهدت باكستان موجة عاتية من الهجمات الإرهابية في أنحاء الدولة، وعلى رغم استمرار العمليات العسكرية المبنية على المعلومات الاستخباراتية، فإن أعداد القتلى في صفوف الجيش والشرطة والمدنيين تزداد كل عام، فيما يتفاقم الوضع الأمني في بلوشستان وعجزت السلطات الباكستانية عن احتوائه.
توفر "اتفاقية مكة" فرصة لباكستان للتعامل مع التهديد الإرهابي من خلال الاستفادة من بند التنسيق الدفاعي وتبادل المعلومات والتقنيات الاستخباراتية، لا سيما من المسيرات التركية التي أثبتت كفاءتها في أكثر من صراع، في ظل اقتناء الجماعات المسلحة الباكستانية تقنيات متطورة وتشكيلها وحدة المسيرات الخاصة. التعاون الثلاثي في مكافحة الإرهاب ربما لن يصنع صدى على المستوى الإقليمي، لكنه بالتأكيد سيشكل نقطة تحول على المستوى المحلي.
ورقة دبلوماسية
إلى جانب التعامل مع التهديدات الأمنية، ترى باكستان في الاتفاقية الحالية فرصة لتعزيز موقفها الدبلوماسي في المجتمع الدولي، إذ لم تعد باكستان مجرد دولة صغيرة نسبياً في جنوب آسيا بين العملاقتين الصين والهند، بل أصبحت لاعباً إقليمياً ذا ثقل سياسي كبير في المنطقة.
وتتمحور السياسة الخارجية لباكستان حول عدد من القضايا الشائكة التي تشمل الملف الهندي وما يحويه من خلافات حول كشمير والأنهار والإرهاب العابر للحدود، وحال الحرب مع أفغانستان إضافة إلى الحفاظ على الأمن الاقتصادي في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لهذه القضايا بعد دبلوماسي مهم وتحتاج إلى متابعة مستمرة ليس من مكتب الخارجية فقط، بل أيضاً من خلال التواصل مع العواصم العالمية حيث تتجلى أهمية الشراكات الدفاعية، إذ تقدم إسلام آباد نفسها أمام القوى العالمية كقوة إقليمية ذات نفوذ وشراكات مهمة في الشرق الأوسط تدفعها إلى تبني سياسات توافق مصالحها، أو في الأقل تمنعها من السياسات التي تؤثر فيها سلباً.
شراكات اقتصادية
تسعى باكستان من خلال توقيع اتفاقية مكة، إلى جانب إيجاد إطار أمني جديد في المنطقة، إلى بناء شراكات اقتصادية مع السعودية وتركيا، وتتطلع من خلال تجسيد هذا التحالف، إلى ما هو أبعد من مجرد حلف دفاعي، فتأمل باستثمارات اقتصادية ومشاريع تنموية تسد حاجتها المالية.
وتدرك الدول المشاركة في التحالف أن الأمن الاقتصادي والسيادة المالية ليستا مسألتين منفصلتين عن الأمن القومي، ولا أقل أهمية من الأمن العسكري. وبطبيعة التحالف التكاملية فإن كل دولة ستساعد شريكتيها في مواطن القوة والمقومات التي تمتلكها، بينما تسد حاجتها في مواطن الضعف لديها.
إذ تضيف باكستان إلى التحالف ثقلها العسكري ومكانتها كقوة نووية، فيما تأمل في الاستفادة من الاستثمارات والشراكات الاقتصادية. إذ تمر بأزمة مالية خانقة وتعتمد على حزم المساعدات من صندوق النقد الدولي، إضافة إلى الإمدادات من الدول الصديقة في الخليج، حتى إن ودائع السعودية تمثل نحو نصف الاحتياطات الأجنبية في البنك المركزي الباكستاني، وبحسب أرقام منشورة في أبريل (نيسان) 2026، بلغ الدعم السعودي عبر ترتيبات الودائع نحو 8 مليارات دولار. مما يعكس حال شبه انهيار اقتصادي، لا تقتصر آثارها على المشاريع التنموية بل أيضاً تؤثر في الإنفاق الحكومي على الدفاع وحفظ سيادة باكستان بشكل كامل.
أخيراً، ينبغي الإشارة إلى أنه على رغم أن الدور الباكستاني على الجبهة الخارجية من توقيع للاتفاقيات ووساطة بناءة في الصراعات العالمية يمثل نجاحاً دبلوماسياً مهماً، فإن الصورة المجمّلة للدولة على المستوى الدولي تتحسن فقط في حال تطبيق مبدأ السلام على جميع الجبهات بما في ذلك الجبهة الأفغانية، إضافة إلى ضمان مشاركة الشعب الباكستاني من خلال إعطائه الحريات المكفولة في الدستور.